موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ساهرين كالعذارى الحكيمات
الموضوعان الرئيسان اللذان تقدمهما لنا كلمة الله هذا الأحد هما الحكمة والسهر أو اليقظة. وفي الواقع، فإنّ هذين الموضوعين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، حتى إنه يمكن اعتبارهما موضوعًا واحدًا: فمن كان حكيمًا، كان ساهرًا. ولكن علينا أولاً أن نفهم، في ضوء الكلمة الإلهية ذاتها، معنى الحكمة والسهر.
الحكمة، على المستوى الفكري والأخلاقي، تعني القدرة على التمييز والحكم السديد وتقييم الأمور بنظر ثاقب وبصيرة.
وللحكمة أيضًا خصائص تجعلنا سعداء: فيكفي أن نرغب فيها لنعرفها، وإذا بحثنا عنها فهذا يعني أننا قد وجدناها بالفعل، بل إنها هي التي تسعى في إثر مَن هو مستعد لها. وهناك صورة جميلة لوصف محبي الحكمة: "من بكّر في طلبها لا يتعب، لأنه يجدها جالسة عند بابه" (الآية 14). فنحن مدعوون إذن إلى محبة الحكمة والنمو فيها، كما كان يسوع نفسه ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس (راجع لوقا 2، 52). وعلاوة على ذلك، كم يحتاج عالمنا المنقسم على ذاته والممتلئ بالنزاعات والحروب والمشتت، إلى أناس حكماء، بالحكمة التي من فوق!
في الفصل الثالث من رسالته، يعرض لنا القديس يعقوب حكمتين: حكمة أرضية، وأخرى "تأتي من فوق".
الحكمة الأرضية تسكنها "مرارة الحسد والمنازعة" ؛ وهي "دنيوية بشرية شيطانية. فحيثما يكن الحسد والمنازعة، يكن الاضطراب ومختلف أعمال السوء" (الآية 16).
أمّا "الحكمة التي تنزل من عل"، فهي مختلفة تمامًا: "فهي طاهرة أوّلا، ثم مسالمة حليمة ملؤها رحمة وثمار صالحة، لا محاباة فيها ولا رياء" (الآية 17).
ونتيجة لذلك، فإن الحكمة الإلهية تعيننا على إدارة الحياة الحاضرة والمستقبلية على أفضل وجه، وعلى حسن التعامل مع مواردنا المادية ومع طاقاتنا الروحية والأخلاقية. بها نعرف، وسط الأمور الزائلة، كيف نقيّم خيرات الأرض بحكمة، متطلعين دائمًا إلى نِعم السماء والحقائق الأبدية.
أما بالنسبة للسهر، والذي يعني "البقاء يقظين"، فهو أحد المواضيع الروحية والأخلاقية المحورية في العهد الجديد. وهو ليس مجرد انتباه بسيط، بل يشير إلى موقف القلب والعقل: حالة من الاستعداد الروحي والصحو والأمانة الفاعلة خلال زمن الانتظار.
في الأناجيل، يرتبط السهر ارتباطًا وثيقًا بالبعد الأخروي: انتظار ملكوت الله وعودة السيد له المجد ومقاومة التجارب.
يدعونا يسوع مرارًا وتكرارًا ألا تفاجئنا عودته ، لأن وقتها لا يعلمه أحد. ويتجلى السهر في الأمانة اليومية للواجبات والمهام الموكلة إلينا.
وتعليم يسوع في هذا الصدد يصلنا بشكل خاص من خلال "أمثال الانتظار"، ومن بينها مثل العذارى العشر، موضوع إنجيل اليوم: ضرورة الحفاظ على الزيت (الإيمان وأعمال المحبة)، لكي لا نُفاجَأ غير مستعدين عند مجيء العريس.
وهناك تحذير من يسوع في لحظة حاسمة من حياته، أي نزاعه في بستان الزيتون، الذي به استهل آلامه. فهو يطلب من التلاميذ -وبالتالي منا نحن أيضًا- أن يسهروا ويصلّوا لئلا يقعوا في التجربة، مسلّطا الضوء على التباين بين استعداد الروح وضعف الجسد (راجع متى 26، 41).
السهر هو أيضًا موضوع حاضر بقوة في رسائل القديس بولس، حيث يُعرض كنمط حياة يومي للجماعات المسيحية الغارقة في عالم منشغل أو معادٍ.
بالإضافة إلى ذلك، يحث بولس المؤمنين ألا يناموا كالباقين، بل أن يظلوا مستيقظين وصاحين. ويرتبط السهر بالانتماء إلى "النهار" والتسلح بأسلحة الإيمان والمحبة والرجاء. كما يُقرن السهر غالبًا بالصلاة المستمرة والشكر، كما ورد في الرسالة إلى أهل قولسي والرسالة إلى أهل أفسس، حيث يعني السهر الحفاظ على العلاقة مع الله حية وقوية.
وفي رسالة بطرس الأولى، يقترن السهر بالصحوة الذهنية والروحية الضرورية للتمييز والمقاومة ضد المكائد والشدائد.
وفي سفر رؤيا القديس يوحنا، يأخذ السهر طابَع المقاومة الروحية في وجه الاضطهادات وإغراء المساومة الأخلاقية: إنه نداء موجّه إلى الكنائس لكي تستفيق من الخَدر أو الفتور الروحي. وتُوعَد البركة لمن يحفظ ثيابه نقية ويبقى مستيقظًا، لئلا يجد نفسه غير مستعد وقت الحساب.
لنطلب إلى الله أبينا أن يحفظ قلوبنا يقظة في انتظارنا الطويل للقاء المسيح ابنه، بمصابيح لا ينقص زيتها، حتى إذا جاء وجدنا مستعدين للخروج إلى لقائه والدخول معه إلى عرس ملكوته الأبدي.