موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إن كانت قضيّةُ "الروابط" بين المسيحيّة من جهةٍ واليهوديّة والشعب اليهوديّ من جهةٍ أخرى، حسّاسةً ومعقّدة وصعبة للغاية، ليس من جرّاء التبعيّات والاستنتاجات والإسقاطات السياسيّة فحسب، وإنّما على الأصعدة الكتابيّة والتاريخيّة والليتورجيّة والثيولوجيّة أيضًا؛ إلّا أنّه من الضروريّ العودة مرّة ومرّات إلى هذه القضيّة المهمّة.
بدايةً، ينبغي لنا التمييز جيّدًا وعدم الخلط بين ما يُطلق عليه "الصهيونيّة" أو "الصهيونيّة المسيحيّة" أو "المسيحيّة الصهيونيّة" أو " الصهيومسيحيّة" كمشروعٍ سياسيّ، و"اليهوديّة" كديانةٍ وشعب. فلا بدّ من التأكيد على أمرٍ في غاية الأهمّيّة، ألا وهو أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة لا دخل لها "بالمشروع الصهيونيّ" أو "الصهيونيّة" كمشروعٍ سياسيّ؛ ولا تربط إطلاقًا بين هذا المشروع السياسيّ ومجيء السيّد المسيح الأخير والممجّد. وعلى الصعيد السياسيّ-الدبلوماسيّ، هي تؤيّد حلَّ "الدولتين" (إحداهما للإسرائيليّين والأخرى للفلسطينيّين).
ومن جهةٍ أخرى، وعلى صعيد النظريّات الثيولوجيّة، منذ عصر آباء الكنيسة حتّى يومنا هذا، توجد أطروحاتٌ عدّة لشرح العلاقة بين المسيحيّة واليهوديّة، بعد مجيء يسوع المسيح. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر ما يلي: العهد الأبديّ لله مع اليهود؛ العهد الجديد والنهائيّ مع الكنيسة؛ نظريّة استبدال الكنيسة للشعب اليهوديّ (عند بعض آباء الكنيسة أيضًا)؛ النظريّة التدبيريّة التي يؤدّي فيها الشعبُ اليهوديّ دورًا منفردًا في نهاية الأزمنة. ولكن، ليس هذا كلّه محورَ هذه السطور وغرضها.
من خلال القراءة المتأنّية لنصوص الكِتاب المقدَّس، والنصوص الرسميّة للكنيسة الكاثوليكيّة (التي جمعتُها وسأعرضها مصحوبةً بدراسةٍ موجزة في مقالٍ آخر لاحقٍ بمعونة الله)، بشأن ما ينبغي أن تكون عليه علاقتنا كمسيحيّين بالديانة اليهوديّة والشعب اليهوديّ؛ يمكن القول –وفقًا لقراءتي وفهمي، "وليستْ وراء ذلك دوافع سياسيّة البتّة"– بأنّه توجد مَبادِئٌ عشرة فيما يتعلّق بهذه القضيّة التي نحن بصددها.
1) الجذور اليهوديّة للمسيحيّة: إضافةً إلى وحدة "الوَحْي الإلهيّ" بين اليهوديّة (العهد القديم) والمسيحيّة (العهد الجديد)، لا يمكن إنكارُ أنّ يسوع الناصريّ –المسيح وابن الله–، وكذلك أُمّه العذراء مريم وتلاميذه الأوّلون، ينتمون إلى اليهوديّة، ومن أبناء الشعب اليهوديّ. حتّى الليتورجيا المسيحيّة، في بدايتها، قد تأثّرت بالعبادة اليهوديّة وطقوسها.
2) المسؤولون عن موت يسوع المسيح: في بداية القرن الأوّل الميلاديّ، قامت السلطاتُ اليهوديّة بالتحريض على صَلْبِ المسيح وقتله؛ ومن ثمَّ، فليس جميع اليهود في زمانه مَن قاموا بهذا الفِعْل الشنيع، ولا ينبغي مَدُّ المسؤوليّة عن هذه الجريمة إلى سائر اليهود في كلّ مكانٍ وزمان.
3) "معادة الساميّة": وانطلاقًا من هذا كلّه، ينبغي الحذر أشدّ الحذر من "معادة الساميّة"، وبُغض اليهود، والإساءة إليهم، من جرّاء هذه الجريمة التاريخيّة أو من جرّاء دوافع أخرى.
4) "اكتمال" الوعود في المسيح يسوع، وليس "استبدال": يوجد "تاريخُ عهدٍ واحد" لله مع البشريّة جمعاء، وإن تعدّدت مراحله وأشكاله (نوح، إبراهيم، موسى، العهد الجديد). ففي المسيح يسوع –ربّنا– نجد اكتمال الكُتب المقدَّسة والوعود الإلهيّة والعهد الجديد، وكذلك إعادة إصلاح ما قد فسد بشأن علاقة الإنسان بالله تعالى. يتعلّق الأمر، إذًا، بالاستمراريّة والاكتمال والكمال، لا بالقطيعة والاستبدال. وعلى هذا النحو، فإنّ العهد الجديد، بالنسبة للمسيحيّين، ليس إلغاءً ولا استبدالًا لوعود العهد القديم، بل هو تحقيقٌ لها. ولذا، فإنّ نظريّة الاستبدال أو الإحلال ليس لها جذورٌ كتابيّة؛ وليستْ ملائمةً لشرح العلاقة الأصيلة بين المسيحيّة واليهوديّة.
5) كنيسة العهد الجديد: في كنيسة العهد الجديد تظهر شموليّةُ خلاص المسيح، فنجد يهودًا وسامريّين وأمم (رُسل 1: 8؛ 2: 44-47). وفي مضمار النبوءة المرتبطة بالبُعد الإسكاتولوجيّ أو الأخرويّ، سيحدث "اهتداءُ لليهود" –بطريقةٍ يعلمها الله وحده، وستتحقّق المصالحةُ بين اليهود وجميع المؤمنين من الأمم في نهاية الأزمنة (رُومة 11: 25-36).
6) موقف الله من الشعب اليهوديّ: لم ينبذ الله الشعبَ اليهوديّ، ولم يرذله ويرفضه ويلعنه إطلاقًا، ولا حتّى بعد مجيء المسيح (رُومة 9-11). ولم يبطل الله عهده مع الشعب اليهوديّ، بالرغم من عدم أمانته وسقطاته؛ «أَمَّا مِن حَيثُ البِشارة، فهُم أَعداءٌ لِخَيرِكم، وأَمَّا مِن حَيثُ الِاختِيار، فهُم مَحْبوبونَ بِالنَّظرِ إِلى الآباء. فلا رَجعَةَ في هِباتِ اللهِ ودَعوَتِه» (رُومة 11: 28-29). ولذا، فيظلّ اليهودُ شعبًا لله؛ «لأنّ العهدَ القديم لم يُنقَض قطّ [quia Foedus Vetus nunquam est retractatum]» (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، بند 121).
7) "شجرة الزيتونَة" (رُومة 11: 16-24): يمكن استخدامُ تعبير "شعب الله" –كتكليفٍ، لا كتشريفٍ فحسب– سواء لليهود أو المسيحيّين؛ والكنيسةُ "شعبُ الله الجديد"، إذ إنّ العهد الجديد هو العهد الذي أبرمه يسوع المسيح بدمه داعيًا اليهود والأمم ليجعل منهم شعبًا يجتمع في الوحدة لا بحسب الجسد، بل بحسب الروح. «الكنيسة هي الأرض التي يزرعها الله، وحقله؛ وفى هذا الحقل تنمو الزيتونة القديمة التي كان الآباء أَصلَها المبارك، والتي بها جرَت وستُجرى المصالحة بين اليهود والأُمم؛ وقد زرعها الكرَّام السماويّ كرمةً مختارة؛ والكرمةُ الحقيقيّة هي المسيحُ الذي يُعطي الحياة والخصب للأغصان، أي لنا نحن الذين بالكنيسة نثبتُ فيه، وبدونه لا نستطيع شيئًا» (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، بند 755).
8) القواسم المشتركة بين المسيحيّة واليهوديّة: توجد روابطٌ قويّة بين المسيحيّين واليهود؛ فهنالك قواسم مشتركة بين المسيحيّة واليهوديّة. فإضافةً إلى كُتب إسرائيل المقدَّسة (العلاقة الأصيلة بين العهد الجديد والعهد القديم)، ثمَّة الإرث الروحيّ المشترك، والقناعات الأخلاقيّة، والاهتمام المشترك في سبيل العدالة وترقّي الشعوب. ومن ثمَّ، ينبغي رفضُ التجاوزات والنزاعات والحروب كلّها، التي لا تليق باسم الله تعالى، ضدّ أي شعبٍ أو إنسان. ففي نهاية المطاف، اليهود والمسيحيّون والبشر أجمعين هم أخوة أمام الله.
9) المحبّة تجاه اليهوديّة والشعب اليهوديّ: انطلاقًا من الجذور الواحدة، والإرث المشترك، والتضامن في إيمان إبراهيم، ينبغي لكنيسة المسيح وتلاميذه أن يحبّوا الشعب اليهوديّ، أشخاصًا أو جماعةً، كما يحبّون جميع الشعوب الأخرى؛ وأن يقيموا معهم علاقات طيّبة وحوارات مثمرة، في سبيل خَيْرِ البشريّة جمعاء.
10) الحذر من القراءات المتطرَّفة: على المسيحيّين، إذًا، تجنُّب أيّ قراءةٍ أُحاديّة الجانب للنصوص الكتابيّة، سواء الموجودة في العهد القديم أو العهد الجديد؛ وعليهم السَّعْي إلى التوافق المتزايد من خلال ديناميكيّة المحبّة الأخويّة.
كخُلاصةٍ، تؤكّد تعاليم الكنيسة الكاثوليكيّة، من خلال وثائق المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني (1962-1965)، على ما يلي:
«ولئن كان ذوو السلطان والأتباع من اليهود عملوا على قتل المسيح [يوحنّا 19: 6]، إلَّا أنّ ما اُقترف أبان الآلام والصلب لا يمكن أن ننسبه في غير تمييزٍ إلى جميع اليهود الذين عاشوا آنذاك ولا إلى اليهود المعاصرين لنا. وإن كانت الكنيسة هي شعب الله الجديد، فلا يعني ذلك أنّ اليهود قد أصبحوا شعبًا مرذولًا أو ملعونًا من الله كما لو كان ذلك منصوصًا عليه في الكتاب المقدّس. فليحرص الجميع إذن في التعليم المسيحيّ وفي الوعظ بكلمة الله، ألَّا يعلّموا شيئًا لا يتفق مع حقيقة الإنجيل وروح المسيح. فالكنيسة التي تستنكر كلّ ألوان الاضطهاد لجميع الناس، أيًّا كانوا، لا قبل لها بأن تنسى التراث المشترك بينها وبين اليهود، وليست وراء ذلك دوافع سياسيّة البتّة، وإنّما بدافع المحبّة الإنجيليّة الدينيّة، ونأسف للأحقاد والاضطهادات ومظاهر العداء للساميّة في أيّ عهدٍ ومن أيّ إنسانٍ صدرت» ("في عصرنا"، بند 4).