موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٣ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٤

شَهادَة التَّلاميذ الأوَّلين

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحد الثَّاني للسنة: شَهادَة التَّلاميذ الأوَّلين (يوحَنَّا 1: 35-42)

الأحد الثَّاني للسنة: شَهادَة التَّلاميذ الأوَّلين (يوحَنَّا 1: 35-42)

 

النَّص الإنجيلي (يوحَنَّا 1: 35-42)

 

35 وكانَ يوحَنَّا في الغَدِ أَيضًا قائِمًا هُناكَ، ومَعَه اثْنانِ مِن تَلاميِذه.  36 فحَدَّقَ إِلى يَسوعَ وهو سائرٌ وقال: ((هُوَذا حَمَلُ الله!)). 37 فسَمِعَ التِّلْميذانِ كَلامَه فتَبِعا يسوع. 38 فَالتَفَتَ يسوعُ فرآهُما يَتبَعانِه فقالَ لَهما: ((ماذا تُريدان؟)) قالا له: ((راِّبي (أَي يا مُعلِّم) أَينَ تُقيم؟)). 39 فقالَ لَهما: ((هَلُمَّا فَانظُرا!)) فَذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم، وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر. 40 وكانَ أَندرَاوُس أَخو سِمْعانَ بُطُرس أَحَدَ اللَّذَينِ. سَمِعا كَلامَ يوحَنَّا فَتبِعا يسوع. 41 ولَقِيَ أَوَّلاً أَخاهُ سِمْعان فقالَ له: ((وَجَدْنا المَشيح)) ومَعناهُ المسيح. 42 وجاءَ بِه إِلى يَسوعَ فحَدَّقَ إِلَيه يسوعُ وقال: ((أَنتَ سِمْعانُ بنُ يونا، وسَتُدعَى كِيفا))، أَي صَخرًا.

 

 

مقدِّمة

 

يقدِّم نص إنجيل يوحَنَّا (يوحَنَّا 1: 35-42) شَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان بانَّ يسوع هو "حَمَلُ الله" مما شجّع تَلاميِذَه أن يتبعوا يسوع ويُصبحوا تلاميذه الأوَّلين (يوحَنَّا 1: 35-42)؛ وكُلَّمَا عرفنا المسيح أكثر كُلَّمَا جذبنا الآخرين له.  ومن هنا تكمن أهميَّة البحث في وقائع النَّص الإنجيلي وتطبيقاته.

 

 

أولاً: وقائع النَّص الإنجيلي ((يوحَنَّا 1: 35-42)

 

35 وكانَ يوحَنَّا في الغَدِ أَيضًا قائِمًا هُناكَ، ومَعَه اثْنانِ مِن تَلاميذِه.

 

تشير عِبَارة "يوحَنَّا " (اسم عبري יוֹחָנָן معناه الله حنون) إلى المعمدان وهو ابن زكريا الكاهن وزوجته اليصابات (لوقا 1: 5-25)، وهو مُهيِّئ طريق يسوع المسيح (متى 11: 14) وشاهد له (يوحَنَّا 1: 7). أمَّا عِبَارة " في الغَدِ" فتشير إلى اليوم الثَّالث من الأسبوع الأول في عيد الفِصْح الأوَّل، وهو غَد اليوم الذي فيه أدَّى شهادته للجَمع، وهو اليوم الثَّالث من تأدية شهادته للجنة الفَرِّيسيِّين. أمَّا عِبَارة " قائِمًا هُناكَ " في الأصل اليوناني εἱστήκει في صيغة الماضي المستمرّ فتشير إلى وقوف يوحَنَّا المَعْمَدان وكأنَّه لا يتحرَّك من موضعه على ضفاف نهر الأُرْدنِّ، للتَّعميد أو في ساحة بيت عِبرة حيث اعتاد أن يقف ويُبشِّر. ويُعلق الرَّاهب البِندِكتي روبير دوتز: "كان يوحَنَّا يتوق إلى رؤية يسوع مرّة أخرى لأنّ رؤية الرَّبِّ يسوع كانت الخلاصَ لِمَن يعترف به، والمجدَ لِمَن يُعلنه، والفرحَ لمَن يُشير إليه. لذا، كان يوحَنَّا قائمًا هناك، واقفًا ومنتصبًا بكلّ حماسة قلبه؛ كان يقف مستقيمًا؛ كان ينتظر المسيح الذي كان ما يزال مَخفيًّا في ظلّ تواضعه" (عظة عن إنجيل القدّيس يوحَنَّا).  أمَّا عِبَارة " اثْنانِ " فتشير إلى أندراوس، والآخر هو يوحَنَّا ابن زبدى، كاتب الإنجيل الذي يروى القصة بدقَّة شديدة حتى أنه يَذكر السَّاعة (يوحَنَّا 1: 39)، لكنه لا يذكر اسمه جَريًا على عادته، ولم يفعل ذلك إلا تواضعًا (يوحَنَّا 13: 33؛ 18: 15؛ 19: 26؛ 20: 3؛ 21: 20).  والشَهادَة في الشَّريعة تقوم على اثنين “شَهادَة شاهِديْنِ تَصِحّ" (يوحَنَّا 8: 17)؛ أمَّا عِبَارة " مِن تَلاميذِه " فتشير إلى تَلاميذ يوحَنَّا المَعْمَدان.

 

 36فحَدَّقَ إلى يَسوعَ وهو سائرٌ وقال: ((هُوَذا حَمَلُ الله!))

 

عِبَارة "حَدَّقَ" في الأصل اليوناني ἐμβλέψας (معناها نظر إليه وأمعن الفكر فيما وقع عليه بصره) تشير إلى يوحَنَّا المَعْمَدان الذي تفرَّس في يسوع قاصدًا الإيماء إليه ومُوجّهًا نظر التِّلميذين إليه، وشاهدًا لهم أنّه الحَمَل الفِصْحى حيث انه من خلال يسوع يُمكننا العبور من حالة إلى أخرى، من العُبوديَّة إلى الحُريَّة. لكن هذا العُبور لم يأتِ بسهولة! العُبور يتطلب ضَحيَّة أي إراقة دم الحَمَل.  وهذه النَّظرة تشبه نظرة يسوع إلى بطرس "فحَدَّقَ إِلَيه يسوعُ" (لوحنا 1: 42). ما أحوجنا إلى التَّطلع نحو السَّيد المسيح لننظره. نتطلع إليه فنراه يتطلع إلينا، مُهتمًا بخلاصنا. فهل ننظر إلى يسوع، إسوة بيوحَنَّا المَعْمَدان كي يدلنا على الطَّريق السَّوي الذي يجب أن نسلكه في حياتنا؟ أمَّا عِبَارة " يَسوعَ " في الأصل اليوناني Ἰησοῦ (مشتقَّة من العِبريَّة יֵשׁוּעַ معناه "الرَّبّ يخلّص") فتشير إلى المسيح.  أمَّا عِبَارة "وهو سائرٌ" فتشير إلى يسوع وهو مار بين بقيَّة النَّاس غير معروف. ويُعلق الرَّاهب الِبندِكتي روبير من دوتز: "ما المعنى لتلك العِبَارة "يسوع سائر" سوى أنّ ابن الله جاء ليُشاركنا طبيعتنا البشريَّة التي تعبر والتي تتغيّر. هو مَن كان يجهله البشر، أظَهر نفسه وبات مَحبوبًا من خلال عُبوره بيننا. لقد تجسّد من خلال حشا العذراء، وانتقل من رحم والدته إلى المِذْود، ومن المِذْود إلى الصَّليب، ومن الصَّليب إلى القَبر ثمّ القيامة، ومن القيامة عاد وارتفع إلى السَّماء" (عظة عن إنجيل القدّيس يوحَنَّا). هل أضع نفسي في مكانٍ أطلب نعمة التَّعرّف إلى علامات مرور الرَّبّ في حياتي؟  أمَّا عِبَارة "قال" فتشير إلى الشَهادَة الثَّالثة التي أدّها يوحَنَّا المَعْمَدان إلى يسوع، الأولى للجنة الفِرِّيسيِّين، والثَّانية للجمع الذي حضر وعظته، والثَّالثة هي لبعض تَلاميِذه. أمَّا عِبَارة " حَمَلُ" في الأصل اليوناني ἀμνὸς  (المشتقة من الآراميَّة טליא ومعناها صَغِير الضَّأْنِ) فتشير إلى دعوة التِّلميذين إلى اتباعه. والحَمَل هو يسوع بحسب شَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان التي تكرَّرت مرَّتين (يوحَنَّا 1 :29، 36). وهو يرمز إلى البَراءة والبِرّ من ناحية، وإلى حَمَل الذَبيحة الذي يقدَّم مرَّتين كلَّ يوم ٍ في الهيكل (خروج 29 :38) من ناحية أخرى. ويلمِّح أيضا إلى الحَمَل الفِصْحى (خروج 12: 1-28) إلى فداء إسرائيل، وإلى عبد الله المتألم تحقيقًا لنبوءة أشعيا القائل: كمثل الحمل اقتيد إلى الذبح "كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ (أشعيا 53: 7). فقد اعتادت البشريَّة أن تقدم الذَبائح لله لمرضاته. أمَّا هنا فالذي يُعِدُّ الذَبيحة هو الله الآب نفسه الذي يُقدِّم ابنه الوحيد ذبيحةً. أنه ذبيحة كفارة أو ذبيحة إثم قادرة أن ترفع الخطايا حقا، وهذه الذَبيحة ليست ظلا أو رمزًا كالذَبائح الحَيوانيَّة. ومن هذا المنطلق، يتذكّر بطرس تحرير المَسيحييِّن بدم المسيح الثَّمين، كما جاء في تعليم بطرس الرَّسول: " بِدَمٍ كريم، دَمِ الحَمَلِ الَّذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس، دَمِ المسيح"(1بطرس 1 :19). وهكذا يدل يوحَنَّا الإنجيلي بهذه العِبَارة على موت يسوع التَّكفيري حيث يرفع خطيئة العَالَم، أي يُزيلها، كما شهد يوحَنَّا المَعْمَدان" هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العَالَم" (يوحَنَّا 1: 29). وردت خطيئة العَالَم بصيغة الفرد، لكن في الواقع تعني الجمع، أي على كل خطايا العَالَم التي امتدت في الزَّمان والمكان. ويعُلق القدّيس بطرس خريزولوغُس " إذا كان الرَّبّ هو مَن يغفر الخطايا، فلِم لا نقبّل إذًا ألوهيَّة المسيح؟ كونه استطاع محى خطايا العَالَم أجمع "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العَالَم" (العظة 50).

 

 37فسَمِعَ التِّلْميذانِ كَلامَه فتَبِعا يسوع

 

تشير عِبَارة "سَمِعَ" في الأصل اليوناني ἤκουσαν (في اللغة العبريَّة שמע) إلى سماع كلمة الله وقبولها. وهذا لا يعني الاستماع إليها بأذن صاغية فحسب، بل يتضمن أيضا فتح القلب لها (أعمال 16: 14) والعمل بها (متى 7: 24-26) والطَّاعة لها. تلك هي طاعة الإيمان المطلوبة لكل من يسمع البشارة (رومة 1: 5). إنّ التَّلميذ هو الشّخص الّذي يضع نفسه في موقف إصغاء، ويُرحّب بما يسمعه ويقبله بقلبٍ رَحبٍ. فالإصْغاء هو وسيلة لانتقال الشَّخص من العيش لنفسه للعيش مع الشَّخص الذي يُصْغي إليه. والإصْغاء لا يكفي لكي يصبح الشَّخص تلميذ الرَّبّ، بل يتطلب أيضًا السير وراء الرَّبّ الذي سمع صوته والإٌقامة عنده ليَجد الحياة، كما جاء في تعليم يسوع "إِنَّ خِرافي تُصْغي إِلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني. وأَنا أَهَبُ لَها الحَياةَ الأَبديَّة "(يوحَنَّا 10: 27-28).  وشَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان عن يسوع هي صحيحة، لأنَّه رأى وسمع. لم يسمع فحسب ولم يفكّر ويتصوّر بل رأى، ويُكرِّر هذا الفعل مرتين: "رأيتُ" (يوحَنَّا 1: 32، 34). فهو شاهد موثوقًا به.  فيوجّه يوحَنَّا تلميذيْه إلى يسوع، فيدعوهما يسوع إلى فعل هذا: "تَعالا وانظرا" (يوحَنَّا ١: ٣٩)، وبقيامهما بذلك يُصبحا شاهدين بدورهما. أمَّا عِبَارة " كَلامَه " فتشير إلى كلام من يوحَنَّا المَعْمَدان، مُبشِّرٍ عارفٍ ومقتنعٍ بما يقول، " ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة نُبَشِّرُكم بِه" (1 يوحَنَّا 1:1). لذلك لَمْ يتوانَ السَّامعون من التَّصديق والالتحاق بيسوع. أمّا عِبَارة " تَبِعا " في الأصل اليوناني ἠκολούθησαν فتشير إلى سير التلميذين. وراء يسوع، الماضي إلى مصيره دون توجيه أيّ كلمة منهما. يستمر يسوع في سيره أيضًا دون أنّ يوجه كلام لهما. بما أنَّ يسوع يمشي في الطريق، ارتسمت حركة منذ الآن. توقف هنا اندراوس ويوحنا الحبيب عن مرافقة يوحنا المعمدان ويبدأن من تلك الساعة، بالسَّير وراء يسوع، لانَّ الاستماع وحده لا يكفي، نحن نُصبح تلاميذ عندما نستمع لمن يتحدَّث إلينا، ونذهب تجاهه، ونقيم علاقة معه، كما جاء في تعليم يسوع: " إِنَّ خِرافي تُصْغي إلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني" (يوحَنَّا 10: 27). كان فعل "تبع" في الدِّين اليهودي في القرن الأول، يتضمَّن عادة التَّوقير والطَّاعة ومختلف الخدمات المُترتّبة على تلاميذ الرَّابيين نحو معلميهم. ومن هذا المنطلق، إتباع تلميذي يوحَنَّا المَعْمَدان ليسوع دلالة على انهما صارا تلميذين من تَلاميِذه، مما يدل أنَّ رسالة يوحَنَّا المعمدان قد أنجزت وخاصة "يَذهَبُ إِلى يسوع جَميعُ النَّاس" (يوحَنَّا 3: 26)، وحان الوقت ليوحنا المَعمدان للتلاشي والاختفاء.  تبع التِّلميذان يسوع، لا كسامعيَن فقط، بل كمعاونَين وشاهدَين لملكوت الله وعامِلين في حصاده (متى 10: 1-27)، يلازمان شخصه.  ويقتضي إتِّباع يسوع أيضًا حَمْل الصَّليب كما صرّح يسوع "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني، "(متى 16: 24).  إنّنا نجهلُ إلى أين يريد أن يقودنا يسوع على هذه الأرض، وليس علينا أن نسأله قبلَ الأوان. يكفينا أن "نَعلَمُ أَنَّ جَميعَ الأشياءِ تَعمَلُ لِخَيْرِ الَّذينَ يُحِبُّونَ الله" (رومة 8: 28)، وبأنّ الدُّروبَ التي يخطّها الرَّبّ تسيرُ بنا إلى الحياة الأبديّة. أمَّا عِبَارة "التِّلميذان " فتشير إلى اندراوس (يوحَنَّا 1: 40) وأمَّا التَّلميذ الآخر فهو يوحَنَّا كاتب هذا الإنجيل، وقد سمع التِّلميذان صوت يسوع فتبعاه " إِنَّ خِرافي تُصْغي إلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني" (يوحَنَّا 10: 27). وكان هذان التِّلميذان من أوائل تلاميذ يسوع، مع بطرس (يوحَنَّا 1: 42) وفيلبُّس (يوحَنَّا 1: 34) ونَتَنائيل (يوحَنَّا 1: 45). هؤلاء التَّلاميذ هم باكورة تلاميذ السَّيد المسيح. وهكذا بدأت الكنيسة صغيرة جدًا تضم خمسة أشخاص يتمتَّعون بالنَّظر إلى يسوع والملكوت.  فالشَهادَة للمسيح تأتي من السِّماع إلى كلمته وأتباعه، كما فعل هذان التِّلميذان اندراوس ويوحَنَّا الرَّسول حيث أصبحا شاهدين يجذبا إخوتهم للمسيح.   

 

 38فَالتَفَتَ يسوعُ فرآهُما يَتبَعانِه فقالَ لَهما: ((ماذا تُريدان ؟)) قالا له: ((راِّبي (أَي يا مُعلِّم) أَينَ تُقيم ؟

 

تشير عِبَارة" ماذا تُريدان؟ في الأصل اليوناني" Τί ζητεῖτε(معناها ماذا تطلبان)  إلى أول كلمات يسوع في إنجيل القديس يوحَنَّا حيث يُخاطبهما كمعلم ويسألهما  سؤالاً أساسيًّا : ماذا تطلبان؟ وعن ماذا تبحثان؟ إنَّها نقطة الانطلاق والدَّافع الرَّئيسي لاتِّباع يسوع المسيح. سألهما يسوع هذا السُّؤال تشجيعًا وتمهيدًا لهما طريق المعرفة والمُخاطبة؛ ويسوع لا يطلب من خلال السؤال سوى البحث عنه والرَّغبة الدَّاخليَّة في اتباعه. إنه يحترم حرّيتهما في الاختيار كي يتَّخذا القرار في اتباعه بمعرفة ومحبة ومسؤوليَّة. والتِّلميذان يُعبّران عن طبيعة هذه الرَّغبة العميقة، من خلال سؤالهما" أَينَ تُقيم " (يوحَنَّا 1: 38). ويُعلق القدّيس أوغسطينوس: "ما كان مُقدّرًا لنا أن نبدأ البَحث عن الرَّبّ ما لم يبدأ هو من جانبه ويكتشفنا". والآن السَّيد الرَّبّ طلب منهما أن يُحدِّدا موقفهما. إن إتباع يسوع ليس كافيًا، إذ يجب أن نُحدِّد هدف اتباعنا لمجده لا لمجدنا.  إنّنا حين نتّجه إلى الرَّبّ، لا نتّجه إلى إله يبتعد عنّا، ويتركنا في مجاهل الحيرة، لكن نتّجه إلى إلهٍ يفتح ذراعيّ المَحبّة لاستقبالنا، ويُمهّد الطَّريق أمامنا، بل يُسرع للالتقاء بنا.  وهذا هو سؤال السَّيد المسيح الدَّائم لكل إنسان: ماذا تطلب؟ عن ماذا تبحث؟ هل أسمع الرَّبّ يسألني: "ماذا تريد؟". هذا السُّؤال يوجّهه يسوع إلى كلِّ واحد منَّا، لنتّخذ هدفًا لحياتنا. يرغب يسوع منّا نحن اليّوم السبب في أتباعه، هل لدخول الملكوت؟ أمّ حُبًّا في رفقته؟ أم لأسباب أخرى؟ ما هو السبب الّذي يجعلنا مسيحيين اليّوم؟  أمَّا عِبَارة "راِّبي " في الأصل اليوناني Ῥαββί (مشتقة من العبريَّة רַבִּי) فتشير إلى معلّم، وهو لقب يُعطى لمعلّم كبير يُركن إليه في المجال الدِّينيّ. كان في الأصل عِبَارة احترام. وفي القرن الأول المسيحي صارت اللفظة لقبًا رَسميًا ُيطلق على أعظم علماء اليهود ومعلميهم الذين اعتُبروا خبراء في مجال الشَّريعة اليهوديَّة. أمَّا عِبَارة "أَي يا مُعلِّم " فتشير إلى تفسير يوحَنَّا الإنجيلي لهذه الكلمة مما يدل على انه لم يكتب بشارته في اليهوديَّة أو للعبرانيين فقط؛ ونداء التِّلميذين " يا معلم" دليل على إراداتهما أن يُعلمَهما.  أمَّا عِبَارة " أَينَ تُقيم؟"  فتشير إلى رغبة التِّلميذين أن يصرفا اليوم معه فيتبعانه ويمكثان معه.  سؤال التلميذين: ليس مجرد سؤال عن "عنوان" منزل يسوع، بل هو سؤال عن الإقامة الوجودية. وكأني بهما يسألان: "يا رب، أين محور حياتك؟ كيف تعيش؟ ولا عجب أنَّ السؤال هو في صيغة الحاضر. حاضر التلميذين، حاضر كل التلاميذ وحاضرنا نحن. يواجه التلميذان يسوع على انفراد لأجل المحادثة. كان تلاميذ الرَّابي في ذلك الوقت يذهبون في كثير من الأحيان إلى بيت معلميهم، للتعلم من خلال العيش وتقاسم حياة وحكمة وخبرة معلميهم، كما يقول القديس يوحَنَّا الذَهبي الفم: "لمْ يقولا علمنا تعليمًا في الآراء والمعتقدات أو غير ذلك من الأمور الضروريَّة، لكنهما قالا: " أَينَ تُقيم". لم تكن حركتهما في الاتجاه نحو يسوع عفويَّة، انهما جُذبا نحوه لشخصيته المُعجزة.  أين تُعلم؟ أين تجتمع بالتَّلاميذ؟". يتوجب علينا أن نبحث عن يسوع ثم نتبعه ونقيم معه والبقاء معه، كما كان الحال مع طلب تلميذي عماوس اللذين أَلَحَّا علَى يسوع "ُمكُثْ مَعَنا" (لوقا 24: 29).  إنَّها مواقف أساسيَّة. إذ طلبا الإقامة معه جاءت الإجابة سريعة أن يأتيا وينظرا في الحال ليُقيما معه دون تأجيل. هذا هو الآن الوقت المقبول (2 قورنتس 6: 2).

 

39 فقالَ لَهما: ((هَلُمَّا فَانظُرا!)) فَذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم، وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر.

 

تشير عِبَارة "هَلُمَّا فَانظُرا! "إلى دعوة يسوع للتلميذين لكي يعيشا خبرة شَّخصيَّة معه، ثم اتباعه في الحال والسَّير وراءه والبقاء معه، وهذه دعوة الرُّوح القُدس والكنيسة لكلِّ واحدٍ "تعال" (رؤيا 17:22). فمن يريد أن يعرف السَّيّد المسيح يأتي لينظر، ويتذوق فيفرح، ويُقرِّر الالتصاق به "لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن" (يوحَنَّا 3: 15). ويُعلق العلامة أوريجانوس" أن السَّيد المسيح دعا التِّلميذين للتمتُّع به ويسكنا معه خلال حياة العمل مع التأمل. فبقوله لهما "هَلُمَّا " دعاهما للحياة العاملة، وبقوله لهما انظرا" دعاهما لربط العمل بالتَّأمل فيه". إنّ من يسمع ويتبع يُصبح بدوره شاهدًا للآخرين. أمَّا عِبَارة "أَينَ يُقيم " فتشير مبدئيًا إلى منزل يسوع الوقتي في بيت عبرة.  ولكن في الواقع هو ليس مجرد سؤال عن عنوان منزل يسوع، بل هو سؤال عن الإقامة الوجوديَّة. وكأنَّ بهما يسألان: "يا رب، أين محور حياتك؟ كيف تعيش؟  لم يعط يسوع عنوانًا لإقامته لكن طريقا للسَّير معًا. أمَّا عِبَارة " فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم " فتشير إلى اللقاء الشَّخصي بيسوع. فقد وجدا في ذلك المكان ما كانت تصبو إليه نفسهما من السَّكينة والتَّعبّد والتَّوبة. وهكذا حلّا عليه ضيوفًا، كي يخرجا آخر النَّهار، بغير ما كانا قبلا، أي قد اكتشفا من هو يسوع: هو "الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة"(يوحَنَّا 14: 6). من يسمع صوت المسيح يطمح إلى الإقامة معه. لذلك لا يكفي أن يسمع صاحب الدَّعوة صوت الله، بل عليه أن يكون حرًّا في اتباعه ويثبت فيه. ويعلق القديس كليمنس الإسكندري "عندما سُؤِل ماذا تعمل لتجعل وثنيًّا مسيحيًّا، فأجاب: سأدعوه ليسكن معي في بيتي سنة كاملة. مَن مِنا يريد أن يعزمَ غريبًا ليسكن معه سنة كاملة؟"  في هذا اللقاء يتجذّر جوهر الدَّعوة المسيحيَّة التي تقوم أولاً على التقاء يسوع واتباعه والإقامة معه حتى النِّهاية.  دعنا نؤمن ونثق بأننا معك يا رب، نستطيع أن نكون تلاميذك. هل نتصوّر كيف نمضي النَّهار مع الرَّبّ كي نكشف دعوتنا؟ أمَّا عِبَارة "السَّاعَةُ نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر" في الأصل باليوناني ὥρα ἦν ὡς δεκάτη (معناها السَّاعة العاشرة بالتَّوقيت اليهودي) فتشير إلى السَّاعة الرَّابعة في توقيتنا المعاصر. وهنا يُحدِّد يوحَنَّا الإنجيلي السَّاعة، السَّاعة التي أدرك فيها أنه يُحب السَّيّد المسيح، لأنّ السَّيّد المسيح أحبَّه أولًا؛ إذ كان أول حديث مع يسوع، أنه دقيق في تعابيره وذكرياته. ويوحَنَّا الإنجيلي بعد 60 سنة ما زال يذكر السَّاعة التي أقام فيها في بيت يسوع والتي قرَّر فيها ألاَّ يتركه العمر كله، لأنَّه وجد فيه الحياة كما صرّح " فيهِ كانَتِ الحَياة " (يوحَنَّا 1: 4). لقد قرّرت تلك السَّاعة حياته ولم ينساها أبدًا.  ويعُلق القديس أوغسطينوس "أن رقم 10 يشير إلى النَّاموس حيث الوصايا العشرة. فقد ذهبا إلى السَّيد المسيح بكونه واهب النَّاموس ومكمِّله (متى 5: 17)، لكي يتعلما النَّاموس من واهب النَّاموس نفسه لأن الرَّحمة على لسانه " تَفتَحُ فَمَها بِالحِكمة وعلى لِسانِها تَعْليمُ الرَّحمَة"(أمثال 31: 25).

 

 40وكانَ أَندرَاوُس أَخو سِمْعانَ بُطُرس أَحَدَ اللَّذَينِ. سَمِعا كَلامَ يوحَنَّا فَتبِعا يسوع.

 

تشير عِبَارة " أَندرَاوُس " في الأصل باليوناني Ἀνδρέας (معناه رجل) إلى شقيق القديس بطرس، وهو جليليّ وُلد في  بيت صيدا قرب بحيرة طبريَّة ( يوحَنَّا 1: 44)، وكان  يعمل مع أخيه في صيد الأسْماك ( مرقس 1: 16-18)، وكان له بيتٌ مع بطرس في كفرناحوم ( مرقس 1: 29) وكان من تَلاميذ يوحَنَّا المَعْمَدان الذي أرشده إلى يسوع ، حَمَلُ الله،  ويُعتبر هو صاحب أول دعوة كما يُطلق عليه اليونانيُّون (Πρωτόκλητος) ؛ الدَّعوة الأولى التي يختصّ بها أندراوس، هي انطلاقه خلف الرَّبّ يسوع وعودته لأخيه لإخباره كأول بشارة باسم المسيح ( يوحَنَّا 1: 35-42)، ويُعلق باسيليوس السَّلوقيّ : " إن أندراوس هو النَّبتة الأولى في بستان الرُّسل، وهو من فتح الباب أمام تعليم الرَّبّ يسوع المسيح وكان الأوّل الّذي يَقطَف من الحقل الّذي زرعه الأنبياء. لقد كان أوّل من تعرّف إلى النَّبيّ الذي قالَ عنه موسى: "يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون" (تثنية اشتراع 18: 15).  ودعا يسوع اندراوس ليتبعه (مرقس 1: 16)، واندراوس هو الذي أخبر يسوع عن الصَبي الذي كان معه خمسة أرغفة وسمكتان عند إطعام الخمسة الآلاف (يوحَنَّا 6: 8)، وقد سأل هو وبطرس ويعقوب ويوحَنَّا عن خراب اورشليم ومجيء المسيح الثَّاني (مرقس 13: 3-4) وأخبر هو وفيليبس يسوع برغبة بعض اليونانيِّين في رؤيته (يوحَنَّا 12: 22).  ويُقال إنه كرز بالمسيح في بلاد آسية الصُّغرى ونواحي البحر الأسود وصولا النَّهر فولغا. لهذا يُكرِّمه مسيحيُّو رومانيا وأوكرانيا وروسيا، شفيعًا لهم. كما يُعتبر أول وأهم شفيع لكنيسة القسطنطينيَّة. أستُشهد، بحسب التَّقليد، مصلوبًا في مدينة باتراس في اليُونان، ويُقال إنه طلب أن يكون صَليبه معكوسًا بشكل حرف X، وهو أول حروف كلمة المسيح: Χριστός في اليونانيَّة.  وفي عام 1462، وضع البابا بيوس الثَّاني رفاته الطَّاهر قُرب ضريح أخيه بطرس في الفاتيكان. ثم قام البابا بولس السَّادس بإعادته إلى بلاد اليونان علامة للوَحدة والأخوَّة بين الكنيستين الكاثوليكيَّة والأرثوذكسيَّة الشَّقيقتين. أمَّا عبارة " أَحَدَ اللَّذَينِ" فتشير إلى ذكر الكتابُ اسم أحد التلميذين وهو أندراوس، الثاني فهو يوحنّا الإنجيليّ عينه، وعادته ألاَّ يذكر اسمه تواضعًا، أو لأنّه كان معروفًا مشهورًا.

 

 41ولَقِيَ أَوَّلاً أَخاهُ سِمْعان فقالَ له: ((وَجَدْنا المَشيح)) ومَعناهُ المسيح

 

تشير عِبَارة " أَوَّلاً " إلى أندراوس الذي وجد أخاه سِمعان بُطرس أولا، فاهتم بأخيه وبحث عن المسيح لمشاركته خبرته الجديدة التي تمتَّع بها بلقائه مع يسوع المسيح. وهكذا أصبح هو شاهدًا، إذ شارك أخاه الاكتشاف الذي توصّل إليه. هل نحن نقتدي باندراوس ونجتهد في إرشاد غيرنا إلى المسيح لخلاص نفوسهم؟ أمَّا عِبَارة "سِمْعان" في الأصل اليوناني Σίμων (مشتق من الاسم العبري שִׁמְעוֹן ومعناه مستمع أو "مطيع، حيث أنَّه التقى بروح الطَّاعة بالمسيح) فتشير إلى بطرس (اسم يوناني Πέτρος معناه صخرة)، وكان هذا الرَّسول يسمَّى أولا سمعان واسم أبيه يونا (متى 16: 17) واسم أخيه اندراوس، واسم مدينته بيت صيدا. فلما تبع يسوع غيَّر يسوع اسمه إلى "كيفا" وهي كلمة آراميَّة כֵיפָא ومعناها صخرة (يوحَنَّا 1: 42) وقلَّده سلطانًا ودورًا هامًا، وعلى هذه الصَخر سيَبني المسيح كنيسته كما جاء في تصريحه: " أَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت" (مرقس 1: 29).  وكانت مِهنة بطرس صيد السَّمك، وكان مقيمًا في كفرناحوم، وكان بطرس من تلاميذ يوحَنَّا المَعْمَدان قبل إتباعه المسيح، وقد جاء به إلى يسوع أخوه اندراوس. وقد دعا يسوع بطرس ثلاث مرات: فأولا دعاه ليكون تلميذًا، ثم دعاه ثانيًا ليكون رفيقًا له ملازمًا إيَّاه باستمرار (متى 4: 19)؛ ثم دعاه ثالثًا لكي يكون رسولا له (متى 4:10: 2). وأولاه الرَّبّ منزلة خاصة بين الرُّسل وفي الكنيسة (يوحَنَّا 21: 15-24)، وكان صاحب نشاطٍ وغيرةٍ، ويذكر اسمه دائمًا في أولى قائمة أسماء الرُّسل (متى 10: 2)، وعند ذكر أسماء التَّلاميذ الثَّلاثة المُقرَّبين إلى يسوع. وهو أوَّل من أدرك شخصيَّة يسوع فأقرَّ أنَّه المسيح ابن الله (متى 16: 16). وبعد قيامة الرَّبّ اخذ زمام قيادة الكنيسة فقام بانتخاب رسولا بدلا من يهوذا (أعمال الرُّسل 1: 15)، وأعلن فتح باب الخلاص لليهود (أعمال الرُّسل 2: 10) وللأمم (أعمال الرُّسل 10)، وواصل تبشيره حيث يوجد اليهود، تاركًا تبشير اورشليم ليعقوب والأمم للرسول بولس الرَّسول.  وقد واصل بطرس رحلاته التَّبشيريَّة وزوجته معه من مكان لآخر (1 قورنتس 9: 8) وأخيرًا استشهد كما سبق الرَّبّ وأخبره (يوحَنَّا 1: 19) عام 67 م ودُفن في تل الفاتيكان، حيث أقام الإمبراطور قسطنطين كنيسة عظيمة إكرامًا لاسمه. ويُعتبر أساقفة روما خلفاءً له وخدَّاما لوحدة الكنيسة الجامعة؛ وفي هذا الصَدد يقول القديس أمبروسيوس: " حيث بطرس فهناك الكنيسة".  أمَّا عِبَارة "وَجَدْنا" فتشير إلى هتاف الفرح، وهو هتاف من وجد كنزًا ثمينًا (متى 13: 44). ولا يستطيع أحدٌ أن يقول " وجدتُ، ما لم يكن المسيح نفسه قد وجده قبلا بروحه (متى 18: 11-12). أمَّا عِبَارة "المَشيح" باليونانيَّة Μεσσίας (المسيا المترجمة من اللفظ العبري أو الآرامي הַמָּשִׁיחַ) فتشير إلى المسيح الذي تدلُّ على الذي نال المِسحَة.  وهي صرخة اندراوس عندما احضر أخاه سمعان ليدلَّه على يسوع المسيح. والمسيح في نظر اليهود، هو داود الجديد الذي ينتظرونه في آخر الأزمنة. ويعلق باسيليوس السَّلوقيّ: "بهذه الكلمات "وَجَدْنا المَشيح" أكّد الآب السَّماوي على ذلك عندما أوحى بها بنفسه إلى بطرس، كما جاء في إنجيل متى: "فأَجابَه يسوع: طوبى لَكَ يا سِمعانَ بنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الذي في السَّمَوات" (متى 16: 17).  لماذا نحن عندما نجد هدف حياتنا يسوع المسيح لا نُشير إليه بإصبعِنا، ونريه للنّاس: تعالوا وانظروا، كيف يعيش يسوع معنا ولنا وبيننا! أمَّا عِبَارة " مَعناهُ المسيح " فتشير إلى المسيح Χριστός في الصِّيغة اليونانيَّة للكلمة الآراميَّة הַמָּשִׁיחַ والعِبريَّة مشيح والعربيَّة مسيح، ولأن يوحَنَّا كان يكتب للأمم، لقرائه اليونانييِّن فسَّر كلمة الآراميَّة المَشيح أي الممسوح بالرُّوح القدس ليكون نبيًا وكاهنًا وملكًا (أعمال الرُّسل 10: 38)، وذلك للقيام بعمل الفِداء والخلاص. شهد يوحَنَّا المَعْمَدان بان يسوع هو "حَمَل الله" وانَّه "ابن الله". أمَّا اندراوس فعرف أنَّ يسوع هو المسيح.  

 

 42وجاءَ بِه إلى يَسوعَ فحَدَّقَ إِلَيه يسوعُ وقال: ((أَنتَ سِمْعانُ بنُ يونا، وسَتُدعَى كِيفا))، أَي صَخرًا 

 

تشير عِبَارة "وجاءَ بِه" إلى العمل الرَّئيسي للمسيحي في العَالَم هو أن يربح آخرين للمسيح؛ مَن يتذوق طعم إتباع يسوع والإقامة معه يصير بدوره شاهداً وقناة للآخرين لمعرفة يسوع. أجل! في رفقة يسوع نكتشف الأسرار الإلهيّة والكنوز الثمينة، وما علينا إلّا أنّ نشارك بها الآخرين. أمَّا عِبَارة "فحَدَّقَ إِلَيه" في الأصل اليوناني ἐμβλέψας فتشير إلى تفحص يسوع إلى سمعان، وحُبِّه، واختياره، فاعدَّ له اسمًا جديدًا، وبالتالي دعوة جديدة: لن يعود صيادَ سمكٍ، بل صيّادَ بشرٍ، كما قال يسوع له وإلى أخيه أندراوس "اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر" (متى 4: 19). أمَّا عِبَارة "أَنتَ سِمْعانُ" فتشير إلى إعلان يسوع أنّه يعرف اسم بطرس؛ أمَّا عِبَارة "يونا" في الأصل اليوناني Ἰωάννου (مشتق من العِبري יוֹנָה معناه حمامة) فتشير إلى أبو سمعان بطرس (متى 16: 17)؛ أمَّا عِبَارة " سَتُدعَى كِيفا "  في الأصل اليوناني  κληθήσῃ (صيغة المضارع ستُدعى يجعلنا في خطِّ التقليد الواحد)  فتشير إلى تغيير يسوع اسم بطرس. وهذا التَّغيير إشارة إلى رسالة جديدة يَعهد بها الرَّبّ إليه. ولكنّها رمز أيضًا لذاك التَّغيير الجذري في الحياة لكل تلميذ يَقبَل أن يترك كل شيء ويتبع يسوع ويرغب في أن يبقى معه. فالاسم يعبِّر عن جوهر الشخص أو عن مصيره. وقد شرح أوريجانس هذه التسمية فقال: "إنَّه يُسمّى بطرس، فاستخرج هذا الاسم من الصخر الذي هو المسيح. فكما أنَّ ''حكيم'' يأتي من ''حكمة''، و ''قدّيس'' يأتي من ''قداسة''، كذلك ''بطرس'' يأتي من ''الصخر''. أمَّا عِبَارة " كِيفا" في الأصل اليوناني Κηφᾶς مشتق من الآراميَّة כֵיפָא والسِّريانيَّة " صفا" معناها "صَخر ") فتشير إلى "سمعان ولقبه Πέτρος أي بطرس (مرقس 3: 16)، دلالة على شجاعته وثباته، فهو إنباء المسيح بصفات بطرس في المستقبل. وتغيير الاسم في الكتاب المقدس دليل على منح مواهب أو مواعيد جديدة كتبديل مثلا اسم ساراي بسارة، وأبرام بإبراهيم (تكوين 17: 5) ويعقوب بإسرائيل (تكوين 32: 28) وهوشع بيشوع. واسم بطرس يدل على إعلان اسم جديد، وهو رمز للدخول في علاقة جديدة مع الله، وتغيير جديد على شخصيته والرِّسالة التي يلتزم بها كشاهدٍ للإيمان بالمسيح والدَّلالة على دعوة خاصة، وتقوم هذه الدَّعوة برئاسة الكنيسة (متى 16: 18). فصار بطرس حقًا عمودًا في الكنيسة الأولى بنعمة الله، لا بصفاته البشريَّة فقط، بل بصخرة الإيمان (1 قورنتس 1: 12).

 

 

ثانيًا: تطبيقات النَّص الإنجيلي (يوحَنَّا 1: 35-42)

 

بعد دراسة موجزة عن وقائع النَّص الإنجيلي (يوحَنَّا 1: 35-42)، نستنتج انه يتمحور حول شَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان ليسوع، حَمَلُ الله، وشَهادَة التَّلاميذ الأولين ليسوع انه المسيح

 

1) شَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان ليسوع: حَمَلُ الله.

 

"حَدَّقَ يوحَنَّا المَعْمَدان إلى يَسوعَ وهو سائرٌ وقال: ((هُوَذا حَمَلُ الله!)) (يوحَنَّا 1: 36)، وقد شهد يوحَنَّا المَعْمَدان أمام تَلاميِذه أنَّ يسوع هو "حَمَلُ الله". ومن المحتمل أن يوحَنَّا ينوّه بذلك أنَّ المسيح يُمثل حَمَل الله في ثلاثة معاني وردت في الكتاب المقدس، وهي عبد الله المتألم، وحمل الفِصْح، وحمل السَّماوي المنتصر:

 

ا) حَمَلُ الله: عبد الله المتألم (أشعيا 53: 7)

 

يرمز حَمَل الله أولا إلى عبْد الله المُتألم. عندما كان إرميا النَّبي يُعاني اضطِّهاد أعدائه، أخذ يُشبه نفسه "كنتُ أَنا كَحَمَلٍ أَليفٍ يُساقُ إلى الذَّبْح" (إرميا 11: 19). وطبَّق أشعيا النَّبي هذه الصُّورة فيما بعد على عبد الرَّبّ الذي، إذ كان مُزمعًا أن يموت ليكفِّر عن خطايا شعبه، بقوله "كحَمَلٍ سيقَ إلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ " (أشعيا 53: 7). ويُعلق جاك بوسويه: "انظروا إليه، ها هو حَمَل الله الذي رآه أشعيا في الرُّوح عندما قال إنّه "كحَمَلٍ سيقَ إلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ" والذي رآه إرميا ومثّله بشخصه حين قال: "كنتُ أَنا كَحَمَلٍ أَليفٍ يُساقُ إلى الذَّبْح، ها هو الحَمَل الوديع، والمتواضع، والصَبور، بدون حيلة، بدون غشّ، الذي سيُذبح من أجل كلّ الخطأة. سبق له أن ذُبح بصورة مجازيَّة، ونستطيع أن نقول في الحقيقة "أنّه قُتل منذ إنشاء العَالَم".

 

ينبئ أشعيا عن مصير المسيح، وَفقًا ما قام فيلبّس بتفسيره إلى خصي ملكة الحبش وكانَتِ الفِقرَةُ الَّتي يَقرَأُها مِنَ الكِتابِ هي هذه: ((كخَروفٍ سِيقَ إلى الذَّبح وكحَمَلٍ صامِتٍ بَينَ يَدَي مَن يَجُزُّه هكذا لا يَفتَحُ فاه.  في ذُلِّه أُلغِيَ الحُكمُ عَليه. ترى مَن يَصِفُ ذُرِّيَّته؟ لأَنَّ حَياتَه أُزيلَت عنِ الأَرض (أشعيا 53: 7). فقالَ الخَصِيُّ لِفيلِيبس: ((أَسأَلُكَ: مَن يَعْني النَّبِيُّ بِهذا الكَلام: أَنَفْسَه أَم شَخْصًا آخَر؟  فَشَرَعَ فِيلِيبُّس مِن هذه الفقَرةِ يُبَشِّرُه بِيَسوع" (أعمال 8: 33-35). وتعلق القدّيسة تيريزا -بينيديكت الصَّليب (إيديث شتاين) " لماذا اختار الرَّبّ بنفسه الحَمَل لكي يكون رمزًا له بامتياز؟ لماذا كان يظهر أيضًا بهذا المظهر على العرش الأبدي للمَجد؟ ورَأَيتُ بَينَ العَرشِ والأَحْياءِ الأَربَعَةِ وبَينَ الشُّيوخ حَمَلاً قائِمًا كأَنَّه ذَبيح " (رؤيا 5: 6).  لأنّه كان بريئًا كالحَمَل، ومتواضعًا كالحَمَل، ولأنّه كان قد أتى لكي "يُساق كَحَمَلٍ إلى الذَّبْحِ" (أشعيا 53: 7). كما يجب أن يموت الحَمَل ليُرفَع إلى عرش المجد، هكذا، فإنّ طريق كلّ "المَدعُوِّينَ إلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل" (رؤيا 19: 9)، تمرّ صوب المَجد بالعَذاب والصَّليب" (عرس الحَمَل 14/09/1940).

 

يرجع متى الإنجيلي إلى هذا النَّص ليوضَّح موقف المسيح في حُكمه أمام المجلس اليهودي "ظَلَّ يسوعُ صامِتًا" (متى 26: 63)، وأنه "لَم يُجِبْ بيلاطس بِشَيء "(يوحَنَّا 19: 9). ومن المحتمل أن يكون يوحَنَّا المَعْمَدان ينوّه بذلك، عندما شهد ليسوع أمام اليهود قائلًا "هُوَذا حَمَل الله الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العَالَم" (يوحَنَّا 1: 29)، وكذلك عندما شهد ليسوع أمام تَلاميِذه خاصة اندراوس ويوحَنَّا: "هُوَذا حَمَلُ الله!"(يوحَنَّا 1: 36). يُعلق القدّيس كيرِلُّس، بطريرك الإسكندريَّة: " أعلن يوحَنَّا: "هُوَذا حَمَل الله" ليشرح سبب نزول يسوع من السَّماء ومجيئه إلينا". هو الحَمَل الحقيقي الّذي أُخبِر عنه فيما مضى بالرُّموز، والضَّحيَّة الّتي هي من دون لوم، سيق اليوم إلى الذَّبح من أجل أن يَمحي خطيئة العَالَم، ومن أجل أن يغلب مُهلِك الأرض، ومن أجل أن يقضي على الموت بموته عن الجميع، ومن أجل أن يكسر اللعنة الّتي حلّت بنا، ومن أجل أن يلغي تلك الكلمة: "لأَنَّكَ تُرابٌ وإلى التُّرابِ تعود" (تكوين 3: 19) " شرح لإنجيل القدّيس يوحَنَّا، 2، المقدّمة)

 

ب) حَمَلُ الله: حَمَل الفِصْح (1 بطرس 1: 19)

 

يرمز "حَمَل الله" أيضا إلى حَمَل الفِصْح. عندما قرَّر الله أن يُخلِّص شعبه الأسير لدى المصريين، أمر العبرانيِّين بأن تذبح كلُّ أسرة منهم حَمَلا صحيحًا، ذكرًا، حوليًا (خروج 12: 5)، وتأكله ليلًا، وتنضح بدمه عضادتي بابها. وبفضل هذه العلامة يفتديهم ملاك الهلاك عندما يأتي ليضرب كل أبكار المصرّييِّن. وهكذا بفضل دم حَمَل الفِصْح قد افتدى الله العبرانيين من عبوديَّة مصر، فأمكنهم من أن يصبحوا " مَملَكةً مِنَ الكَهَنَة وأُمَّةً مُقَدَّسة" (خروج 19: 6).

ويرى يوحَنَّا في المسيح أيضًا صورة موسى الذي قاد الشَّعب من العبوديَّة إلى أرض الخلاص؛ فقد حرَّرنا يسوع من أصول الشَّر وعبوديته. الحَمَل الفِصْحى يرمز إلى النَّجاة والخلاص من العبوديَّة، ويسوع هو الذي يرفع خطيئة العَالَم، أي هو الذي ينشر الحبَّ في الأرض ويُصالح الإنسان مع الله. ويعلق القدّيس كيرلُّس الاورشليمي: "لقد طرد الحَمَلُ الفِصْحى شبح الموت في زمن موسى؛ فكم بالحريّ "حَمَل الله الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العَالَم" (يوحَنَّا 1: 29)، أفليسَ هو أكثر قدرةً على تحريرنا من خطايانا؟ " (التَّعليم المسيحي العمادي الثَّالث عشر).

رأى التَّقليد المسيحي في المسيح "حَمَل الفِصْح الحقيقي"؛ إن المسيح هو الحَمَل (يوحَنَّا 1: 29) الصَحيح (خروج 12: 5)، أي بلا عيب ولا دَنس (عبرانيين 9: 14) الذي يفتدي البشر بدمه الثمين دمه، كما صرّح بطرس الرَّسول "قَد عَلِمتُم أَنَّكم لم تُفتَدَوا بِالفاني مِنَ الفِضَّةِ أَو الذَهَب مِن سيرَتِكمُ الباطِلَةِ الَّتي وَرِثتُموها عن آبائِكم، بل بِدَمٍ كريم، دَمِ الحَمَل الَّذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس، دَمِ المسيح" (1 بطرس 1: 18-19).

 

 يرجع التَّقليد الذي يرى في المسيح حَمَل الفِصْح الحقيقي، إلى بدء المسيحيَّة ذاتها حيث حث ُّبولس الرَّسول مؤمني كنيسة قورنتس على العيش كفطير في الطَّهارة والحقِّ، بما أنه " ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنا، وهو المسيح"(1 قورنتس 5: 7). ولا يُعرض الرَّسول بولس هنا تعليمًا جديدًا عن المسيح الحَمَل، لكنَّه يستند إلى تقاليد طقسيَّة خاصة بالفِصْح المسيحي ترجع إلى قبل سنة 57م.  فإذا أخذنا بعين الاعتبار التَّرتيب الزَّمني الذي يتبعه يوحَنَّا نرى أن حادث موت المسيح ذاته هو أساس هذا التَّقليد. قد أسلم يسوع للموت عشيَّة عيد الفطر (يوحَنَّا 18: 28)، أي يوم تهيئة الفِصْح، بعد الظهر (يوحَنَّا 19: 14)، في السَّاعة ذاتها التي تفرض الشَّريعة ذبح الحَمَلان في الهيكل. وبعد موته، لم يَكسر الجنود ساقيه مثلما كسروا ساقي المَصلوبَيْن الآخرين (يوحَنَّا 19: 33). ويرى الإنجيلي في هذه الواقعة تطبيقًا لشريعة طقسيَّة بشأن الحَمَل الفِصْحى "فقد كانَ هذا لِيَتِمَّ الكِتاب: ((لن يُكسَرَ له عَظْم)) (يوحَنَّا 19: 36).

 

المسيح هو الذَبيحة العظمى والفدية الكاملة التي اعدَّها الله ليكفِّر عن أثام شعبه كما يؤكده بولس الرَّسول في تعليمه "فالَّذي لم تَستَطِعْهُ الشَّريعة، والجَسَدُ قد أَعيْاها، حَقَّقَه اللهُ بإِرسالِ ابِنه في جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدنا الخاطِئ، كَفَّارةً لِلخَطِيئَة. فَحَكَمَ على الخَطيئَةِ في الجَسَد"(رومة 8: 3).

 

الجدير بالذِّكر أنَّ مبدأ التَّكفير عن الخطايا يقوم على مبدأ التَّعويض.  "إَنَّ أُجرَةَ الخَطيئَةِ هي المَوت" (رومة 6: 23)، وانَّ الخطيئة تفصل الإنسان عن الله. ويُعلمنا الكتاب المُقدس "بِأَنَّ جَميعَ النَّاسِ قد خَطِئُوا فحُرِموا مَجْدَ الله" (رومة 3: 23) فأرسل الله ابنه الوحيد يسوع المسيح ليموت على الصَّليب من أجلنا، كما شهد يوحَنَّا المَعْمَدان " هُوَذا حَمَل الله الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العَالَم "(يوحَنَّا 1: 29). ويشير هذا النَّص إلى موت يسوع التَّكفيري حيث يدمج من جهة صورة العبد المتألم (أشعيا 52: 13-53: 12) الذي يأخذ على عاتقه خطايا جماعة النَّاس والذي، مع أنه بريء، يُقرِّب نفسه حَمَلا، ومن جهة أخرى، صورة حَمَل الفِصْح (خروج 12: 1-28). ويعلق القدّيس كيرلُّس الاورشليمي: " يسهلُ علينا أن نستخلصَ من هذه الفقرة لأشعيا بأنَّ ما تكلّم عنه الأنبياء من مغفرة الخطايا والتَّوبة وخلاص البشر سيتمّ بالرَّبّ يسوع لمسيح في نهاية الأزمنة (عن أشعيا، الفصل الرَّابع).

 

نستنتج مما سبق أنَّ المسيح مات لفِدائنا، ولدفع ثمن خطايا كلِّ من يؤمن به (1 بطرس 1: 18-21). " إِنَّه كَفَّارةٌ لِخَطايانا لا لِخَطايانا وحْدَها بل لِخَطايا العَالَم أَجمعَ" (1 يوحَنَّا 2: 2). ويؤكد ذلك صاحب الرِّسالة إلى العبرانيين " المسيحُ قُرِّبَ مَرَّةً واحِدة لِيُزيلَ خَطايا جَماعَةِ النَّاس. وسيَظهَرُ ثانِيَةً، بِمَعزِلٍ عنِ الخَطيئَة، لِلَّذينَ يَنتَظِرونَه لِلخلاص" (عبرانيين 9: 28).

 

ج) حَمَلُ الله: حَمَل المُنْتَصر (رؤيا 7: 14)

 

يرمز حَمَل الله أخيرًا إلى الحَمَل السَّماوي المُنتصر الذي يتقلَّد قدرة لدى ارتفاعه إلى السَّماء. إن المسيح حَمَل الله في موته الفدائي، لكنَّه في نفس الوقت "أسد" حرّر بانتصاره شعب الله، من قوات الشَّر، كما جاء في وصف صاحب الرُّؤيا "ها قد غَلَبَ الأَسَدُ مِن سِبطِ يَهوذا، ذُرَّيَّةُ داوُد ورَأَيتُ بَينَ العَرشِ والأَحْياءِ الأَربَعَةِ وبَينَ الشُّيوخ حَمَلًا قائِمًا كأَنَّه ذَبيح، لَه سَبعَةُ قُرون وسَبْعُ أَعيُنٍ هي أَرْواحُ اللهِ السَّبعَةُ الَّتي أُرسِلَت إلى الأَرضِ كُلِّها. (رؤيا 5: 5)، إذ هو يُشارك الله حاليًا في عرشه (رؤيا 22: 1) وفي تقبُّل عبادة الكائنات السَّماويَّة (رؤيا 5: 8).

 

تقلَّد يسوع، حَمَلُ الله، سلطة إلهيَّة، لأنَّه سيُنفِّذ أحكام الله ضد الكفار، كما جاء في سفر الرُّؤيا "تَوالَت رُؤيايَ فرَأَيتُ الحَمَلَ يَفُضُّ أَوَّلَ الأَخْتامِ السَّبعَة" (6: 1) ويُوقعهم غضبه في الرُّعب (رؤيا 6: 16) وهو الذي يقود الحرب "الإسكاتولوجيَّة (الاخرويَّة) ضدّ قوّات الشَّر المُتحالفة، وينصّبه نصره ليكون" رَبُّ الأَرْبابِ ومَلِكُ المُلوك" (رؤيا 17: 14). ولن يعود إلى وداعته الأولى، إلا عندما يحتفل بعُرسِه مع أورشليم السَّماويَّة، التي ترمز إلى الكنيسة "طوبى لِلمَدعُوِّينَ إلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل (رؤيا 19: 9) فيتحوَل الحَمَل حينذاك إلى راع لقيادة المؤمنين نحو ينابيع ماء الحياة التي تمنح السَّعادة السَّماويَّة، كما جاء في سفر الرُّؤيا "لأَنَّ الحَمَلَ الَّذي في وَسَطِ العَرشِ سيَرْعاهم وسيَهْديهم إلى يَنابيع ِماءِ الحَياة، وسيَمسَحُ اللهُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم "(رؤيا 7: 17).

 

2) شَهادَة التَّلاميذ الأولين ليسوع المسيح.

 

لم هيّا يوحَنَّا المَعْمَدان بصورة مباشرة بالشَهادَة والعِمَّاد ليسوع فحسب، إنما أيضا بدعوة تَلاميِذه إلى اتباعه. صار يوحنا المعمدان شاهداً أمام تلاميذه وبدورهم جذبوا آخرين كما جاء في مقدمة إنجيل يوحنا "لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور" (يوحنا 1: 8).

 

ا) شَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان للمسيح أمام تِلميذيِّه اندراوس ويوحَنَّا الحبيب

 

كان يوحَنَّا المَعْمَدان "شاهدًا ليسوع" لدرجة إنَّه لم يَعدْ يبحث عن مجدٍ شخصيٍّ له، فقال: "لا بُدَّ له مِن أَن يَكبُر. ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر" (يوحَنَّا 3: 30). كان يوحَنَّا ببساطة يشهد للحَق (يوحَنَّا 3). هل كان يفكّر بأن يحتفظ بتَلاميِذه لنفسه ويمنعهم من اتّباع الرَّبّ يسوع؟ مطلقًا لا! لقد جاء كي يدعو النَّاس، لا ليكونوا أتباعًا له، ليلتصقوا بشخصه، بل ليكونوا أتباعًا للمسيح. لقد دلّ يوحَنَّا المَعْمَدان تَلاميِذَه على المسيح كي يتبعوه. ويُعلِّق القدِّيس أوغسطينوس: " لقد أعلن لهم: أنظروا "هُوَذا حَمَلُ الله!" ... هوذا الّذي سيحمل خطيئة العَالَمبعد هذه الكلمات تبع التِّلميذان-الّلذان كانا مع يوحَنَّا المَعْمَدان-الرَّبّ يسوع".

 

ب) شَهادَة تلميذيِّ يوحَنَّا المَعْمَدان اندراوس ويوحَنَّا الحبيب أمام بطرس

 

استطاع يوحَنَّا المَعْمَدان بفضل شهادته أن يسوع هو حَمَل الله أن يجذب التِّلميذين اندراوس ويوحَنَّا الحبيب إلى يسوع ليُصبحا تلميذيه. فتبع تلميذاه يسوع. ويُعلق باسيليوس السَّلوقيّ "مدفوعًا بهذه الكلمات، غادرَ أندراوس معلِّمه القديم وانطلقَ نحو ذاك الذي بشَّر به يوحَنَّا المَعْمَدان، وكان توقه يتجلّى بخطواته... وقد اصطحب معه يوحَنَّا الإنجيلي. فتركَ الاثنان " السِّراج المُوقَد المُنير" وتوجَّها نحو الشَّمس" (عظة عن القدّيس أندراوس). ومن لم يجد المسيح أولًا لن يستطيع أن يأتي بأحد للمسيح. ومن يعرف يسوع يسعى لأن يُعرِّفُه الآخرين (نشيد أناشيد1 1: 4). وفي هذا الصَدد حثَّ البابا فرنسيس في خطابه الشَّباب "أيها الشَّباب الأعزّاء، احملوا محبة المسيح إلى شباب جيلكم!" (خطابه للشباب 10/12/ 2018).

 

قَبِلَ أندراوس شَهادَة يوحَنَّا المَعْمَدان عن يسوع، وفي الحال ذهب لتبشير أخاه سمعان بطرس عنه "وَجَدْنا المَشيح)) ومَعناهُ المسيح" (يوحَنَّا 1: 41). وفي هذا الصدد يقول البابا فرنسيس "ليس الإيمان عطية للاحتفاظ بها على المستوي الشخصي. وإنَّما لنتقاسمه بفرح". فسُرعان ما أنضم إلى يسوع؛ فكان اندراوس سببًا في دعوة أخيه سمعان بطرس. يصل نداء الله إلى شخص ما عن طريق شخص آخر لخدمة الله، كما يقول بولس الرَّسول: "كَيفَ يَدْعونَ مَن لم يُؤمِنوا بِه؟ وكَيفَ يُؤمِنونَ بِمَن لم يَسمَعوه؟ وكَيفَ يَسْمَعونَه مِن غَير ِمُبَشِّر؟ 15 وكَيفَ يُبَشِّرونَ إِن لم يُرسَلوا؟"  (رومة 10: 14-15).

 

بإمكان كلُّ مدعو أنْ يكون سببًا في دعوة إنسان أخر، يعلق القديس يوحَنَّا الذَهبي الفم في دعوة أندراوس لأخيه سمعان، ودعوة آخرين لبعضهما البعض: "صورة حيَّة لتحقيق الصَداقة في الرَّبّ، والتَّعاون في ملكوت الله". ولم يكن عند اندراوس شكٌ في يسوع أنَّه المسيح.   فلم يخبر أندراوس أخاه بطرس فقط، بل يهتم بتقديم النَّاس إلى الرَّبّ يسوع: "ههُنا صَبِيٌّ معَهُ خَمسَةُ أَرغِفَةٍ مِن شَعير وسَمَكتا " لإجراء معجزة الخبز والسَّمكتين (يوحَنَّا 6: 8)، وقدّم بَعضُ اليونانِيِّينَ الذين أرادوا أن يروا يسوع في اورشليم" (يوحَنَّا 12: 22). ويُعلق القديس يوحَنَّا الذَهبي الفم " وَجَدْنا المَشيح" تعبير عن نفسٍ تجاهد من أجل حضرة الرَّبّ، وتبحث عن مجيئه من العلا، وتتهلل عندما يتحقق ما تبحث عنه، وتسرع لتهب الآخرين أخبارًا سارَّة. هذا هو دور الحُبِّ الأخوي القائم على الصَداقة الطَّبيعيَّة، وتدبير مُخلص، لبسط اليد للغير لتقديم الرُّوحانيات".  فالدَّعوة المسيحيَّة هي من تلميذ إلى تلميذ. فالمسيح يريد أن يواصل رسالته على يد تَلاميِذه.

 

يسألهم يسوع فجأة «ماذا تريدان؟» وليس «من تريدان؟». فلو قال لهم «من تريدان؟» لجعل من شخصه مباشرة المِحور، متجاهلًا بذلك بحثهم الحقيقيّ. لكنّ يسوع يهتم بهم، بما يبحثون عنه: ما هي رغباتكم الحقيقيَّة، عن ماذا تبحثون بالفعل في حياتكم؟  ويعلق أحد المفكرين على قوله “ماذا تُريدان؟" المال، المجد، السُّلطة؟ أم أنك مُستعد لتعيش التَّجرُّد، التَّواضع والخدمة؟ فهل العَالَم يبحث عن القيَم الحقيقيَّة؟ يقول المفكر فاريون: "العَالَم يملك أكثر فأكثر الإمكانيات، وأقل فأقل المعنى. الإنسان يُصبح أكثر فأكثر ذكاءً، والحياة تصبح أكثر فأكثر عبَثيَّة". في الحقيقة عندما نبحث عن المسيح، لا نعرف بالضبط عن ماذا نبحث وهو يساعدنا على توضيح دوافعنا ومعنى وجودنا.

 

يجيب التِّلميذان على سؤال يسوع بسؤال: «يا معلم أين تقيم؟» وليس "نحب أن نقوم بهذا أو بذاك العمل معك". كان يريدان أن يَريا أين يقيم الرَّب يسوع ليتمِّما تلك الآية: إِن رَأَيتَ عاقِلًا فاْبتَكِرْ إِلَيه ولتحُكَّ قَدَمك دَرَج بابِه. فَكَرْ في أَوامِرِ الرَّبَ واْهتَمَّ بِوَصاياه كُلَّ حين" (سيراخ 6: 36-37).

 

لقد فهم يسوع جيدًا سؤالهم فيجيب: «تعالا وانظرا». يدعوهما يسوع إذن للإقامة معه ليتعرّفا عليه، كما أنّه يقيم في الآب ويعرف الآب. فلا يمكن اكتشاف ومعرفة المسيح دون علاقة حميمة معه، دون شيء من الاستمراريَّة. أصغى التِّلميذان لكلام يسوع وقاما باكتشاف هائل يتجاوز بكثير ما قاله لهما المعمدان. كما حدث سابقًا مع النَّبي إرميا الذي قال: "قد استغويتني يا رب، فاستُغويت" (20: 7). يَستغوينا يسوع لنُقيم بقربه، إنَّه في قلب كلِّ دعوة.

 

منذ ذلك الحين، تجذّرت في قلب يوحَنَّا الرَّغبة في الإقامة بقرب يسوع. وتصل الرَّغبة ذروتها في خطاب الوداع. وفي واقع أنه استطاع عيش هذه الواقع الحميم، وهو يميل برأسه على صدر مُعلّمه أثناء العشاء الأخير مُصغيًا إلى كلمات معلمه الإلهي "اُثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم...فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَرًا كثيرًا" (يوحَنَّا 15: 4-5).

 

ليست معرفة المسيح هدفًا بحدّ ذاته، إنها تدفعنا دائمًا باتِّجاه الآخرين وباتِّجاه ذواتنا. يلتقي التِّلميذان صدفة بسمعان، أخو اندراوس ويشاركانه اكتشافهما "وَجَدْنا المسيح" (يوحَنَّا 1: 41). فيلتحق بهما سمعان ويذهبون كلهم باتّجاه المسيح. هنا لا يقول لنا النَّص ما الذي اكتشفه سمعان من المسيح، بل على العكس، يقول لنا كيف حوّل المسيح شخصية سمعان كليَّة بإعطائه اسم جديد "أَنتَ سِمْعانُ بنُ يونا، وسَتُدعَى كِيفا، أَي صَخرًا " (يوحَنَّا 1: 42) فنيل اسم جديد من الله يعني تغيّر الهوّيَّة، وإن لقب الصَخرة هو من ألقاب الله نفسه (مزمور 18: 3)، والمسيح أيضا (1 قورنتس 10: 4)، وأخيرًا بطرس (يوحَنَّا 1: 42). مع هذا الاسم يَعبر شيئًا من الله ومن المسيح إلى بطرس، التلميذ المدعو أيضًا ليكون أساسًا لبقيَّة التَّلاميذ " وأَنتَ ثَبَّتْ إِخوانَكَ متى رَجَعْتَ" (لوقا 22: 32). نحن كلنا مدعوُّون على مثال التلاميذ يسوع الأوائل أنّ نسعى لنسمع الصوت الرَّبِّ ونتعرف على رسالته في يّومنا هذا.

 

الخلاصة

 

شهد يوحَنَّا المَعْمَدان لتَلاميِذه لكي يقودهم إلى العهد الجديد. وأكَّد لهم أن المسيح يأتي لا في صورة ملوكيَّة مجيدة كما يظنُّ اليهود، بل بصورة حَمَلُ الله، المُتألِّم، الحامل خطايا العَالَم. ومن هذا المنطلق، تمَّ لقاء حقيقي شخصي وعميق بين تلاميذ يوحَنَّا المَعْمَدان، وهم أندراوس ويوحَنَّا، وسمعان بطرس الذي أحضره اخوه اندراوس فشكلوا النَّواة الأوَّليَة ا للتلمذة.

 

بينما تُقدّم الأناجيل متى، مرقس ولوقا دعوة في إطار جعل المدعويِّن، صيادي السمك، صيادي بشر… يتحدث إنجيل يوحنا عن الدعوة، كدعوة إلى "نظر جديد" وإلى "إقامة” مع يسوع. ويسوع ينظر إلى التلميذين ويوحنا ينظر إلى يسوع ويتعرف إليه. ويبدأ بالحوار معهما ويدعوهما لكي يأتيا وينظرا حياته ومكان إقامته. وأخيرًا، ينظر يسوع إلى سمعان، ويبدأ تحويل حياته بدءًا بتغيير اسمه.

 

وآلَ هذا اللقاء إلى تغيير كامل للحياة والكيان والاسم. فنرى السَّيد المسيح دخل إلى صميم نفس سمعان، واحتل أعماقها، ليحوِّله إلى بطرس الرَّسول مغيِّرًا اسمه ورسالته وحياته وكيانه كله. فنحن هل نريد أن نتعرف على يسوع ونتبعه مثل هؤلاء التَّلاميذ؟  هل نريد أن نبحث عن يسوع؟ هل نحن مستعدُّون أن نلبِّي دعوته لنذهب إليه نقيم عنده؟

 

 

دعاء

 

أيها الآب السَّماوي، أنتَ الذي أرسلت يوحَنَّا المَعْمَدان ليُرشد الآخرين ليسوع، حَمَلُ الله، امنحنا النِّعمة لنعرف يسوع ونتقبله مخلصًا يفدي نفسه من أجلنا، ونعرفه مسيحًا فلا نعود إلى الخطيئة ونشهد له أمام الآخرين فيعرف العَالَم حقيقة الخلاص بالرَّبِّ يسوع المسيح.  أعطنا السَّلام، أيّها الحَمَل الّذي ذبح من أجل خلاصنا (رؤيا 5: 6)، يا "حَمَل الله الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العَالَم، أعطنا السَّلام". (يوحَنَّا 1: 29)

 

ولنردِّد مع البابا بولس السَّادس:

 

"إليكَ يا يسوع ربنَّا، ننظر لتُنيرنا أيها النُّور الآتي إلى العَالَم، فنُدرك الدَّعوة إلى اتباعك، وسماع كلامك الحَي، والدُّخول في شركة حياة معك. إنجيلك قوة وفرح لنا. أحلَّ فينا روحَك القدوس، فيُغيِّر حياتنا ويُفرِّحها بالأخوة لجميع النَّاس، والخِدمة السَّخيَّة، والغَيْرة في العمل الرَّسولي، فنحقق خير البشريَّة في الحقيقة والحُريَّة والعَدل والمَحبة. هذه هي صلاتنا إليك، أيها المسيح، أنتَّ الذي تحيا وتملك مع آبيك وروحك القُدوس إلى الأبد. آمين.