موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٥ ابريل / نيسان ٢٠١٥

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

بقلم :
الأب رائد أبو ساحلية - فلسطين

تبادر إلى ذهني هذا القول الشهير لعمر بن الخطاب وأنا أتأمل النص الإنجيلي المخصص للأحد الرابع للفصح والذي يتحدث عن الراعي الصالح وصفاته وعلاقته برعيته، وقد رأيت أنه من المفيد أن أشارككم هذه الأفكار ونحن بأشد الحاجة إلى رعاةٍ في جميع المجالات يتحملون مسؤولية الرعية سواء الأب في بيته وعائلته، أو المدير والموظف في مكان عمله، ورجل الدين في كنيسته أو مسجده، ورئيس الحكومة أو الوزير في تحمله إدارة شؤون الناس في المجتمع، فالحديث شامل يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". أما السيد المسيح فيقول بأنه الراعي الصالح، وأن الراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف، ويميز الراعي الصالح عن الأجير "لأن الأجير ليس براعِ وليست الخراف له، فإذا رأى الذئب مقبلاً، ترك الخراف وهرب، فيخطف الذئب الخراف ويبددها. وذلك لأنه أجير لا يبالي بالخراف". وهنا نتساءل هل كل من يحمل مسؤولية الرعاية مستعدٌ لمثل هذه التضحية أم أنه أجير ينتظر فقط آخر الشهر ليقبض الراتب، وهنا نميز بين الرعاية كمسؤولية ورسالة والرعاية كجاهة ووجاهة ووظيفة. الصفة الثانية هي أن الراعي الصالح يعرف خرافه وخرافه تعرفه "كما أن أبي يعرفني وأنا أعرف أبي، وأبذل نفسي في سبيل الخراف. ولي خراف أخرى ليست من هذه الحضيرة، فتلك أيضاً لا بد لي أن أقودها، وستصغي إلى صوتي، فيكون هناك رعية واحدة وراعِ واحد". وهنا نتساءل عن المعرفة المتبادلة بين الراعي والرعية، ونرى في كثير من الأحيان بأنه لا يوجد تفاهم أو لغة مشتركة "فالراعي في واد والرعية في واد"، كما أن الراعي في برجه العاجي وعلى كرسيه الهزاز في قصره الفخم والرعية مفروض عليها تكريمه وتبجيله والولاء له دون نقاش أو حوار، والويل لمن يعصي الأوامر. وبالمقابل، فإن الخراف لا تعرف الغريب ولا تصغي إلى صوته ولا تتبعه بل تهرب منه لأنها لا تصغي إلى صوت الغرباء. وهذا أمر طبيعي فليس الأمر مستغرباً عندما يحدث هذا التنافر وهذه الغربة بين الخراف وراعيها مما يدل على أنه ليس صالحاً بل مسيطراً، وهذه الطامة الكبرى في كثير من أنظمتنا التي نصبت أنفسها على شعوبها ولا همَّ لها سوى مصلحتها الخاصة، ويصف السيد المسيح أمثالهم باللصوص السارقين "فالسارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، أما الراعي الصالح فيأتي لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم". إن هذا مثال رائع ونموذج للحكم والرعاية. وإن هذا الحديث يقودنا إلى نص آخر في سفر حزقيال النبي يوبخ فيه الرب رعاة إسرائيل: "هكذا قال السيد الرب للرعاة: ويل لرعاة إسرائيل الذين يرعون أنفسهم. أليس على الرعاة أن يرعوا الخراف؟ إنكم تأكلون الألبان وتلبسون الصوف وتذبحون السمين. لكنكم لا ترعون الخراف. الضعاف لم تقووها والمريضة لا تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردوها والضالة لم تبحثوا عنها، وإنما تسلطتم عليها بقسوة" وما أشبه الوقت الحاضر بالزمن الغابر! واللبيب من الإشارة يفهم. ويقرر الرب بأن يستبدل هؤلاء الرعاة بغيرهم: "هاءنذا على الرعاة، فأطلب خرافي من أيديهم وأكفهم من رعي الخراف، فلا يرعى الرعاة أنفسهم بعد اليوم، وأنقذ خرافي من أفواههم، فلا تكون مأكلاً". ويضيف قائلاً: "أنا أرعى خرافي وأنا أربضها، يقول السيد الرب، فأبحث عن الضالة، وأرد الشاردة وأجبر المكسورة وأقوي الضعيفة وأحافظ على السمينة والقوية وأرعاها بعدل". أين نحن من هذا النموذج الرائع من الرعاة؟ إن هذه النصوص المقدسة تقودنا إلى التمييز بين الغث والسمين وتؤسس لمنهج في الرئاسة والسلطة على أنها خدمة ورعاية يتحمل مسؤوليتها من انتدب لهذه المهمة من الشعب لخدمة الشعب وليس للسيطرة على الشعب. كما أن هذه المسؤولية مشتركة يحملها كلُّ واحدٍ بحسب المهمة الموكلة إليه وفي المكان المخصص له، فلا يتنصل أحدٌ من القيام بنصيبه من خدمة مجتمعه. وتفترض المحبة والتضحية والبذل والعطاء حتى بالحياة. وإذا أردنا أن نطبق هذه المبادئ السامية على واقعنا الحالي والمحلي، فنرى بأن هناك الكثير يجب أن يتم العمل عليه للوصول لهذه الدرجة الراقية من خدمة المجتمع والوطن والكنيسة. فعلى مستوى الوطن هناك عدم وضوح في الرؤية، فالحابل مختلط بالنابل لأننا لم نصل إلى درجة من النظام العام والسلطة المركزية القوية، وهذا يجب العمل عليه سريعاً لكي نبني لمستقبل أفضل ما يمكن لأننا نستحق أكثر مما عندنا الآن بعد أن حرمنا الكثير إلى الآن. أما على مستوى المجتمع، فإن الأمور متروكة لهمة وتفاني الشخص الذي يتحمل المسؤولية ودرجة وعيه للمصلحة العامة ومحبته وانتمائه لبلده وأبناء شعبه. فلو أخذنا أي دائرة حكومية أو مدرسة أو قرية أو بلدية، تفحصنا أوضاعها وقيمنا القائمين عليها، لوجدنا أنها غارقة في الفوضى العارمة لا يعرف أحد كيف تدار الأمور، وقد يعزى الأمر إلى غياب السلطة المركزية القوية وصعوبة الأوضاع الحالية، ولكن من المفروض أن يؤسس من الآن لأرقى درجة من الخدمة العامة لكي لا نظل نجرجر في العفوية ونحن ننتظر أن تتحسن الأحوال وقد يطول الانتظار. أما في المجال الكنسي، فإن الخطر يكمن في الغرق في المؤسساتية والتركيز على النظام وحسن إدارة الأمور لدرجة التخلي عن الروح الحقيقية للخدمة والرعاية كما ذكرنا سابقاً، فتتحول الكنيسة والمدرسة والمستشفى وغيرها من الخدمات المقدمة نوعاً من البيروقراطية المعقدة بعيدة عن البساطة والقرب من أحوال الناس وخاصة قلوبهم. فعندما تتحول الكنيسة إلى مؤسسة ورجل الدين إلى موظف فإن جوهر الرسالة يفرغ من محتواه الروحي الأصيل المتأصل في الإنجيل والقائم على مثال ونموذج السيد المسيح الراعي الصالح الذي يحب خرافه ويرعاها ويبذل نفسه من أجلها. فيا ليتنا نتوقف قليلاً ونعيد النظر في كثير من الأمور ثم نعاود المسير! الأب رائـد أبـو سـاحليـة مدير عام كاريتاس القدس