موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إنجيل مَثَل وليمة الملك
تقدم لنا ليتورجية هذا الأحد نصاً ذا دلالة عميقة من إنجيل متى. في هذا اليوم، ومقارنة بالأحاد السابقة، انتقلنا من موضوع "الكرْم" إلى مثل "وليمة الملك".
هذا الحفل مُعدٌّ منذ فترة طويلة، والمائدة مُهيأة، وكل شيء جاهز، لكن المدعوين لا يأتون. من هنا يبدأ المَثَل الذي رواه يسوع. إنها صورة تدعو للدهشة لأن من أعدّ المأدبة هو ملك، والمناسبة هي حفل زفاف ابنه. كان المتوقع أن يُقابل مثل هذا التجمع بحماس، لكن المدعوين انشغلوا بأمور أخرى: أحدهم ذهب إلى حقله، وآخر اهتم بتجارته، وثالث بأمور عائلية، بينما ردّ آخرون بعنف على مَن أرسلهم لتكرار الدعوة، بحسب عادة الشرقيين في ذلك الزمان.
يبدو أن الرواية تريد أن تلتقط صورة لواقع قريب جداً منا أكثر مما نتخيل. فنحن لا نبتعد دوما عن الأمور المهمة بخيار حاسم؛ بل يحدث ذلك في الغالب ببطء، لمجرد إهمالها وتركها جانباً. هناك أولويات مختلفة، ومواعيد أخرى، وانشغالات متعددة تبدو وكأنها تستحق الاهتمام. وهكذا، فإن ما كان يشغل مكاناً مركزياً في الحياة قد ينتهي به المطاف على الهامش، دون مآسٍ ودون قرارات كبيرة، بل لمجرد الاعتياد على العيش بدونه.
ولكن أمام رفض المدعوين، لا يُلغى الحفل: الله لا يعرف الفشل. يرسل الملك خدامه إلى الطرقات ويطلب منهم دعوة كل من يلتقون بهم، فتمتلئ القاعة بأشخاص مختلفين جداً عن بعضهم البعض: "الأشرار والأخيار"، كما يقول الإنجيل. إنها صورة توسع أفق الرواية فجأة: فالحفل لا يخص مجموعة محددة ممن يظنون أنهم أفضل من غيرهم. الحفل مفتوح، والباب مشرّع على مصراعيه، والدعوة تصل حتى إلى أولئك الذين لم يفكروا يوماً في تلقيها.
وهذا تحديداً أحد أجمل معالم هذه الصفحة الإنجيلية، والتي نجد لها صدىً مباشراً في القراءة الأولى (أشعيا 25: 6-10). فالنبي أشعيا، قبل سبعة قرون، تخيل المستقبل كمأدبة عظيمة أعدها الله "لكل الشعوب": خمر طيبة، وأطعمة وفيرة، ومائدة خالية من المخاوف والأحزان التي ترافق الحياة. وقبل كل شيء، إله قادر على مسح الدموع. وهكذا تصبح المأدبة طريقة الكتاب المقدس في سرد وعدٍ بعالم متصالح أخيراً، لا يشعر فيه أحد بأنه بمفرده أو متروك.
غير أن أمثولة متى تُدخل عنصراً غير متوقع. فعندما امتلأت القاعة، لاحظ الملك رجلاً لا يرتدي "لباس العرس"، فأمر بإبعاده. ولكن إذا كان هذا الرجل قد دُعي من الطريق، فكيف كان بمقدوره أن يكون مستعداً لحفل كهذا؟
المسألة لا تتعلق بأمر خارجي (ارتداء ثوب مناسب)، بل هي صورة لشيء يجب أن يحدث داخل الإنسان. فالطريق إلى الحفل لا يعني مجرد شغل مكان، بل السماح للنفس بالانخراط في ما يحدث والتفاعل معه. لا يمكن للإيمان أن يبقى عادة خارجية، شيئاً نتلقاه ثم نحتفظ به دون أن يكون له تأثير على حياتنا. إن الدعوة التي نتلقاها تتطلب استجابة، وقبل كل شيء، تغييراً. وهذا موضوع يجوب إنجيل متى بأكمله: فالكلمة المسموعة تصبح حقيقية عندما تبدأ في التجسد في الخيارات اليومية. و"اللباس" حينئذ هو الطريقة الملموسة التي يعيش بها الشخص ما تلقاه. ليس الكمال في غياب الأخطاء، بل في حياة تحاول السير في الاتجاه الذي يشير إليه الإنجيل.
وفي النهاية تبقى مشهدية بسيطة وقوية في آن: قاعة كانت كادت أن تبقى فارغة، وإذا بها تمتلئ بأناس أتوا من "مفارق الطرق". ولعل هذا هو الاتجاه الذي تقودنا إليه الرواية بأكملها.
الله لا يتوقف عن إعداد الحفل لمجرد أن البعض رفض الدعوة، بل يستمر في الدعوة وفتح الأبواب، ويستمر في البحث عن الناس حيثما وجدوا. ولهذا السبب فنحن نصلي لنستقبل دائماً مفاجآت محبته.