موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إلهنا هو أبٌ ينظر إلى جميع البشر بعين العطف والمحبة، مع إيثار للذين هم أكثر حاجة إلى رحمته ومغفرته، أي الخطأة من كل نوع -وكانوا في زمنه من فئة العشارين والزواني-؛ غير أن هؤلاء كان عليهم أن يتوبوا من كل قلوبهم، ليحصلوا على الحياة والخلاص. ونحن أيضاً، متى تُبنا وتركنا كل طريق آثم، نلنا المغفرة والسلام. وفي ضوء مثل الابنين، ليسأل كل منا نفسه: "أي نوع من الأبناء أنا؟".
مثل الابنين هو الأول من سلسلة أمثال الدينونة التي ألقاها يسوع في الهيكل، مواجهاً السلطات الدينية. المثل ذو بنية بسيطة والدينونة فيه لا تُفرض من الخارج، بل تنبع من جواب المخاطَبين أنفسهم. إن التباين بين القول والفعل أمرٌ نموذجي في إنجيل متى: فالابن الأول الذي يغير رأيه، يجسد التوبة؛ بينما يمثل الثاني تدبّراً شكلياً يفتقر إلى الطاعة الفعالة. وعلى صعيد التفسير، يؤدي النص دوراً هاما في قلب المفاهيم والمواقع: فالذي يُعتبر مهمشاً اجتماعياً ودينياً، قد يكون أقرب إلى إرادة الله ممن يمتلكون السلطة والنفوذ.
يُوجَّه العرض نفسه لكلا الابنين، وبالعبارات عينها: "يا بُني، اذهب اليوم واعمل في الكرم". "يا بُني" يعبّر عن بساطة وحميمية. كل شيء ينبع من علاقة حميمة أساسها الثقة. هذا الأب لا ينظر إلى كرمه كملكية خاصة بشكل حصري، بل يُشرك أبناءه في العمل دون إكراه أو تهديد. إن الدعوة هي لـ "اليوم": ليس عندما نصبح مستعدين أو عندما نشعر بأننا أفضل وأهلٌ لذلك؛ وهذا يعكس كل استعجال الله ومحبته: الكرم ينتظر جميع الأبناء، وليس فقط الأكثر سخاءً أو كفاءة. ومن ثقته بكل واحد منا تنبع المسؤولية الفردية تجاه الكرم، أي الكنيسة. إنه علامة على أن الله يرى كل أبنائه قادرين على صنع الخير. ولكن كل من الابنين قال "لا": الأول بالكلمات، والثاني بالأفعال. الأب يرجو ويمنح ثقته لكلا الابنين؛ لا يستثني ولا يعاقب، بل يفسح المجال والوقت للتغيير. إن تلك الـ "لا" الأولى ليست "إلى الأبد"؛ وحتى وإن كانت تتطلب حضوراً في "اليوم"، فإن "الغد" يبقى ممكنا. إن الله يعرف أزماتنا ومخاوفنا، تعبنا وجراحنا، مقاومتنا العابثة وتأخرنا غير المبرَّر؛ كما يعرف حماسنا ورغباتنا. ولهذا السبب يستمر في دعوتنا والإيمان بالجزء الأكثر صدقاً في كل منا. العمل في الكرم ليس مجرد طاعة، بل هو دخول في منطق المحبة والشركة، وفي علاقة ثقة وتآزر. إنه مشاركة في حلم الله الأصلي: أن نعيش في الوحدة والانسجام مع كل ما فكّر فيه وأحبه وخلقه. نحن نعمل في الكرم كلما نفذّنا إرادته؛ وعندما "نرجع عن خطايانا"، يفرح في الأعماق، لأنه يرى فينا ذلك العمل الرائع الذي يحمل صورته.
ولنا في الاطلاع على آباء الكنيسة، الشرقيين منهم والغربيين، فائدة كبيرة لفم أفضل للمثل. إنهم لا يرون في هذا النص مجرد وعظ أخلاقي، بل مفتاحا لقراءة تاريخ الخلاص بأكمله. التفسير الآبائي الأكثر انتشاراً يرى في الابنين تجسيداً للشعبين الكبيرين في العالم القديم: الابن الأول: الوثنيون، والابن الثاني: اليهود / السلطات الدينية في ذلك العصر. في البداية قال الوثنيون "لا" لله بانغماسهم في عبادة الأوثان والخطيئة. ولكنهم لما سمعوا بشارة المسيح ورسله ندموا ("الميتانويا"/التوبة)، وتركوا الأوثان وتوجهوا نحو الكرم (الكنيسة). أما اليهود / السلطات الدينية في ذلك العصر(الابن الثاني)، فقالوا "نعم" على جبل سيناء بقبولهم شريعة موسى، وأعلنوا شكلياً الطاعة للـه الواحد، ولكن عند وقت إتمام الوعد (مجيء المسيح) رفضوا أن يؤمنوا.
ويؤكد القديس يوحنا فم الذهب أن يسوع لم يستخدم هذا المثل ليدين شعباً مسبقاً، بل ليهز ضمير الفريسيين، مبيناً أن العمل الحقيقي أهم من الالتزام اللفظي الشكلي.
ويرجع القديس أغسطينوس في عظاته مراراً وتكراراً إلى قيمة التغيير الداخلي. فبالنسبة له الشر الحقيقي ليس في المقاومة الأولية، بل في العناد والإصرار على الشر؛ أما الخير الحقيقي فهو التواضع من خلال الاعتراف بالخطأ وتغيير المسار.
ويلحظ أسقف عنابة كيف أن العشارين والزواني -المذكورين صراحةً على لسان يسوع في نهاية الفصل- يجسدون الابن الأول: أشخاص كانت حياتهم الأولى رفضاً علنياً للإرادة الإلهية، لكنهم بعد ذلك فتحوا الأبواب واسعة أمام التوبة مصغين إلى كرازة يوحنا المعمدان وبشارة يسوع.
ويحذر القديس إيرونيموس في تفسيره لإنجيل متى من إعلان خارجي بحت للإيمان: "ليس من يقول لي "يا رب، يا رب" يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات" (متى 7، 21).
كما يرى الآباء في الابن الثاني صورة للرياء الروحي الذي يستخدم لغة دينية صحيحة ومعسولة: "ها إني ذاهب يا سيد"، ولكن قلبه يظل عقيماً وخالياً من أعمال المحبة.
وسمعنا على لسان حزقيال، النبي والكاهن، قبل أربعة قرون من ميلاد السيد له المجد، عتاب الله لشعبه: "أطريقي غير مستقيم؟ أليست طرقكم هي غير المستقيمة؟" (18، 25). إن منطق الله هو أن يقدم للخاطىء فرصة مراجعة الذات وتصحيح السيرة لينال المغفرة والحياة: "إذا رجع الشرير عن شره الذي صنعه وأجرى الحق والبر، فإنه يُحيي نفسه" (الآية 27).
والمزمور هو إجابة شكر لرب الرحمة والمغفرة: "الرب صالح ومستقيم لذلك يرشد الخاطئين في الطريق، ويهدي الوضعاء إلى الحق ويعلّم البائسين طرقه" (المزمور 24، 8-9).
لو كان فيما بيننا "الشعور الذي هو أيضا في المسيح يسوع" (فيلبي 2، 5)، لوجدنا شجاعة الطاعة البنوية لله بالأفعال لا بالكلمات، ولما فعلنا شيئاً عن تحزب أو تحد أو مجد باطل، بل لكنا قادرين على معاملة الآخرين بتواضع يُترجم إلى احترامهم والبحث عن خيرهم كما لو كان خيرنا نحن. فلنسأل االله مجدداً أن يجعلنا روحُه طائعين للكلمة الإلهية، التي هي "روح وحياة"، ودائمي السعي إلى التشبه بيسوع ابنه. إنها لخطوة هامة في مسيرة التحول المستمر إلى صورة ابن الله، لكي يرى الآب فينا أبناء طائعين، ويهبنا الميراث الأبدي كإخوة ليسوع وشركاء في ملكوته.