موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١١ مايو / أيار ٢٠٢٦

"تَحدِّي المحبّة" الكاثوليكيّ-القبطيّ ومُستَقْبَلُه

بقلم :
د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك - كولومبيا
"تَحدِّي المحبّة" الكاثوليكيّ-القبطيّ ومُستَقْبَلُه

"تَحدِّي المحبّة" الكاثوليكيّ-القبطيّ ومُستَقْبَلُه

 

مُقدّمة

 

على هامش "يوم الصداقة" بين الكنيستَيْن القبطيّة الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة (الـ10 من مايو/أيّار من كلّ عامٍ)، أُقدّم هنا مقالًا قد سَبَقَ ونُشِر في "مجلّة الصلاح" بنُسخته الأُولى، في عدد يوليو-أغسطس لعام 2023. ولقد تمّتْ في العام عينه، الزيارةُ التاريخيّة التي قام بها الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، إلى أخيه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وخليفة القدّيس بطرس (الـ10 من مايو/أيّار لعام 2023). وكانت بدورها زيارةً للاحتفال بمرور خمسين عامًا على لقاءٍ تاريخيّ آخر قد جَمَعَ بين قداسة البابا بولس السادس وقداسة البابا شنودَه الثالث في حاضرة الفاتيكان، في يوم الخميس الموافق الـ10 من مايو/أيّار لعام 1973.

 

أوّلًا: لقاءٌ تاريخيّ

 

لقد مرّت بضعة أعوامٍ على الزّيارة التي قام بها الأنبا تواضروس الثّاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، إلى أخيه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وخليفة القدّيس بطرس، في الـ10 من مايو/أيّار للعام 2023. وقد شاهدها أو قرأ عنها أو سمع بها الكثيرون منّا؛ وتناول المتخصّصون والمحلّلون والصّحافيّون جوانب تاريخيّة وتعليميّة عدّة متعلّقة بهذه الزّيارة التّاريخيّة في العصر الحديث؛ منها– على سبيل المثال: لماذا هي تاريخيّة؟ وما مدى أهمّيّتها؟ وما هو محتواها؟ وما هي أبعادها؟ ويعرف الكثيرون منّا أنّ هذا اللّقاء التّاريخيّ الحديث جاء للاحتفال معًا بمرور خمسين عامًا على لقاء تاريخيّ آخر قد جمع بين قداسَة البَابَا بولس السَّادس وقداسَة البَابَا شنودَه الثّالِث في حاضرة الفاتيكان، في يوم الخميس الموافق 10 مايو/أيّار للعام 1973، وهو أوّل لقاء بين أسقف روما وبطريرك الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة منذ القرن الخامس الميلاديّ، والذي تُوِّج بدوره بالتّوقيع على "بيان مشترك" حول أمور كنسيّة وتعليميّة وعقائديّة هامّة. ثمّ بعد ذلك، في الـ12 من فبراير/شباط لعام 1988، بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، وَقَّعَ ممثّلون رسميّون عن الكنيستَيْن على "الإعلان-الاتفاق الكريستولوجيّ المشترك". وكذلك أيضًا لتذكُّر عشرة أعوام على اللّقاء الأوّل بين قداسة البابا فرنسيس وقداسة البابا تواضروس الثّاني، في حاضرة الفاتيكان أيضًا، في يوم الجمعة الموافق 10 مايو/أيّار للعام 2013، وقد جاء بعد أشهر قليلة من انتخابهما كقائدَين لكنيستَيهما، مُذكِّرًا بخمسينيّة اللّقاء التّاريخيّ الأوّل المذكور أعلاه.

 

ولقد تمَّ هذا اللّقاء الأخير ذو الذّكرى المزدوجة في ساحة القدّيس بطرس، في يوم الأربعاء الموافق 10 مايو/أيّار للعام 2023، يوم الاحتفال بـ"يوم الصّداقة" بين الكنيستَين القِبطيّة الأرثوذكسيّة والكَاثوليكيّة بجميع مكوّناتها. وخاطب البابا تواضروس الثّاني أخيه خليفة القدّيس بطرس والشّعب المسيحيّ بكلمات عميقة متعلّقة بالتّعاليم المسيحيّة الأصيلة وعراقة وتاريخيّة العلاقات بين الكنيستَين؛ وقام البابا فرنسيس بدوره بإلقاء كلمات أخرى عميقة للتعليق على كلمات أخيه خليفة القدّيس مرقس. وقد لاحظ الجميعُ التّناغم والتّوافق الشّديدين بين شخصيّتهما وفكرهما وحديثهما.

 

لا يمكن لأحد من الحاضرين لهذا اللّقاء التّاريخيّ، أو المتابعين له عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أن ينكر تاريخيّته وأهمّيّته وتأثيره. وقد علّق الكثيرون– من المسيحيّين وغير المسيحيّين– عن مدى تأثُّرهم بهذا اللّقاء الأخويّ المفعم بتعبيرات المحبّة والتّواضع والأخاء والتّقارب؛ وشهد الجميع أنّ هذا هو ما يريده السّيّد المسيح من أتْباعه وأتْباع الأديان الأخرى. ولكن، وعلى نحو آخر، راح بعضهمُ (من الكَاثوليك والأرثوذكس، ومن الإكليروس وشعب المؤمنين، ومن المتخصّصين وغير المتخصّصين) يشكّون ويشكّكون في أهمّيّة هذا اللّقاء التّاريخيّ وفاعليّته وجَدْواه؛ وأقلّ ما قِيل عنه من لدن المشكّكين هو أنّه زيارة عقيمة وغير مجدية.

 

وحتّى لا نطيل، نقول إنّ التّساؤلات المحوريّة التي يدور حولها مقالنا الموجز هذا هي التّالية: هل تغيّر أو سيتغيّر شيءٌ ما بعد هذا اللّقاء التّاريخيّ؟ هل من مستقبل باهر وثمار مرتجاة له؟ هل ستتّحد الكنيستان العريقتان أخيرًا في تعاليمهما وممارستهما؟ هل سنضحى مباشرةً كنيسة واحدة في مصر؟

 

 

ثانيًا: لمحةٌ تاريخيّة حول مضامين البيانات المشتركة الكَاثوليكيّة-القِبطيّة

 

في ما يتعلّق بتقرُّب الكنيسة الكَاثوليكيّة إلى جميع الكنائس والطّوائف والجماعات المسيحيّة، ينبغي القول بأنّه كثير ومتعدّد الجوانب. فالكنيسة الكَاثوليكيّة، بفضل إصغاءها لنفحات الرّوح القدس وقراءتها لعلامات الأزمنة، رائدة ومتمرِّسة وخبيرة في الحوار بشتّى أنواعه وطرقه. فكبرهان لهذا تكفي قراءة سريعة لوثائق المجمع الفاتيكانيّ الثّاني (1962-1965)، والمجلّدات الكثيرة باللّغات الأجنبيّة عن الحوار المسكونيّ بين الكنيسة الكَاثوليكيّة والكنائس والجماعات المسيحيّة الأخرى. إنّها لمغالطة كبيرة وسقطة القول بعكس ذلك.

 

أمّا عن المسيرة المشتركة ومحاولات تقارب وتفاهم الكنيسة الكَاثوليكيّة مع الكنيسة القِبطيّة الأرثوذكسيّة، في العصر الحديث، فهي واضحة للغاية، فمن ضمنها مثلًا "البيان المشترك" الذي وَقّع عَليه قداسَة البَابَا بولس السَّادس وقداسَة البَابَا شنودَه الثّالِث" (في عام 1973)، و"البيان المشترك" الذي وَقّع عَليه قداسَة البَابَا فرنسيس وقداسَة البَابَا تواضروس الثّاني (في عام 2017)، وأيضًا لجنة الحوار بين الكنيستَين كما يقول "البيان المشترك" الأوّل المذكور أعلاه (على سبيل المثال، "الإعلان-الاتفاق الكريستولوجيّ المشترك" لعام 1988)، ومجلس الكنائس المصريّة، ومبادارت أخرى متنوّعة.

 

وإذا أَرَدنا أن نختصر مضامين البيانات المشتركة الكَاثوليكيّة-القِبطيّة (للعامَيْن 1973 و2017)، وكذلك مضمون "الإعلان-الاتفاق الكريستولوجيّ المشترك" الموقَّع من قِبَل ممثّلين رسميّين عن الكنيستَيْن القبطيّة الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة (عام 1988)، بشأن تَفَاهمات كنسيّة وتعليميّة وعقائديّة متنوّعة، وهو ما يحتاج بدوره إلى قراءة متأنيّة وتأمليّة، يمكننا أن نكتفي بالإشارة إلى ثلاث قضايا هامّة:

 

 

1. الإيمان الكريستولوجيّ المشترك، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بالإله الأحد-الواحد-الثالوث: «وفقًا للمجامع المسكونيّة الثلاثة الأولى نقرّ أن لنا إيمانًا واحدًا، بإله واحد مثلّث الأقانيم وبلاهوت ابن الله الوحيد، الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، كلمة الله وضياء مجده وصورة جوهره، الذي تجسّد من أجلنا، متّخذًا له جسدًا حقيقيًّا ذا نفس ناطقة عاقلة، وصار مشاركًا إيانا إنسانيّتنا ولكن بغير خطيئة، ونقرّ بأنّ ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلّنا يسوع المسيح إله كامل من حيث لاهوته، إنسان كامل من حيث ناسوته. وأنّ فيه قد اتّحد اللاهوت بالناسوت اتّحادًا حقيقيًّا كاملًا بغير اختلاط ولا امتزاج، ولا تشويش ولا تغيير، ولا تقسيم، ولا افتراق، فلاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة أو طرفة عين. وأنّه وهو الإله الأزلىّ الأبدىّ غير المنظور صار منظورًا في الجسد، واتّخذ صورة عبد. وفيه قد حُفظت كلّ خصائص اللاهوت وكلّ خصائص الناسوت جميعًا، باتّحادٍ حقيقيّ كامل، اتّحاد لا يقبل التجزئة أو الانقسام ولا يقبل الانفصال» ("البيان المشترك" لعام 1973). وكذلك، كما جاء في "الإعلان-الاتفاق الكريستولوجيّ المشترك" لعام 1988، «نؤمن أن ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الكلمة المتجسد، هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته. وجعل ناسوته واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا تشويش، ولاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. وفي نفس الوقت، نحرم كلّا من تعاليم نسطور وأوطاخي».

 

2. المفاهيم السرائريّة والمريميّة والإكليزيولوجيّة والروحانيّة والطقسيّة والإسكاتولوجيّة: «نؤمن معًا أن الحياة الإلهية تُمنَح لنا بواسطة أسرار المسيح السبعة في كنيسته، وأن تلك الحياة الإلهية تنمو فينا وتغتذي بهذه الأسرار: وهي المعمودية، الميرون (التثبيت)، الإفخارستيا (القربان المقدس)، التوبة، مسحة المرضى، الزيجة، الكهنوت. ونحن نكرم العذراء مريم، أم النور الحقيقي، ونعترف أنها دائمة البتولية، وأنها والدة الإله، وأنه تشفع فينا وأنها بصفتها والدة الإله (ثيئوتوكوس) تفوق في كرامتها كرامة جميع الطغمات الملائكية. ونحن لنا إلى حد كبير مفهوم واحد للكنيسة، وأنها مؤسّسة على الرسل، وللدور الهام الذي للمجامع المسكونية والمحلية. ولنا معًا روحانيتنا التي تعبّر عنها طقوسنا خير تعبير، كما يعبّر عنها القداس الإلهي تعبيرًا عميقًا لأن القداس هو مركز وجوهر عبادتنا الجماعية، وهو قمة اتحادنا وشركتنا مع المسيح في كنيسته. ونحن نحفظ الأصوام والأعياد التي يأمرنا بها ديننا. ونكرم ذخائر القديسين، ونستشفع بالملائكة وبالقديسين الأحياء منهم والمنتقلين. هؤلاء يؤلّفون سحابة من الشهود في الكنيسة. وهم ونحن ننتظر– في رجاء– المجيء الثاني لربنا، عند استعلان مجده ليدين الأحياء والموتى» ("البيان المشترك" لعام 1973).

 

3. قضيّة المعموديّة: «نحن اليوم، البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني، لكي نسعد قلب ربنا يسوع، ‏وكذلك قلوب أبنائنا وبناتنا في الإيمان، فإننا نعلن، وبشكل متبادل، بأننا نسعى جاهدين، بضمير صالح، نحو عدم إعادة سر المعمودية الذي تمَّ منحه ‏في كلٍّ من كنيستينا لأي شخص يريد الانضمام للكنيسة الأخرى. إننا نقرُّ بهذا طاعةً للكتاب المقدس ولإيمان ‏المجامع المسكونية الثلاثة التي عُقدت في نيقية والقسطنطينية وأفسس.‏ نسأل الله الآب أن يقودنا، في الأوقات وبالطرق التي سيختارها الروح القدس، نحو بلوغ الوحدة ‏التامة في جسد المسيح السري» ("البيان المشترك" لعام 2017).

ثالثًا: هَل سيتغيّر كلُّ شيء أَم لن يتغيّر أيُّ شيء البتّة؟

 

بغضّ النّظر عن أُصوليَّة وتَعَصُّب بعض الأقباط الأرثوذكس (سواء من الإكليروس أو الشّعب)، الذين يرفضون –شكلًا وموضوعًا– مُبَادَرَات الحوارات المسكونيّة مع الكنيسة الكَاثوليكيّة، خوفًا من ذَوَبَان الهويّة وفقدانها أو الخروج عن "الإيمان المُسَلَّم للكنيسة الجامعة" – على حدّ تعبيرهم، يتّجه بعض الأقباط الكَاثوليك إلى الشّكّ والتّشكيك في أهمّيّة وفائدة هذه الحوارات المسكونيّة. وانطلاقًا من الواقع الكنسيّ المصريّ الحالي المرير والمحزن، ونظرًا لبعض الأفعال والخطابات الأرثوذكسيّة، يعلن بعض الأقباط الكَاثوليك –صراحةً أو ضمنيًّا– أنّه ما من شيء سيتغيّر إطلاقًا على أرض الواقع.

 

إنّ الكارثة أو المشكلة الكبرى هي أنّه عند التّفاهم والاتفاق علي أمر ما بين الكنيستَين، يقوم بعضُهم بمعارضته وتزييف حقيقته وجوهره، فلا يصل إلى الشّعب، وإن وصل يصل بشكلٍ مُشَوَّه ومُضَلِّل (على سبيل المثال، البيان المشترك الخاصّ بقضيّة "المعموديّة" بين البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثّاني، والزّيارة التّاريخيّة للبابا تواضروس الثّاني إلى روما في شهر مايو الماضي للعام 2023). وإِزاء ما يصدر عن بعضهم (مثلًا، الاعتراض الاعتباطيّ على تصرُّفات وحوارات وقرارات رئيسهم الكنسيّ الحالي وبطريرك الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة)، يحتار الأقباط الكَاثوليك ويَتَسَاءَلُون: أليس هذا رفضًا ضمنيًّا أو صريحًا لغبطة البطريرك الحالي المكرّم والوقور والصّبور، الذي يُعتبَر خليفة القدّيس مرقس وامتدادًا لكرسي الإسكندريّة العريق، علاوةً على كونه دَعوة صريحة لرفض الشّركة مع الكنيسة الكَاثوليكيّة؟ وهَل ما يقوم به بعضُهم بشكلٍ متواتر (ولا سيّما عندما نشعر بأنّ الرّوح القدس يدفع الكنائس كجماعات والمسيحيّين كأفراد إلى التّقارب والتّفاهم)، أعني إطلاق العنان للمغالطات والمزيدات والأحكام التّكفيريّة، واختراع أشياء غير صحيحة عن الكَاثوليك وعن كنيستهم العريقة في الإيمان والعقيدة وعلم اللّاهوت، يمتّ للمسيحيّة والمحبّة والحقيقة بصلة؟

 

وعلى صعيد آخر، يتوهّم بعضُ الحالمين والمثاليّين من الكنيستَين –بصدقٍ ونيّة صافيّة– أنّ كلّ شيء سيتغيّر للتوّ أو في المستقبل القريب. ولكن، وعلى نحو واقعيّ ووفقًا لاعتقاد القادة الحاليين للكنسيتَين أنفسهم، ورغم التّقارب والتّفاهم والإِخَاء والتّعاون، يمكن الجزم بأنّ تغيير كلّ شيء والبلوغ إلى الشّركة الكنسيّة الكاملة لن يحدث قبل عدّة أعوام أو قرون. ليس لأنّنا لم نصل بعدُ إلى "نموذج" لما ستكون عليه الوحدة أو الوحدانيّة الكنسيّة فحسب، وإنّما لوجود العراقيل البشريّة والكنسيّة والتّاريخيّة والعقائديّة والعمليّة أيضًا، وهو ما يحول دون البلوغ إلى الاتّحاد والشّركة الكاملة في الأسرار الكنسيّة في الوقت الراهن. وبالطّبع، لا يُعيق هذا ولا يمنع بناء جسور المحبّة والحقيقة والصّداقة المتنامية بين أبناء وبنات الكنيستَين، والاعتراف المشترك بأخويّة الكنيستَين واتفاقهما على قضايا بيبليّة وعقائديّة مُوحَّدة ومُوحِّدة، والتّشارك في دمّ شهداء الكنيستَين، وتقوّيّة رباط الإيمان والرّجاء والمحبّة المسيحيّة، وإمكانيّة إقامة لقاءات مسكونيّة ومُبَادَرَات عمليّة وروحيّة وطقسيّة وتعليميّة بين أتْباع الكنسيتَين.

 

 

رابعًا: بدايةُ "تَحَدِّي المحبّة" الكَاثوليكيّ-القِبطيّ في عصر الكراهيّة

 

لقد صلّى الرّبُّ يسوع من أجل الوحدة المسيحيّة والشّركة الكاملة بين أتّباعه (يو 17/ 21)، وهما يقومان بدورهما على المحبّة العميقة المتأصّلة في مركز إيماننا الكريستولوجيّ-الثّالوثيّ وحياتنا المسيحيّة. وهو ما تأخذه الكنيسة الكَاثوليكية على عاتقها، وقد سعى إليه الباباوات الكَاثوليك على مرّ العصور، والبابا بولس السّادس والبابا شنودة الثّالث في عام 1973، وفي الوقت الحالي البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثّاني.

 

إنّ المحبّة المسيحيّة بجميع أبعادها لهي "تَحَدِّي" حقيقيّ وكبير، وهي تَتَطَلَّب جَهْدًا وجِهَادًا واجتهادًا على المستوى الشّخصيّ والجماعيّ والكنسيّ. ويمكن القول –باتّضاعٍ وواقعيّة شديدة– بأنّنا لا نزال في بداية "تَحَدِّي المحبّة" هذا، ولاسيّما ونحن في زمن يمكن أن نطلق عليه "عصر الكراهيّة"، والذي يحتاج منّا كمسيحيّين أن نكون شهود وشهداء المحبّة في عصر غاب عن أبنائه وبناته أنّنا أخوة أمام الله أبينا. لقد صدق البابا تواضروس الثّاني في كلماته العميقة هذه: «لقد اخترنا المحبّة حتّى لو كنا نسير عكس تيّار العالم الطّامع والذّاتيّ، لقد قبلنا تحدّى المحبّة التي يطلبها منّا المسيح، وسنكون مسيحيّين حقيقيّين وسيصبح العالم أكثر إنسانيّة، ليعرف العالم كلّه أنّ الله محبّة وهذه هي أسمى صفاته».

 

لذا فإنّنا نرحّب أشدّ ترحيب ببداية "تَحَدِّي المحبّة" الكَاثوليكيّ-القِبطيّ، ونجازف بإيمان ورجاء وَاطيدين للتدرُّب على أسلوب المحبّة ولغتها ومُبَادَرَاتها؛ فالمحبّة الأصيلة والعميقة تجد أساسها ونموذجها في صليب سيّدنا يسوع المسيح (يو 3/ 16؛ 13/ 1؛ 1 كو 1/ 18).

خامسًا: نحو "الشّركة الكاملة"

 

مُستشهِدًا ببعض عبارات خطابه أمام الكرادلة الجُدد (13 يونيو/حزيران للعام 1994)، كتب المتنيّح البابا يُوحنَّا بولس الثّاني، في رسالته الرّسوليّة "نور الشّرق" (1995)، هذه الكلمات الصّادقة والمعبّرة: «"لا يسعنا أن نمثل أمام المسيح، سيّد التاريخ، منقسمين كما كنّا، مع الأسف، على مدى الألف الثاني من المسيحيّة. هذه الانقسامات يجب أن تضمحلَّ أمام التقارب والوفاق؛ على الجراح أن تلتئم في سعينا إلى وحدة المسيحيّين". علينا، بعد تخطّي أوهاننا، أن نتوجّه إليه، هو المعلّم الأوحد، فنشترك في موته بحيث نتطهّر من تمسّكنا الغيور بعواطف وذكريات– ليس لما صنع الله إلينا من عظائم– بل لأحداث بشريّة حصلت في ماضٍ لا تزال تنوء قلوبنا بثقله. إن الروح يجعل نظرنا صافيًا كي نستطيع معًا أن نسعى إلى الإنسان المعاصر المنتظر البُشرى الحسنة. إزاء انتظار العالم وآلامه، إذا ما حملنا الجواب المتناسق والمنير والمحيي، فإنّا نُسهم كلَّ الإسهام في إعلان الإنجيل بأنجع الطرق لأناس عصرنا».

 

أجل، إنّ هذه اللّقاءات التّاريخيّة وما يشبهها ما هي إلّا فرصة "لتعميق المحبّة وتنميّة التّشاور المتبادل وتبادل الرّأي والتّعاون في المجالات الاجتماعيّة والفكريّة"، لخير المجتمعات والبشريّة جماء، في عصرنا هذا، "عصر الكراهيّة". فلَيْتنا نتبع عن كَثَب ما يدعونا إليه "البيان المشترك" لعام 1973، أي إلى تبنّي لغة الحوار والشّركة والشّراكة والمشاركة بين الكنائس، وليس الصّدام والتّحارب والتّناحر، مترجّين يوم الاتّحاد والشّركة الكاملة وسَاعين إليهما. فيقول البيان:

 

«وإننا في إخلاص وإلحاح، نذكّر أن المحبة الحقيقية والمتأصّلة في أمانة كاملة للرب الواحد يسوع المسيح، واحترام متبادل من كل طرف لتقاليد الطرف الآخر، هي عنصر جوهري في السعي نحو الشركة الكاملة. إننا باسم هذه المحبة، نرفض كل صور الخطف من كنيسة إلى أخرى، وننبذ أن يسعى أشخاص من إحدى الكنيستين إلى ازعاج طائفة من الكنيسة الأخرى، وذلك بضم أعضاء إليهم من هذه الكنيسة بناء على اتجاهات فكرية أو بوسائل تتعارض مع مُقتضيات المحبة المسيحية أو مع ما يجب أن تتميز به العلاقات بين الكنيستين. ينبغي أن يوقف هذا الخطف بكل صورة أينما يوجد. وأن على الكاثوليك والأرثوذكس أن يعملوا على تعميق المحبة وتنمية التشاور المتبادل وتبادل الرأي والتعاون في المجالات الاجتماعية والفكرية، ويجب أن يتواضعوا أمام الرب ويتضرعوا إليه، أن يتفضل وهو الذي بدأ من هذا العمل فينا أن يؤتيه ثماره».