موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٦ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

عظة الأحد التاسع والعشرين من الزمن العادي - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
عظة الأحد التاسع والعشرين من الزمن العادي - السنة (أ)

عظة الأحد التاسع والعشرين من الزمن العادي - السنة (أ)

 

إنجيل "أدوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله"

 

تُطرح الأسئلة لعدة أسباب: للفهم، وللمعرفة بما نجهله، ولكن أيضًا وللأسف، للاستعراض، أو لإحراج شخص ما، أو لوضعه في موقف صعب وضبطه متلبسًا بخطأ لكي يُتمكن من اتهامه. هذا هو قصد أعداء يسوع الذين نلتقي بهم في هذا الأحد. ولكن لنضع إنجيل اليوم في سياق إنجيل متى الذي نقرأه في هذه الآحاد.

 

في الآحاد الأخيرة من السنة الليتورجية، سنستمع أولاً إلى الفصلين 22 و25. وهي أحداث وأحاديث ليسوع تجري فور دخوله الاحتفالي إلى أورشليم، عندما أصبحت آلامه وموته وقيامته وشيكة. وفي هذا السياق بالذات، نجد اليوم الفريسيين والهيرودسيين يطرحون سؤالاً على يسوع ليمتحنوه ويصطادوه في خطأ ليدينوه: فحكم الموت عليه قد أُصدر مقدمًا.

 

كان الفريسيون وطنيين ورجال دين متشددين، معارضين للحكم الروماني ودفع الضرائب لإمبراطور وثني. وقد أصبح تشددهم، الذي أُضيف إليه رياءٌ سيئ السمعة، الظاهرة المعروفة باسم "الفريسية". واليوم أيضًا، يتوجه الرب إليهم "أيها المراؤون"، مدركًا أن نيتهم لم تكن الحصول على إجابة لسؤالهم، بل اختباره، على أمل إيقاعه في خطأ. لكن أنّى لهم تحقيق ما ظمروا عليه! فمن يستطيع أن يثبت على يسوع خطيئة؟

 

وينضم إليهم في مبادرتهم السيئة والمرائية الهيرودسيون. لم يكونوا فرقة دينية مثل الفريسيين أو الصدوقيين، بل كانوا جماعة سياسية واجتماعية  تتألف من أنصار سلالة هيرودس الكبير (حوالي 73 ق.م – 4 ب.م)، الذي اقترف مجزرة أطفال بيت لحم، والذي خلفه ابنه هيرودس أنتيباس (حوالي 20 ق.م – بعد 39 ب.م)، الذي ارتبط اسمه ارتباطًا مباشرًا بأحداث يوحنا المعمدان واستشهاده، وبمحاكمة يسوع الذي أرسله إلىه بيلاطس، عندما عرف أنه من الجليل، الذي كان هيرودس ملكا عليه. ولأن عائلة هيرودس كانت تحكم بامتياز من الإمبراطورية الرومانية، فقد كان الهيرودسيون يدعمون السلطة الرومانية وجباية الضرائب لصالحها.

 

إن الفريسيين والهيرودسيين، رغم انقسامهم بسبب السياسة وبما يتعلق بجباية الضرائب الإمبراطورية، يتفقون على طرح سؤال على يسوع يتصل تحديدًا حول دفع الجزية لقيصر.وحتى كمرائين، نراهم يؤدون واجباً من الاحترام ليسوع، معترفين به كـ "معلم" صادق يعلّم سبيل الله بالحق، مضيفين: "لا تُبالي بأحد، لأنك لا تراعي مقام الناس". ليتنا نتصرف باستقامة زجرأة، لنستحق ولو جزئيًا المديح الموجه إلى الرب الذي هو الحق، والذي يتصرف ويتكلم دائمًا وفقًا للحق!

 

ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن يسوع، بعد أن طلب أن يرونه عملة الجزية، يتحول من موضع المسؤول إلى موقع السائل: "لمن الصورة هذه والكتابة؟". وإجابتهم بأنها لقيصر ستكون هي القاطعة لدحض حججهم وبالتالي لإسكاتهم.

 

إن جواب يسوع: "أدوا إذًا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله" هو بالتأكيد أشهر قول له ويتجاوز الحدود المسيحية. واستخدام هذا القول متنوع للغاية، ولكن ربما الأكثر شهرة هو ما يتعلق بالفصل بين الدين والدولة. إن يسوع، ابن الله وأخانا، لا يكف عن إدهاشنا بكل كلمة أو لفتة أو تصرف منه. هو وحده من عنده "كلام الحياة الأبدية" والحكمة البشرية الأصيلة. وإذا كان أعداؤه قد بُهتوا من إجابته، فإننا مليئون إعجابا به وننحني إجلالا له.

 

القراءة الأولى التي ندين بها للنبي أشعيا تقدم لنا شخصية الملك قورش الكبير (حوالي 590 ق.م – 530 ق.م)، الذي يُقدَّم كمدعو "باسمه" وكـ "مسيح"، وأداة إلهية لتحرير شعب إسرائيل من الجلاء. فالله لا يرفض من حيث المبدأ من لا ينتمي إلى شعب إسرائيل، بل يمنح قورش دورا في خطته الخلاصية الشاملة. وكذلك فإن موقف يسوع تجاه قيصر، السلطة السياسية في عصره، يختلف عن موقف الفريسيين، دون الاستنتاج من ذلك أنه كان يدعم الحكم الروماني على إسرائيل.

 

لنلَبِّ دعوة صاحب المزمور للترنيم للرب، ولرواية مجده، ولإعلان عجائبه، ولإعطائه المجد والقوة، خاضعين له وساجدين أمام مذبحه. ولنصلِّ لكي تمنحنا مشاركتنا في هذه الأسرار الإلهية المعونة اللازمة للحياة الحاضرة، وتُقوّي رجاءنا في الخيرات الأبدية.