موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٣ مايو / أيار ٢٠٢٦

الرُّوحُ القُدُسُ وَسُلطانُ مُغفِرَةِ الخَطايا

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
أَحَدُ العُنصُرَة: الرُّوحُ القُدُسُ وَسُلطانُ مُغفِرَةِ الخَطايا (يوحنا 20: 19-23)

أَحَدُ العُنصُرَة: الرُّوحُ القُدُسُ وَسُلطانُ مُغفِرَةِ الخَطايا (يوحنا 20: 19-23)

 

النص الإنجيلي: (يوحنا 20: 19-23)

 

 19وفي مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود، فجاءَ يسوعُ ووَقَفَ بَينَهم وقالَ لَهم: ((السَّلامُ علَيكم!)) 20قالَ ذلك، وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ. 21فقالَ لَهم ثانِيَةً: ((السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً)). 22قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: ((خُذوا الرُّوحَ القُدُس. 23مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم)).

 

 

المُقَدِّمَة

 

نَحتَفِلُ اليَومَ بِعِيدِ العُنصُرَةِ المَجيدَةِ، الَّذي يُشَكِّلُ خِتامَ الزَّمَنِ الفِصْحِيِّ وَذِروَةَ سِرِّ القِيامَةِ. فَبَعدَ أَنْ أَتَمَّ المَسيحُ عَمَلَ الفِداءِ بِمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ وَصُعودِهِ إِلى الآبِ، يَتَحَقَّقُ وَعدُهُ بِإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ، الرُّوحِ المُعَزِّي، الَّذي يَأتي بِنارِهِ وَنورِهِ وَقُوَّتِهِ لِيُثَبِّتَ الرُّسُلَ، وَيُجَدِّدَ قُلوبَهُم، وَيُؤَهِّلَهُم لِحَمْلِ رِسالَةِ الإِنجيلِ إِلى أَقاصي الأَرضِ. وَيَرَى القِدِّيسُ إيريناوس أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ "عَطيَّةُ الآبِ الَّتي تُجَدِّدُ الإِنسانَ وَتُعيدُ خَلقَهُ"؛ فَكَمَا تَنَفَّسَ اللهُ نَسَمَةَ الحَياةِ في آدَمَ الأَوَّلِ، هٰكَذا يَنْفُخُ المَسيحُ القائِمُ رُوحَهُ في خَليقَتِهِ الجَديدَةِ (PG 7: 1153).  

 

إِنَّهُ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي وَعَدَ بِهِ يَسوعُ تَلاميذَهُ، وَالَّذي يَظهَرُ في إِنجيلِ اليَومِ مُرتَبِطًا بِعَطِيَّةِ السَّلامِ وَبِمِنحَةِ غُفرانِ الخَطايا، إِذ "نَفَخَ فِيهِم وَقالَ لَهُم: خُذُوا الرُّوحَ القُدُس" (يو 20: 22)، لِيَمنَحَهُم سُلطانَ المُصالَحَةِ وَخِدمَةَ الرَّحمَةِ الإِلٰهيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَنْدَريُّ عَلَى هٰذِهِ النَّفخَةِ قائلًا: "لَم يَكُنْ هٰذا عَمَلًا رَمْزِيًّا فَقَط، بَلْ بَدءَ تَجْديدِ الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ وَإِعادَتِها إِلى نِعْمَةِ البِدايَةِ الأُولى" PG 74: 705)).  فَالنَّفخُ هُنا يُعيدُ القارئَ إِلى مَشهَدِ الخَلْقِ الأَوَّلِ: "وَنَفَخَ في أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَياة" (تك 2: 7)، لِيُعلِنَ يَسوعُ أَنَّهُ آدَمُ الجَديدُ الَّذي يَهبُ خَليقَةً جَديدَةً.

 

وَإِنْ كانَ إِنجيلُ يوحنّا يَربِطُ عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ بِيَومِ القِيامَةِ نَفسِهِ (يو 20: 19-23)، فَإِنَّ سِفْرَ أَعمالِ الرُّسُلِ يَكشِفُ الاِمتِدادَ الكَنَسيَّ الشّامِلَ لِهٰذِهِ العَطِيَّةِ، حَيْثُ حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَى الكَنيسَةِ المُجتَمِعَةِ مَعَ السَّيِّدَةِ العَذراءِ أُمِّ الكَنيسَةِ، وَالرُّسُلِ الأَطهارِ، وَالتَّلاميذِ، وَالنِّسوَةِ القِدِّيساتِ، يَومَ العُنصُرَةِ، في اليَومِ الخَمسينَ بَعدَ القِيامَةِ (أع 2: 1). وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلى أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَم يَنْزِلْ عَلَى أَفرادٍ مُتَفَرِّقينَ، بَلْ عَلَى جَماعَةٍ مُجتَمِعَةٍ، لِأَنَّ "الرُّوحَ يَصنَعُ مِنَ الكَثيرينَ جَسَدًا واحِدًا" (PG 60: 24). 

 

وَمِنْ هُنا، لا يُعَدُّ حَدَثُ العُنصُرَةِ مُجَرَّدَ ذِكرى تاريخيَّةٍ، بَلْ يُشَكِّلُ جَوهَرَ الحَياةِ المَسيحيَّةِ وَالانطِلاقَةَ الحَقيقيَّةَ لِوِلادَةِ الكَنيسَةِ وَرِسالَتِها. وَيَكتُبُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "كَمَا وُلِدَت حَوّاءُ مِن جَنبِ آدَمَ النَّائِمِ، هٰكَذا وُلِدَتِ الكَنيسَةُ مِن جَنبِ المَسيحِ المَفتوحِ عَلَى الصَّليبِ، وَأُظهِرَتْ لِلعالَمِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ PL 35: 1972)).

 

وَمِن ثَمَّ، تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ، وَفِي اسْتِخلاصِ تَطبيقاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ لِحَياةِ المُؤمِنينَ اليَومَ. فَالعُنصُرَةُ لَيْسَت حَدَثًا ماضِيًا فَحَسب، بَلْ حُضورٌ مُستَمِرٌّ لِلرُّوحِ الَّذي يُجَدِّدُ الكَنيسَةَ وَيَقودُها نَحوَ مِلءِ الحَقيقَةِ

 

 

أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلُهُ (يوحنّا 20: 19)

 

19. "وَفي مَساءِ ذٰلِكَ اليَومِ، يَومِ الأَحَدِ، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغلِقَت أَبوابُها خَوفًا مِنَ اليَهود، فَجاءَ يَسوعُ وَوَقَفَ بَينَهُم وَقالَ لَهُم: السَّلامُ عَلَيكم".

 

تُشيرُ عِبارَةُ "ذٰلِكَ اليَومِ، يَومِ الأَحَدِ" إِلى مَساءِ يَومِ القِيامَةِ، أَي أَوَّلِ الأُسبوعِ. وَيُلاحَظُ أَنَّ يوحنّا الإِنجيليَّ ذَكَرَ اجتِماعَ الرُّسُلِ يَومَ الأَحَدِ مَرَّتَينِ (يو 20: 19، 26)، في إِشارةٍ لاهوتيَّةٍ تُؤَسِّسُ لِيَومِ الرَّبِّ الَّذي سَيُصبِحُ يَومَ اجتِماعِ الكَنيسَةِ. فَالإِنجيلُ يُشَدِّدُ عَلَى وَحدَةِ الزَّمَنِ الفِصحيِّ، حَيْثُ ظَهَرَ يَسوعُ لِمَريمَ المَجدليَّةِ في الصَّباحِ (يو 20: 1)، وَلِلنِّسوَةِ (متى 28: 9)، وَلِتِلمَيذَي عِمَّاوُس (لوقا 24: 13)، وَها هُوَ الآنَ يَظهَرُ لِلجَماعَةِ الرَّسوليَّةِ المُجتَمِعَةِ. وَمِن هُنا رَأَتِ الكَنيسَةُ في يَومِ الأَحَدِ يَومَ الخَليقَةِ الجَديدَةِ وَيَومَ القِيامَةِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلى أَنَّ "الرَّبَّ قامَ في اليَومِ الأَوَّلِ لِيَجعَلَ مِنْهُ بِدايَةَ خَليقَةٍ جَديدَةٍ" PG 50: 441)).

 

أَمَّا عِبارَةُ "التَّلاميذُ" فَتُشيرُ إِلى جَماعَةِ المُؤمِنينَ الحاضِرينَ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِم الرُّسُلُ العَشَرَةُ، إِذ كانَ يَهوذا الإِسخَريوطيُّ قَد خَرَجَ مِن جَماعَتِهِم، وَكانَ توما غائِبًا عَن هٰذا اللِّقاءِ (لوقا 24: 33؛ يو 20: 24). وَلا يَقتَصِرُ المَشهَدُ عَلَى الرُّسُلِ فَقَط، بَلْ يَحمِلُ بُعدًا كَنَسيًّا، لأَنَّ المَسيحَ القائِمَ يَظهَرُ لِلجَماعَةِ المُجتَمِعَةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "دارٍ" فَتُشيرُ إِلى مَوضِعِ اجتِماعِ التَّلاميذِ في أُورَشَليمَ، وَالأَرجَحُ أَنَّها العُلِّيَّةُ الَّتي أَكَلُوا فيها الفِصحَ مَعَ مُعَلِّمِهِم (مر 14: 13-15). وَسَتُصبِحُ العُلِّيَّةُ المَكانَ الَّذي سَيَشهَدُ ميلادَ الكَنيسَةِ بِحُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ يَومَ العُنصُرَةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "أُغلِقَت أَبوابُها" فَتُشيرُ إِلى حَالَةِ الرُّعبِ وَالخَوفِ الَّتي عاشَها التَّلاميذُ، فَقَد أَغلَقوا الأَبوابَ بِإِحكامٍ خَشيَةَ أَنْ يَلقَوا مَصيرَ مُعَلِّمِهِم. غَيْرَ أَنَّ الأَبوابَ المُغلَقَةَ لَم تَستَطِع أَنْ تَمنَعَ حُضورَ المَسيحِ القائِمِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير إِلى أَنَّ "الَّذي وُلِدَ مِن بَطنِ العَذراءِ المُختومِ دُونَ أَنْ يَكسِرَ أَختامَهُ، دَخَلَ أَيضًا وَالأَبوابُ مُغلَقَةٌ" PL 76: 1197)). وَلَم يَكُنْ دُخولُ يَسوعَ وَالأَبوابُ مُغلَقَةٌ مُجَرَّدَ مُعجِزَةٍ، بَلْ إِعلانًا لِطَبيعَةِ الجَسَدِ القائِمِ المُمَجَّدِ. فَالمَسيحُ قَامَ بِذاتِ الجَسَدِ الَّذي صُلِبَ وَدُفِنَ، لَكِنَّهُ أَصبَحَ جَسَدًا مُمَجَّدًا لا يَخضَعُ لِحُدودِ الزَّمانِ وَالمَكانِ. وَهُنا يَتَحَقَّقُ ما أَعلَنَهُ بولُسُ الرَّسولُ: "فَلا بُدَّ لِهٰذا الكائِنِ الفاسِدِ أَنْ يَلبَسَ ما لَيسَ بِفاسِد" (1 قور 15: 53). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس عَلَى طَبيعَةِ الجَسَدِ المُمَجَّدِ قائلًا: "أَيًّا كانَت طَبيعَةُ الجَسَدِ الرُّوحانيِّ، وَمَهما كانَت عَظَمَةُ نِعمَتِهِ، نَحنُ لا نَزالُ لا نَحمِلُ خِبرَةً كامِلَةً بِهٰذِهِ الحَقيقَةِ" PL 41: 801)).

 

أَمَّا عِبارَةُ "خَوفًا مِنَ اليَهودِ" فَلا تَعني جَميعَ الشَّعبِ اليَهوديِّ، بَلْ تُشيرُ، في السِّياقِ اليوحنَّاويِّ، إِلى القِياداتِ الدِّينيَّةِ الَّتي عارَضَت يَسوعَ وَلاحَقَتهُ. وَكانَ التَّلاميذُ يَعيشونَ وَضعًا مِنَ الخَوفِ وَالضَّياعِ، ظانِّينَ أَنَّ الدَّورَ سَيَأتي عَلَيهِم بَعدَ صَلبِ مُعَلِّمِهِم.

 

مَّا عِبارَةُ "وَوَقَفَ بَينَهُم" في الأَصلِ اليونانيِّ ἔστη εἰς τὸ μέσον (وقف في الوسط)، فَتُظهِرُ مُبادَرَةَ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ؛ فَهُوَ يَأتي أَوَّلًا إِلى الإِنسانِ قَبلَ أَنْ يَذهَبَ الإِنسانُ لِلِقائِهِ. فَيَسوعُ هُوَ المُبادِرُ دَومًا، يَقتَحِمُ أَبوابَ الخَوفِ المُغلَقَةِ وَيَدخُلُ إِلى أَماكِنِ القَلقِ وَالانكِسارِ لِيُعيدَ الحَياةَ وَالرَّجاء.

 

أَمَّا الفِعلُ "وَقَفَ"  ἔστη  (فَهُوَ مِنَ الفِعل ἵστημι، وَيَعني: أَقامَ أَو وَقَفَ أَو ثَبَتَ). وَفي السِّياقِ الفِصحيِّ يَحمِلُ بُعدًا قِيامِيًّا عَميقًا؛ فَلَيسَت مُجرَّدَ وَقفَةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ وَقفَةُ الحَيِّ الَّذي غَلَبَ المَوتَ وَثَبَتَ مُنتَصِرًا عَلَيهِ. وَيُشيرُ بَعضُ المُفَسِّرينَ إِلى أَنَّ الفِعلَ يَحمِلُ فِكرَةَ الحُضورِ الثّابِتِ وَالإِقامَةِ الدّائِمَةِ في وَسَطِ الجَماعَةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ " بَينَهُم " εἰς τὸ μέσον  (في الوَسَط أَو المَركَز)، فتُشيرُ إِلى أَنَّ المَسيحَ القائِمَ لَيسَ حاضِرًا عَلَى هامِشِ الجَماعَةِ، بَلْ في قَلبِها وَمَركَزِها. فَهُوَ مَحورُ الكَنيسَةِ وَمَنبَعُ وَحدَتِها وَشَرِكَتِها. وَيُشيرُ هٰذا التَّعبيرُ أَيضًا إِلى قُربِهِ مِن كُلِّ واحِدٍ بِالدَّرَجَةِ نَفسِها؛ فَهُوَ لا يَقتَرِبُ مِن بَعضٍ وَيَبتَعِدُ عَن آخَرينَ، بَلْ يَقِفُ في الوَسَطِ لِيَكونَ قَريبًا مِنَ الجَميعِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائلًا: "كانَ في الوَسَطِ لِكَي يَجمَعَ المُتَفَرِّقينَ في وَحدَةٍ واحِدَةٍ".  فَوُقوفُ المَسيحِ في الوَسَطِ يُصبِحُ صُورَةً لِلكَنيسَةِ نَفسِها: جَماعَةٌ تَتَّحِدُ لا حَولَ فِكرَةٍ أَو نِظامٍ، بَلْ حَولَ شَخصِ المَسيحِ الحَيِّ الحاضِرِ في وَسَطِها.

 

أمَّا عِبارَةُ "السَّلامُ عَلَيكُم" في الأَصلِ اليونانيِّ Εἰρήνη ὑμῖν (السلام لكم)، فَهِيَ أَكثَرُ مِن تَحِيَّةٍ اعتياديَّةٍ؛ إِنَّها عَطيَّةُ الفِصحِ الجَديدِ وَإِعلانُ ثَمَرَةِ القِيامَةِ. فَيَسوعُ القائِمُ لا يَبدَأُ بِالعِتابِ أَو بِالتَّوبيخِ، رَغمَ هُروبِ تَلاميذِهِ وَخَوفِهِم، بَلْ يَبدَأُ بِالسَّلامِ. إِنَّهُ سَلامُ المُصالَحَةِ بَعدَ الصَّليبِ، وَتَحقيقُ وَعدِهِ السّابِقِ: "سَلامي أُعطيكُم، لا أُعطي أَنا كَما يُعطي العالَم" (يو 14: 27).

 

وَكَلِمَةُ "السَّلامُ" Εἰρήνη تَرْجِعُ في خَلفِيَّتِها إِلى الكَلِمَةِ العِبريَّةِ שָׁלוֹם (شالوم) الَّتي لا تَعني مُجرَّدَ غِيابِ النِّزاعِ أَو الحَربِ، بَلْ تَحمِلُ مَعاني الاِكتمالِ وَالوَحدةِ وَالمُصالَحَةِ وَمِلءِ الحَياةِ وَالبَرَكَةِ. فَهُوَ سَلامٌ يَجمعُ الإِنسانَ بِاللهِ وَبِنَفسِهِ وَبِإِخوَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري قائلًا: "لَم يَأتِ يُعاتِبُهُم عَلَى هُروبِهِم، بَلْ مَنَحَهُم ما يَحتاجونَهُ: السَّلام" (PG 74: 680). فَالقائِمُ مِن بَينِ الأَمواتِ يَدخُلُ إِلى أَبوابِ الخَوفِ المُغلَقَةِ لِيَزرَعَ سَلامَهُ، لا لِيُعيدَ جِراحَ الماضي. وَهٰذا السَّلامُ لَيسَ مُجرَّدَ حالَةٍ نَفسيَّةٍ أَو شُعورٍ داخِليٍّ، بَلْ هُوَ حَقيقَةٌ خَلاصيَّةٌ وُلدَت مِن الصَّليبِ وَالقِيامَةِ. لِذٰلِكَ يَصِفُهُ بولُسُ الرَّسولُ قائلًا: "سَلامُ اللهِ الَّذي يَفوقُ كُلَّ إِدراكٍ يَحفَظُ قُلوبَكُم وَأَذهانَكُم في المَسيحِ يَسوع" (في 4: 7). فَالمَسيحُ القائِمُ هُوَ "سَلامُنا" (أف 2: 14)، وَهُوَ الَّذي "حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِهِ" (كو 1: 20). وَيُعَدُّ هٰذا الظُّهورُ الأَوَّلَ لِلجَماعَةِ الرَّسوليَّةِ مُجتَمِعَةً، وَالخَامِسَ بِحَسَبِ تَسلسُلِ ظُهوراتِ المَسيحِ القائِمِ: لِمَريمَ المَجدليَّةِ، ثُمَّ لِلنِّسوَةِ، ثُمَّ لِبُطرُسَ، ثُمَّ لِتِلمَيذَي عِمَّاوُس، وَأَخيرًا لِلجَماعَةِ المُجتَمِعَةِ في العُلِّيَّةِ. وَهٰكَذا يَظهَرُ المَسيحُ القائِمُ كَالرّاعي الَّذي لا يَترُكُ قَطيعَهُ مُشَتَّتًا، بَلْ يَجمَعُهُ مِن جَديدٍ حَولَ حُضورِهِ الحَيِّ، لِيَجعَلَ مِن خَوفِهِم كَنيسَةً، وَمِن ضَعفِهِم رِسالَةً، وَمِن سَلامِهِ شَهادَةً لِلعالَمِ.

 

20 "قالَ ذٰلِكَ، وَأَراهُم يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهِمِ الرَّبَّ"..

 

تُشيرُ عِبارَةُ "أَراهُم يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ" إِلى أَنَّ التَّلاميذَ أَبصَروا جَسَدَ المَسيحِ نَفسَهُ الَّذي رَأَوْهُ مُعَلَّقًا عَلَى الصَّليبِ؛ فَهُوَ لَيْسَ جَسَدًا آخَرَ وَلا ظِلًّا أَو شَبَحًا، بَلْ الجَسَدُ عَينُهُ الَّذي حَمَلَ آلامَ الفِداءِ وَجِراحاتِ الصَّلبِ، غَيرَ أَنَّهُ الآنَ جَسَدٌ حَيٌّ مُمَجَّدٌ قَد غَلَبَ المَوتَ. فَجِراحاتُ المَسيحِ لَم تَختَفِ بَعدَ القِيامَةِ، بَلْ بَقِيَت شَهادَةً حَيَّةً عَلَى حَقيقَةِ آلامِهِ وَقِيامَتِهِ. وَبِهٰذا يُزيلُ يَسوعُ شُكوكَ التَّلاميذِ وَضَعفَ إِيمانِهِم، مُقَدِّمًا لَهُم "بَراهينَ كَثيرَةً" عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ (أع 1: 3). وَيُشَدِّدُ يوحنّا الإِنجيليُّ هُنا عَلَى الوَحدَةِ بَينَ يَسوعَ التّاريخيِّ الَّذي تَألَّمَ وَماتَ، وَيَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ. فَالَّذي يَقِفُ الآنَ في وَسَطِ التَّلاميذِ هُوَ نَفسُهُ الَّذي "قَدِ ابتُلِيَ هُوَ نَفسُهُ بِالآلامِ، فَهُوَ قادِرٌ عَلَى إِغاثَةِ المُبتَلَين" (عب 2: 18). وَهُوَ نَفسُهُ أَيضًا الَّذي وَعَدَ تَلاميذَهُ: "هاءَنَذا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم" (متى 28: 20). فَيَسوعُ الَّذي تَألَّمَ لَيْسَ شَخصًا مِنَ الماضِي، بَلْ هُوَ الرَّبُّ الحَيُّ الحاضِرُ مَعَ كَنيسَتِهِ إِلى الأَبَدِ. وَيُريدُ يوحنّا الإِنجيليُّ أَيضًا أَنْ يُقيمَ صِلَةً لاهوتيَّةً بَينَ حادِثَةِ طَعنِ الجَنبِ بِالحُربَةِ عَلَى الجُلجُلَةِ (يو 19: 34)، وَحَدَثِ ظُهورِ المَسيحِ في العُلِّيَّةِ. فَالَّذي يَعودُ الآنَ إِلى ذَوِيهِ هُوَ الحَمَلُ الفِصحيُّ المَذبوحُ الَّذي يَحمِلُ ثِمارَ ذَبيحَتِهِ مِن أَجلِ خَلاصِ البَشَرِيَّةِ. وَكَما يَصفُهُ سِفرُ الرُّؤيا: "حَمَلًا قائِمًا كَأَنَّهُ ذَبيح" (رؤ 5: 6). وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى أَنَّ المَسيحَ "احتَفَظَ بِجِراحاتِهِ لا بِسَبَبِ عَجزٍ في قُدرَتِهِ عَلَى شِفائِها، بَلْ لِيُبقيَ أَثَرَ المَحبَّةِ الَّتي بِها افتَدانا" PL 35: 1956)).

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَفَرِحَ التَّلاميذُ" فَتُشيرُ إِلى تَحَقُّقِ وَعدِ يَسوعَ في أَحاديثِ الوَداعِ: "قُلتُ لَكُم هٰذِهِ الأَشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فَيَكونَ فَرَحُكُم تامًّا" (يو 15: 11). فَلَم يَعُدِ الفَرَحُ مُجَرَّدَ رَجاءٍ مُستَقبَلِيٍّ، بَلْ صارَ خِبرَةً مَعيشَةً وَلِقاءً حَيًّا مَعَ الرَّبِّ القائِمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: "إِنَّ ما وَعَدَ بِهِ قَبلَ الصَّليبِ: "سَأَعودُ فَتَفْرَحُ قُلوبُكُم" (يو 16: 22)، قَد تَحَقَّقَ الآنَ بِالكامِلِ، وَهٰذا قادَهُم إِلى الإِيمانِ الصّادِقِ" PG 59: 468)).

 

أَمَّا عِبارَةُ "لِمُشاهَدَتِهِمِ الرَّبَّ" فَلا تَعني مُجَرَّدَ رُؤيَةٍ حِسِّيَّةٍ، بَلْ وَصولَ التَّلاميذِ إِلى يَقينِ الإِيمانِ بِأَنَّ القائِمَ مِن بَينِ الأَمواتِ هُوَ يَسوعُ عَينُهُ. وَهُنا تَتَحَوَّلُ الرُّؤيَةُ إِلى فَرَحٍ، وَالفَرَحُ إِلى إِيمانٍ. وَإِذا كانَت مُشاهَدَةُ المَسيحِ عَلَى الأَرضِ قَد مَلأَت قُلوبَ التَّلاميذِ بِالفَرَحِ، فَكَم بِالحَرِيِّ سَيَكونُ فَرَحُ المُؤمِنينَ عِندَما يُعايِنونَهُ وَجهًا لِوَجهٍ في مَجدِ السَّماءِ، حَيْثُ يَصيرُ الوَعدُ كَامِلًا وَالفَرَحُ أَبَدِيًّا. وَيَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيصصي: "إِنَّ غايَةَ الحَياةِ المَسيحيَّةِ هِيَ أَنْ يَنتَقِلَ الإِنسانُ مِن رُؤيَةِ الإِيمانِ إِلى مُعايَنَةِ المَجْدِ" PG 44: 1272)).  فَالفَرَحُ الفِصحيُّ الَّذي اختَبَرَهُ الرُّسُلُ في العُلِّيَّةِ يَبقى بَدايَةَ الفَرَحِ الكامِلِ في المَلَكوتِ.

 

21 "فَقالَ لَهُم ثانِيَةً: السَّلامُ عَلَيكُم! كَما أَرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أَنا أَيضًا".

 

تُشيرُ عِبارَةُ "ثانِيَةً" إِلى تَأكيدِ عَطيَّةِ السَّلامِ لِلتَّلاميذِ، فَالأَمرُ لا يَقتَصِرُ عَلَى تَبديدِ خَوفِهِم أَو تَعزِيَتِهِم بَعدَ أَحداثِ الصَّليبِ، بَلْ يَحمِلُ بُعدًا رِساليًّا جَديدًا يُهَيِّئُهُم لِلشَّهادَةِ لِلحَياةِ الجَديدَةِ الَّتي يَعيشونَها بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَقَد يَحمِلُ تَكرارُ القَولِ مَرَّتَينِ دَلالَةً كِتابيَّةً تُشيرُ إِلى ثَباتِ المَقصِدِ الإِلٰهيِّ، كَما جاءَ في تَفسيرِ حُلمِ فِرعَون: "وَأَمَّا تِكرارُ الحُلمِ مَرَّتَينِ، فَلأَنَّ الأَمرَ مُقَرَّرٌ مِن لَدُنِ اللهِ" (تك 41: 32). فَالسَّلامُ الَّذي يُعطيهِ المَسيحُ القائِمُ لَيْسَ كَلِمَةً عابِرَةً، بَلْ عَطيَّةٌ فِصحيَّةٌ ثابِتَةٌ تُؤَسِّسُ هُوِيَّةَ الجَماعَةِ الرَّسوليَّةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "السَّلامُ عَلَيكُم" في الأَصلِ اليونانيِّ Εἰρήνη ὑμῖν (السلام لكم)، فَتُشيرُ هُنا إِلى سَلامِ القِيامَةِ الَّذي يَنبَعُ مِن غَلَبَةِ المَسيحِ لِلمَوتِ وَالخَطيئَةِ. وَهٰذا السَّلامُ لا يَعني مُجرَّدَ غِيابِ الحَربِ أَو انْعِدامِ النِّزاعِ، بَلْ يُعبِّرُ عَنْ حالَةِ الاِكتمالِ وَمِلءِ المُصالَحَةِ وَوَحدَةِ الإِنسانِ مَعَ اللهِ وَمَعَ نَفسِهِ وَمَعَ الآخَرينَ. وَتَعودُ خَلفِيَّتُهُ إِلى الجِذرِ العِبريِّ שָׁלוֹם الَّذي يَحمِلُ مَعاني الكَمالِ، وَالامتِلاءِ، وَالسَّلامِ الدَّاخِلِيِّ، وَالشِّفاءِ، وَالازدِهارِ الرُّوحيِّ. فَهُوَ ثَمَرَةُ الصَّليبِ وَالقِيامَةِ، وَعَطيَّةُ العَهدِ الجَديدِ الَّتي صَنَعَها المَسيحُ بِدَمِهِ. فَفي الظُّهورِ الأَوَّلِ كانَ السَّلامُ يَهدِفُ إِلى تَبديدِ خَوفِ التَّلاميذِ وَإِعادَةِ الطُّمَأنينَةِ إِلى قُلوبِهِم؛ أَمَّا هُنا فَيَحمِلُ بُعدًا إرِسالِيًّا، إِذ يُعِدُّهُم يَسوعُ لِلخُروجِ إِلى العالَمِ وَحَملِ بُشرى الخَلاصِ. إِنَّهُ سَلامُ ابنِ اللهِ المُنتَصِرِ عَلَى العالَمِ وَالمَوتِ، السَّلامُ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَنْ يَمنَحَهُ: "السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وَسَلامي أُعطيكُم، لا أُعطي أَنا كَما يُعطي العالَم" (يو 14: 27). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري قائلًا: "إِنَّهُ لَم يَمْنَحْهُم سَلامًا عاديًّا، بَلْ سَلامَ الرُّوحِ الَّذي يَرفَعُ الخَوفَ وَيُعيدُ صِلَةَ الإِنسانِ بِاللهِ" (PG 74: 708). وَبِذٰلِكَ يَتحَوَّلُ نَصُّ يوحنّا 20: 19-23 مِن مُجرَّدِ رِوايَةٍ لِظُهورِ المَسيحِ القائِمِ إِلى إِعلانٍ لاهوتيٍّ مُتكامِلٍ عَنِ الخَليقَةِ الجَديدَةِ، وَعَطيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَرِسالَةِ الكَنيسَةِ، وَسُلطانِ المُصالَحَةِ وَغُفرانِ الخَطايا.

 

أَمَّا أَداةُ "كَما" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيِّ καθὼς، (أداة تشبيه كما، مثل ) وَلا تَعني مُجَرَّدَ التَّشابُهِ الخارِجيِّ، بَلْ تَحمِلُ مَعنى العَلاقَةِ وَالمُشارَكَةِ في النَّمَطِ والرسالة وَالمَصدرِ وَالغايَةِ. فَهِيَ تُشيرُ مِن جِهَةٍ إِلى العَلاقَةِ الفَريدةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ، وَمِن جِهَةٍ أُخرى إِلى إِشراكِ التَّلاميذِ في هٰذِهِ الأُلْفَةِ الإِلٰهيَّةِ وَالرِّسالَةِ الخَلاصيَّةِ. فَالرِّسالَةُ الرَّسوليَّةُ لا تَنبَعُ مِن مُبادَرَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ مِن دُخولِ الرُّسُلِ في حَرَكَةِ مَحبَّةِ الآبِ وَالابنِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "كَما أَرسَلَني الآبُ" ἀπέσταλκεν فعل تام من ἀποστέλλω(معناها أرسل )  فَتُشيرُ إِلى الآب هو المُرسِل، والابن هو الرسول الإلهي. إنَّ يَسوعَ هُوَ رَسولُ الآبِ الأَوَّلُ وَالوَحيدُ في تَدبيرِ الخَلاصِ. وَكَما يَقولُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيِّينَ: "تَأَمَّلوا رَسولَ شَهادَتِنا وَعَظيمَ كَهَنَتِها يَسوع" (عب 3: 1). وَلا يَذكُرُ يوحنّا الإِنجيليُّ هُنا شُروطَ الإِرسالِ العَمَليَّةِ كَما وَرَدَت في الإِرساليَّةِ السَّابقةِ (لو 10: 3-4)، لأَنَّهُ يُرَكِّزُ عَلَى بُعدٍ أَعمَقَ: فَالتَّلاميذُ مَدعُوُّونَ لِيَحمِلوا نَفْسَ رُوحِ يَسوعَ وَمَواقِفِهِ وَمَحبَّتِهِ وَتَواضُعِهِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى أَنَّ "المَسيحَ لَم يَقُلْ: أَرسَلْتُكُم فَقَط، بَلْ: كَما أَرسَلَني الآبُ، لِكَي يَفْهَموا أَنَّهُم أُدخِلوا في عَمَلِهِ هُوَ" PL 35: 1955)).

 

أمَّا عِبارَةُ "أُرسِلُكُم أَنا أَيضًا" في الأَصلِ اليونانيِّ κἀγὼ πέμπω ὑμᾶς، فَيَرِدُ الفِعلُ πέμπω بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وَهُوَ ما يُظهِرُ اِستِمراريَّةَ الرِّسالَةِ وَحَرَكَتَها المُتَواصِلَةَ. فَبَينَما يَستَعمِلُ يَسوعُ في الشِّقِّ الأَوَّلِ الفِعلَ   ἀπέσταλκεν  (أَرسَلَني) بِصِيغَةِ التَّامِّ لِيُشيرَ إِلى رِسالَةِ الآبِ الَّتي بَدَأَت وَما زالَت فاعِلَةً، يَستَعمِلُ هُنا πέμπω بِصِيغَةِ المُضارِعِ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الإِرساليَّةَ تَستَمِرُّ وَتَمتَدُّ مِن شَخصِهِ إِلى تَلاميذِهِ عَبْرَ الزَّمَنِ. فَتُشيرُ العِبارَةُ إِلى أَنَّ الرِّسالَةَ الَّتي أَوكَلَها يَسوعُ إِلى تَلاميذِهِ لَيْسَت رِسالَةً مُنفَصِلَةً أَو جَديدَةً بِمَعزِلٍ عَنهُ، بَلْ هِيَ اِمتِدادٌ لِرِسالَتِهِ هُوَ نَفسِهِ. فَهُم لا يَحمِلونَ بُشرى مِن عِندِهِم، بَلْ يُصبِحونَ شُرَكاءَ في إِرساليَّةِ الابنِ الَّذي أَرسَلَهُ الآبُ لِيُخَلِّصَ العالَمَ. وَمِن هُنا يَستَطيعُ بولُسُ الرَّسولُ أَنْ يَقُولَ: "نَحنُ سُفَراءُ في سَبيلِ المَسيح" (2 قور 5: 20)، لأَنَّ الرَّسولَ لا يَتَكَلَّمُ بِاسمِهِ، بَلْ بِاسمِ مَنْ أَرسَلَهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير قائلًا: "الَّذي أُرسِلَ مِنَ الآبِ أَرسَلَ بِدَورِهِ الرُّسُلَ، لِكَي يَمتَدَّ ما بَدَأَهُ في الأَرضِ إِلى أَقصى العالَم" (PL 76: 1199). إِنَّ رِسالَةَ التَّلاميذِ وُلِدَت مِن حَدَثِ الفِصحِ نَفسِهِ، وَهِيَ مُتَجَذِّرَةٌ في رِسالَةِ يَسوعَ، كَما يَظهَرُ في صَلاتِهِ الكَهَنوتيَّةِ: "كَما أَرسَلْتَني إِلى العالَمِ فَكَذٰلِكَ أَنا أَرسَلتُهُم إِلى العالَم" (يو 17: 18). وَبِهٰذا يُوَكِّلُ يَسوعُ تَلاميذَهُ نَشرَ بِشارَةِ الخَلاصِ في العالَمِ كُلِّهِ، لِيَكونوا شُهودًا لِقِيامَتِهِ وَأَدَواتٍ لِحُضورِهِ المُخَلِّصِ في التّاريخِ.

 

22 "قالَ هٰذا وَنَفَخَ فيهِم وَقالَ لَهُم: خُذُوا الرُّوحَ القُدُس".

 

تُشيرُ عِبارَةُ "قالَ هٰذا" إِلى أَنَّ ما سَيَتلوها يَحمِلُ عَمَلًا حاسِمًا في تَدبيرِ الخَلاصِ، جَرَى التَّمهيدُ لَهُ مُباشَرَةً مِن خِلالِ الإِرساليَّةِ الَّتي أَوكلَها المَسيحُ إِلى تَلاميذِهِ. فَبَعدَ أَنْ أَعلَنَ أَنَّهُ يُرسِلُهُم كَما أَرسَلَهُ الآبُ، يَمنَحُهُم الآنَ القُوَّةَ الضَّروريَّةَ لِإِتمامِ هٰذِهِ الرِّسالَةِ؛ فَلا رِسالَةَ بِلا رُوحٍ، وَلا شَهادَةَ بِلا قُوَّةٍ مِنَ العُلى.

 

أَمَّا عِبارَةُ "نَفَخَ فيهِم" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيِّ ἐνεφύσησεν(مِنَ الفِعل ἐμφυσάω) وَهُوَ فِعلٌ نادِرٌ في الكِتابِ المُقَدَّس، لا يظهر تقريبًا في العهد الجديد إلا هنا. يَحمِلُ دَلالَةً لاهوتيَّةً عَميقَةً، إنه إعلان الخلق الجديد، إِذ يُعيدُ القارِئَ مُباشَرَةً إِلى مَشهَدِ الخَلقِ الأَوَّلِ: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلٰهُ الإِنسانَ تُرابًا مِنَ الأَرضِ وَنَفَخَ في أَنفِهِ نَسَمَةَ حَياة" (تك 2: 7). فَكَما نَفَخَ اللهُ في آدَمَ الأَوَّلِ فَوَهَبَهُ الحَياةَ، هٰكَذا يَنفُخُ المَسيحُ القائِمُ في تَلاميذِهِ لِيُطلِقَ عَمَلَ الخَليقَةِ الجَديدَةِ. إِنَّها لَحظَةُ خَلقٍ جَديدٍ أَمامَ قِيامَةٍ حَقيقيَّةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ "الَّذي يُحيِي الأَمواتَ وَيَدعو إِلى الوُجودِ غَيرَ المَوجود" (رو 4: 17). فَكَما كانَت نَفخَةُ البِدايَةِ بَدايَةَ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ، أَصبَحَت نَفخَةُ المَسيحِ بَدايَةَ الحَياةِ الجَديدَةِ في الرُّوحِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَنْدَريُّ إِلى ذٰلِكَ قائلًا: "إِذ نَفَخَ في وُجوهِهِم، جَعَلَهُم شُرَكاءَ في طَبيعَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، وَأَعادَ في الإِنسانِ جَمالَ الصُّورَةِ الأُولى" (PG 74: 721). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس عَلَى هٰذِهِ النَّفخَةِ قائلًا: "لَم يَنفُخْ مِن خارِجِهِ، بَلْ مِن ذاتِهِ، لِيُظهِرَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَصدُرُ مِنهُ أَيضًا"PL 35: 1957)).  وَهُنا يَرَى آباءُ الكَنيسَةِ في النَّفخَةِ إِعلانًا لِسِرِّ الحَياةِ الثّالوثيَّةِ، وَلِلعَلاقَةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. وَكَما فِي الخَلقِ الأَوَّلِ نَالَ الإِنسانُ نَسَمَةَ الحَياةِ، هٰكَذا بِـنَفخَةِ المَسيحِ يَنالُ الإِنسانُ الحَياةَ الأَبديَّةَ. إِنَّها حَرَكَةُ خَلقٍ جَديدٍ وَتَدشينٌ لِعالَمٍ جَديدٍ، لِذٰلِكَ رَبَطَ الآباءُ بَينَ هٰذِهِ النَّفخَةِ وَبَينَ وَهِبَةِ سُلطانِ الحَلِّ وَالرَّبطِ (متى 16: 19)، لأَنَّ غُفرانَ الخَطايا نَفسَهُ يُعَدُّ إِعادَةَ خَلقٍ لِلإِنسانِ السّاقِطِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "خُذُوا الرُّوحَ القُدُس" λάβετε (فعل أمر جمع خذوا فعل قبول واستقبال. عطية الروح تتطلب انفتاحًا وقبولًا) فَتُشيرُ إِلى مَنْحِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُصَبِحُ قُوَّةَ الخَلاصِ وَأَساسَ الرِّسالَةِ الرَّسوليَّةِ. فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يُمكِّنُ التَّلاميذَ مِن أَنْ يَشهَدوا لِلمَسيحِ، كَما وَعَدَ يَسوعُ:"مَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآبِ، رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآبِ، فَهُوَ يَشهَدُ لي وَأَنتُم أَيضًا تَشهَدون" (يو 15: 26-27). وَيَرَى كَثيرٌ مِن آباءِ الكَنيسَةِ أَنَّ هٰذِهِ العَطيَّةَ الرُّوحيَّةَ الخاصَّةَ لِلتَّلاميذِ كانَت عُربونًا وَتَمهيدًا لِما سَيَتَحقَّقُ بِمِلئِهِ في يَومِ العُنصُرَةِ (أع 2). فَهُنا تُعطى العَطيَّةُ في شَكلٍ رَسوليٍّ خَدَميٍّ، أَمَّا هُناكَ فَتَظهَرُ بِصُورَةٍ كَنَسيَّةٍ شامِلَةٍ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير إِلى أَنَّ "الرُّوحَ أُعطِيَ هُنا سِرًّا، ثُمَّ أُعطِيَ هُناكَ جِهارًا" (PL 76: 1200).

 

أَمَّا عِبارَةُ "الرُّوحُ القُدُس" Πνεῦμα Ἅγιον (اسم + صفة) فَتُشيرُ إِلى رُوحِ اللهِ، الأُقنومِ الثّالِثِ في الثَّالوثِ الأَقدَسِ، واهب الحياة، والمقدِّس، والمجدِّد. وَسُمِّيَ رُوحًا لأَنَّهُ وَاهِبُ الحَياةِ، وَقُدُّوسًا لأَنَّهُ يُقَدِّسُ المُؤمِنينَ وَيُطَهِّرُهُم. إِنَّهُ يُحيِي المائتينَ بِالخَطايا وَالآثامِ، وَيُؤَهِّلُهُم لِمَجدِ اللهِ، كَما اختَبَرَ بولُسُ الرَّسولُ: "شَريعَةُ الرُّوحِ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ في يَسوعَ المَسيحِ قَد حَرَّرَتْني مِن شَريعَةِ الخَطيئَةِ وَالمَوت" (رو 8: 2). وَلَم تَصِلْ نِعمَةُ الرُّوحِ القُدُسِ إِلى البَشَرِ فَقَط، بَلْ إِلى الخَليقَةِ كُلِّها، كَما يَقولُ صاحِبُ المَزامير: "تُرسِلُ رُوحَكَ فَيُخلَقونَ وَتُجَدِّدُ وَجهَ الأَرض" (مز 104: 30). فَالمَسيحُ القائِمُ بِهٰذِهِ النَّفخَةِ لا يُعطي رُسُلَهُ قُوَّةً رُوحيَّةً فَحَسب، بَلْ يَفتَتِحُ زَمَنَ الخَليقَةِ الجَديدَةِ الَّذي يَتَجَدَّدُ فيه الإِنسانُ وَالعالَمُ كُلُّهُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ.

 

23 "مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم، وَمَن أَمسَكتُم عَلَيهِم الغُفرانَ يُمسَكُ عَلَيهِم".

 

أَمَّا عِبارَةُ "مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهُم تُغفَرُ لَهُم" فَيَرِدُ فيها الفِعلُ اليُونانيُّ ἀφῆτε، وَهُوَ مِنَ الفِعل ἀφίημι الَّذي يَعني: غَفَرَ، أَطلَقَ، حَرَّرَ، تَرَكَ الدَّينَ، فَكَّ القُيودَ، سَامَحَ. وَلا يَحمِلُ المَعنى هُنا مُجرَّدَ العَفوِ القَضائيِّ، بَلْ يُشيرُ إِلى فِعلِ تَحريرٍ وَإِطلاقٍ مِن عُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ. فَالمَغفِرَةُ في اللّاهوتِ اليوحنّيِّ لَيْسَت إِعلانًا قانُونِيًّا بِإِسقاطِ الذَّنبِ فَحَسب، بَلْ هِيَ إِعادَةُ خَلقِ الإِنسانِ وَإِدخالُهُ في حَياةٍ جَديدَةٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَهٰذا يَرتَبِطُ بِسِياقِ النَّصِّ نَفسِهِ، فَبَعدَ أَنْ نَفَخَ المَسيحُ القائِمُ في تَلاميذِهِ الرُّوحَ القُدُسَ، مَنَحَهُم سُلطانَ المُصالَحَةِ. فَكَما أَنَّ نَفخَةَ اللهِ في آدَمَ أَوجَدَتِ الخَليقَةَ الأُولى، هٰكَذا تُعيدُ نِعمَةُ المَغفِرَةِ خَلقَ الإِنسانِ السّاقِطِ. إِنَّ المَسيحَ القائِمَ، بَعدَ أَنْ أَتمَّ عَمَلَ الفِداءِ، أَشرَكَ رُسُلَهُ في خِدمَةِ المُصالَحَةِ، فَجَعَلَهُم أَدَواتٍ لِنَقلِ رَحمَةِ اللهِ إِلى العالَمِ. فَالرَّبُّ لا يَحتَفِظُ بِعَمَلِ المُصالَحَةِ لِنَفسِهِ وَحدَهُ، بَلْ يُودِعُهُ في كَنيسَتِهِ، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "وَأَعْطانا خِدمَةَ المُصالَحَة" (2 قور 5: 18). فَالكَنيسَةُ لَيْسَت جَماعَةَ مُشاهِدينَ لِعَمَلِ الخَلاصِ، بَلْ جَماعَةً تَحمِلُ وَتُمارِسُ سِرَّ الرَّحمَةِ الإِلٰهيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم بِدَهشَةٍ عَلَى هٰذا السُّلطانِ قائلًا: "إِنَّ الَّذينَ يَسكُنونَ الأَرضَ أُعطُوا سُلطانًا يَخصُّ الأُمورَ السَّماويَّةَ؛ فَلَم يُعطَ لِلمَلائِكَةِ وَلا لِرُؤَساءِ المَلائِكَةِ ما أُعطِيَ لِلكَهَنَةِ" (PG 48: 643). وَيُريدُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنْ يُظهِرَ عَظَمَةَ سِرِّ المُصالَحَةِ الَّذي يَمتَدُّ أَثَرُهُ مِنَ الأَرضِ إِلى السَّماءِ. وَيُشيرُ البابا فرنسيس إِلى البُعدِ الرُّوحيِّ لِهٰذِهِ العَطيَّةِ قائِلًا: "لَيْسَت مُغفِرَةُ خَطايانا أَمرًا نُعطيهِ لِأَنفُسِنا، بَلْ هِيَ عَطيَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ المُتَدَفِّقَةُ مِن قَلبِ المَسيحِ المَصلوبِ وَالقائِمِ". وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ الغُفرانَ لَيْسَ عَمَلًا إِنسانِيًّا مَحضًا، بَلْ فِعلُ نِعمَةٍ وَخَلاصٍ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "خَطاياهُم" فَتَرِدُ في اليُونانيَّةِ ἁμαρτίας، وَأَصلُها اللُّغويُّ يَعني: الإِخفاقَ في إِصابَةِ الهَدَفِ أَو الانحِرافَ عَنِ الغايَةِ. وَبِذٰلِكَ لا تُفهَمُ الخَطيئَةُ كَمُجرَّدِ مُخالَفَةٍ لِقانونٍ أَو تَعَدٍّ خارِجيٍّ، بَلْ كَاِنحِرافِ الإِنسانِ عَن غايَتِهِ الحَقيقيَّةِ الَّتي تَكمُنُ في اللهِ. فَالخَطيئَةُ هِيَ أَنْ يُخطِئَ الإِنسانُ وَجهَتَهُ، وَأَنْ يَبتَعِدَ عَن شَرِكَتِهِ مَعَ خالِقِهِ؛ أَمَّا المَغفِرَةُ فَهِيَ إِعادَتُهُ إِلى هٰذِهِ الغايَةِ وَإِلى مَسارِ الحَياةِ الجَديدَةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَمَن أَمسَكتُم عَلَيهِم الغُفرانَ يُمسَكُ عَلَيهِم" κρατῆτε (فعل مضارع " أمسك"، احتفظ لا يعني الانتقام أو الحجب الاعتباطي، بل التمييز الرعوي المرتبط بالتوبة).  َفلا تُشيرُ إِلى سُلطانٍ تَحَكُّميٍّ أَو إِدانِيٍّ، بَلْ إِلى مَسؤوليَّةِ التَّمييزِ الرُّوحيِّ. فَالغُفرانُ الإِلٰهيُّ مُعَدٌّ لِلجَميعِ، لٰكِنَّ ثِمارَهُ تَرتَبِطُ بِقُبولِ الإِنسانِ وَتَوبَتِهِ. فَالسُّؤالُ الأَساسِيُّ لَيْسَ: هَل يُريدُ اللهُ أَنْ يَغفِر؟ بَلْ: هَل الإِنسانُ مُستَعِدٌّ لِقَبولِ الرَّحمَةِ؟ وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَنْدَريُّ إِلى أَنَّ الرُّسُلَ "لَم يُمنَحوا سُلطانًا لِلدَّينونَةِ بِحَسَبِ أَهوائِهِم، بَلْ لِخِدمَةِ الحَقِّ وَالتَّمييزِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ" (PG 74: 728). وَيَنبَعُ سِرُّ التَّوبَةِ وَالمُصالَحَةِ مُباشَرَةً مِنَ السِّرِّ الفِصحيِّ. فَسُلطانُ الحَلِّ وَالرَّبطِ الَّذي وَعَدَ بِهِ يَسوعُ مِن قَبلُ: "ما رَبَطتُم في الأَرضِ رُبِطَ في السَّماءِ، وَما حَلَلتُم في الأَرضِ حُلَّ في السَّماءِ" (متى 18: 18)، يَجِدُ هُنا تَحقُّقَهُ الكامِلَ في القِيامَةِ وَفي وَهبَةِ الرُّوحِ القُدُسِ. فَغُفرانُ الخَطايا هُوَ ثَمَرَةُ الصَّليبِ وَالقِيامَةِ، لا مُجرَّدُ إِعلانٍ بَشَريٍّ. وَفي التَّقليدِ الكاثوليكيِّ، رَأَتِ الكَنيسَةُ في هٰذِهِ الكَلِماتِ أَساسَ سِرِّ التَّوبَةِ وَخِدمَةِ الكَهَنوتِ الرَّسوليِّ، إِذ أُعطِيَ الرُّسُلُ وَخُلَفاؤُهُم سُلطانَ العَمَلِ بِاسمِ المَسيحِ. فَالكاهِنُ في سِرِّ المُصالَحَةِ لا يَعمَلُ بِسُلطانِهِ الشَّخصيِّ، بَلْ بِشَخصِ المَسيحِ الرَّأس (in persona Christi). وَيُعَلِّمُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الكَنيسَةُ نالَت مَفاتيحَ المَلَكوتِ لِكَي يَتِمَّ فيها غُفرانُ الخَطايا بِدَمِ المَسيحِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ" (PL 38: 1348). وَفي الوَقتِ نَفسِهِ، فَإِنَّ الكاهِنَ لا يُمَثِّلُ المَسيحَ فَحَسب، بَلْ يُمَثِّلُ أَيضًا الجَماعَةَ الكَنَسيَّةَ الَّتي تَحمِلُ أَوجاعَ أَبنائِها وَتُرافِقُهُم في مَسيرَةِ التَّوبَةِ وَالنُّضوجِ الرُّوحيِّ. وَعِندَما يَعودُ الخاطِئُ بِقَلبٍ مُنسَحِقٍ، تَفرَحُ السَّماءُ وَالكَنيسَةُ مَعًا، كَما فَرِحَ الأَبُ بِعَودَةِ ابنِهِ الضَّالِّ (لو 15: 11-32). لِذٰلِكَ تُشيرُ هٰذِهِ الآيَةُ إِلى عَطيَّةٍ رَسوليَّةٍ مُمَيَّزَةٍ وَمُرتَبِطَةٍ بِوَهبَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، أَي عَطيَّةِ الكَهَنوتِ الخِدميِّ وَسُلطانِ مُغفِرَةِ الخَطايا. فَالَّذي بَدَأَ بِنَفخَةِ الخَلقِ الجَديدِ يَبلُغُ كَمالَهُ هُنا بِإِعادَةِ خَلقِ الإِنسانِ مِن خِلالِ غُفرانِ الخَطايا وَالمُصالَحَةِ مَعَ اللهِ.

 

 

ثانِيًا: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ

بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ (يوحنّا 20: 19-23)، يَتَبَيَّنُ أَنَّ مِحوَرَهُ الرَّئيسِيَّ يَدورُ حَولَ عَطِيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ وَدَورِهِ في رِسالَةِ الرُّسُلِ وَسُلطانِهِم لِمُغفِرَةِ الخَطايا.

 

1. الرُّوحُ القُدُسُ لِلرِّسالَةِ

 

إِنَّ الرِّسالَةَ الَّتي أَوكَلَها يَسوعُ إِلى تَلاميذِهِ لَيْسَت رِسالَةً ثانَوِيَّةً أَو مُنفَصِلَةً عَن رِسالَتِهِ هُوَ، بَلْ هِيَ اِمتِدادٌ لِرِسالَةِ الابنِ نَفسِهِ الَّذي أَرسَلَهُ الآبُ لِخَلاصِ العالَمِ، كَما يُصَرِّحُ قائِلًا: "كَما أَرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أَنا أَيضًا" (يو 20: 21). فَقَد أَعطى يَسوعُ تَلاميذَهُ مُهِمَّةَ الذَّهابِ إِلى العالَمِ وَنَقلِ كَلِمَةِ اللهِ وَبُشرى القِيامَةِ، وَكَأنَّهُ يَفتَتِحُ بِهِم بِدايَةَ خَليقَةٍ جَديدَةٍ لِعالَمٍ جَديدٍ. فَهُم مُرسَلونَ مِنهُ كَما أَنَّهُ هُوَ مُرسَلٌ مِنَ الآبِ. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، لا تُوجَدُ إِلَّا رِسالَةٌ واحِدَةٌ مِنَ السَّماءِ إِلى الأَرضِ، وَهِيَ رِسالَةُ يَسوعَ المَسيحِ؛ وَما رِسالَةُ التَّلاميذِ إِلَّا اِشتِراكٌ في هٰذِهِ الرِّسالَةِ وَامتِدادٌ لَها. فَقَد وُلِدَت مِن حَدَثِ الفِصحِ، وَتَجَذَّرَت في قَلبِ رِسالَةِ يَسوعَ نَفسِها، كَما يَظهَرُ في صَلاتِهِ الكَهَنوتيَّةِ: "كَما أَرسَلْتَني إِلى العالَمِ فَكَذٰلِكَ أَنا أَرسَلتُهُم إِلى العالَم" (يو 17: 18).

 

وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَنْدَريُّ قائلًا: "لَم يَجعَلِ المَسيحُ تَلاميذَهُ مُرسَلينَ مِن أَنفُسِهِم، بَلْ أَدخَلَهُم في عَمَلِهِ الخَلاصيِّ نَفسِهِ" (PG 74: 709).  وَيُعبِّرُ أَحَدُ مُفَسِّري الكِتابِ المُقَدَّسِ بِصُورَةٍ بَلاغِيَّةٍ عَميقَةٍ: "إِنَّ المَسيحَ يَقولُ لِتَلاميذِهِ: اُخرُجوا مِنّي كَخُروجِ الشُّعاعِ مِنَ الشَّمسِ، وَكَخُروجِ النَّهرِ مِنَ النَّبعِ، وَكَما أَنِّي أُذيعُ اسمَ الآبِ، هٰكَذا أَذيعوا أَنتُم اسمي".

 

لٰكِن كَيفَ يَستَطيعُ الرُّسُلُ أَنْ يَقوموا بِهٰذِهِ الرِّسالَةِ الَّتي تَفوقُ القُدرَةَ البَشَرِيَّةَ دُونَ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ؟ إِنَّ الرُّسُلَ لَم يَعتَمِدوا عَلَى طاقاتِهِم وَقُدُراتِهِم الذّاتِيَّةِ، بَلْ عَلَى قُوَّةِ الرُّوحِ الَّذي وَهَبَهُم المَسيحُ. فَهُوَ رُوحُ اللهِ، الأُقنومُ الثّالِثُ مِنَ الثَّالوثِ الأَقدَسِ، وَهُوَ المُؤَيِّدُ وَالمُدافِعُ وَالمُعَزِّي وَالشَّفيعُ، وَهُوَ الَّذي يَقودُ تَدبيرَ الخَلاصِ نَحوَ كَمالِهِ.

 

وَمُنذُ أَوَّلِ ظُهورٍ لِلمَسيحِ القائِمِ يَومَ القِيامَةِ، مَنَحَ تَلاميذَهُ الرُّوحَ القُدُسَ، لأَنَّ الَّذينَ أُرسِلوا لِلشَّهادَةِ يَحتاجونَ إِلى قُوَّةِ الرُّوحِ عَينِهِ الَّذي عَمِلَ في يَسوعَ. لِذٰلِكَ "نَفَخَ فيهِم وَقالَ لَهُم: خُذُوا الرُّوحَ القُدُس" (يو 20: 22). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس قائلًا: "أَعطاهُم الرُّوحَ بِالنَّفخِ، لِكَي يَعلَموا أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ رُوحُ الآبِ وَالابنِ مَعًا" (PL 35: 1957).

 

وَيَبدو أَنَّ عَطاءَ الرُّوحِ هُنا يَستَبِقُ العُنصُرَةَ، وَيُمَهِّدُ لِما سَيَتَحقَّقُ في اليَومِ الخَمسينَ بَعدَ القِيامَةِ، حَيْثُ أُعطِيَ الرُّوحُ القُدُسُ لِلكنيسَةِ وَالبَشَرِيَّةِ كُلِّها كَعَهدٍ جَديدٍ وَشَريعَةٍ جَديدَةٍ.

 

وَقَد أَعطى يَسوعُ الرُّوحَ القُدُسَ بِالنَّفخِ لا بِوَضعِ الأَيادي (أع 8: 17)، وَهٰذِهِ الحَرَكَةُ تَحمِلُ رَمزِيَّةً غَنِيَّةً؛ فَهِيَ تُعيدُ إِلى الذِّهنِ نَسَمَةَ الحَياةِ الَّتي نَفَخَها اللهُ في آدَمَ الأَوَّلِ (تك 2: 7)، وَتُشيرُ أَيضًا إِلى نُبوءَةِ حِزقيالَ عَن خَلقِ شَعبٍ جَديدٍ يَحيا بِرُوحِ اللهِ (حز 37). وَقَد تَحَقَّقَ هٰذا الوَعدُ في الفِصحِ، إِذ صارَ الرُّوحُ القُدُسُ مَبدأَ الحَياةِ لِلخَليقَةِ الجَديدَةِ.

 

وَمِنَ اللافِتِ أَنَّ يوحنّا الإِنجيليَّ بَدَأَ إِنجيلَهُ بِإِشارَةٍ إِلى الخَليقَةِ الأُولى: "في البَدءِ كانَ الكَلِمَةُ" (يو 1: 1)، وَيَختِمُهُ هُنا بِالإِشارَةِ إِلى الخَليقَةِ الجَديدَةِ الَّتي وُلِدَت بِآلامِ المَسيحِ وَمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ.

 

إِنَّ تَحقُّقَ وَعدِ يَسوعَ بِإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ يُؤَمِّنُ حُضورَهُ الدَّائِمَ في كَنيسَتِهِ، فَالرُّوحُ يَقودُ المُؤمِنينَ إِلى الحَقِّ كُلِّهِ، وَيُتمِّمُ ما بَدَأَهُ المَسيحُ. وَبِفِعلِ هٰذا الرُّوحِ تَحوَّلَت جَماعَةُ التَّلاميذِ الخائِفَةِ إِلى كَنيسَةٍ شاهِدَةٍ وَمُبَشِّرَةٍ. وَيَقولُ القِدِّيسُ إيريناوس: "حَيْثُ تَكونُ الكَنيسَةُ هُناكَ يَكونُ رُوحُ اللهِ، وَحَيْثُ يَكونُ رُوحُ اللهِ هُناكَ الكَنيسَةُ وَكُلُّ نِعمَةٍ" (PG 7: 966).

 

وَنَستَنتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ يَسوعَ وَهَبَ تَلاميذَهُ نَفخَةَ الرُّوحِ القُدُسِ لِيُقيمَ فيهِم الإِنسانَ الجَديدَ، وَيُؤَهِّلَهُم لِلخِدمَةِ الرَّسوليَّةِ. َهٰذِهِ الرِّسالَةُ غايَتُها أَنْ يَعمَلَ التَّلاميذُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ، لِيَتمتَّعَ العالَمُ بِالخَليقَةِ الجَديدَةِ وَالحَياةِ الجَديدَةِ الَّتي نالَها لَنا المَسيحُ بِقِيامَتِهِ.

 

إِنَّنا اليَومَ أَيضًا بِحاجَةٍ دائِمَةٍ إِلى قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ لِكَي يَتَجَدَّدَ كِيانُنا الدَّاخِلِيُّ تَجَدُّدًا جِذريًّا، وَتَتحَوَّلَ حَياتُنا كَما تَحَوَّلَت حَياةُ الرُّسُلِ يَومَ العُنصُرَةِ؛ فَبِدونِ الرُّوحِ يَبقى الإِنسانُ مُنغَلِقًا عَلَى ذاتِهِ، أَمَّا مَعَ الرُّوحِ فَيَخرُجُ نَحوَ اللهِ وَالإِخوَةِ وَالعالَمِ بِالمَحبَّةِ وَالغُفرانِ وَالسَّلامِ.

 

2. الرِّسالَةُ لِمُغفِرَةِ الخَطايا

 

إِنَّ المَضمونَ الجَوهريَّ لِلرِّسالَةِ الَّتي يُبَرِزُها يوحنّا الإِنجيليُّ في إِنجيلِهِ هُوَ رِسالَةُ المَغفِرَةِ بِلا حُدودٍ. فَهٰذِهِ المَغفِرَةُ كُشِفَت بِأَكمَلِ صُوَرِها عَلَى الصَّليبِ، وَأَصبَحَتِ الطَّريقَ الوَحيدَ لِلتَّغلُّبِ عَلَى الشَّرِّ وَالخَطيئَةِ. فَاللهُ لا يَقِفُ أَمامَ شَرِّ الإِنسانِ لِيُدينَهُ أَو يُعاقِبَهُ، بَلْ لِيُخَلِّصَهُ وَيُعيدَهُ إِلى شَرِكَتِهِ، كَما يُؤَكِّدُ يوحنّا الرَّسولُ: "فَإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَم"(يو 3: 17).

 

وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، تُصبِحُ المَغفِرَةُ الإِعلانَ الأَكبَرَ لِمَلَكوتِ اللهِ؛ فَرِسالَةُ التَّلاميذِ المُشارِكينَ في رِسالَةِ المَسيحِ هِيَ رِسالَةُ الغُفرانِ، وَبِالتَّالي رِسالَةُ الرَّجاءِ وَالأَمَلِ. هٰذِهِ السُّلطَةُ أَعطاها يَسوعُ لِتَلاميذِهِ.

 

فَكَما أَرسَلَ الآبُ ابنَهُ يَسوعَ وَمَلأَهُ مِن رُوحِهِ، هٰكَذا أَرسَلَ يَسوعُ بِدَورِهِ تَلاميذَهُ وَمَنَحَهُم الرُّوحَ القُدُسَ، أَي قُدرَةَ الآبِ وَسُلطانَهُ الإِلٰهيَّ عَلَى وَهبِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ لِلنّاسِ مِن خِلالِ غُفرانِ خَطاياهِم وَمُصالَحَتِهِم مَعَ اللهِ. وَلهٰذا أُرسِلوا "لِيُعلِنوا بِاسمِهِ التَّوبَةَ وَغُفرانَ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم"(لو 24: 47).

 

وَالمَفعولُ الأَوَّلُ لِعَطيَّةِ الرُّوحِ هُوَ غُفرانُ الخَطايا، كَما صَرَّحَ يَسوعُ: "خُذُوا الرُّوحَ القُدُس، مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم" (يو 20: 22-23). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ألريد دو ريلفو: "إِنَّ الرُّوحَ أُعطِيَ لِلتَّلاميذِ قَبلَ الصُّعودِ، لٰكِنَّ قُوَّتَهُ لَم تَظهَرْ بِمِلئِها إِلَّا يَومَ العُنصُرَةِ؛ فَبَعدَ أَنْ كانوا مُختَبِئينَ مِنَ الخَوفِ، صاروا يُمجِّدونَ اللهَ بِجُرأَةٍ وَقُوَّةٍ" (عظة حول العنصرة).

 

وَقَد أَعطى يَسوعُ رُسُلَهُ سُلطانَ مُغفِرَةِ الخَطايا لأَنَّهُ قَدَّمَ نَفسَهُ ذَبيحَةً عَن خَطايا العالَمِ. فَهُوَ "حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يو 1: 29)، وَهُوَ أَيضًا "كَفَّارَةٌ لِخَطايانا لا لِخَطايانا وَحدَها بَلْ لِخَطايا العالَمِ أَجمَع" (1 يو 2: 2). وَبِدَمِهِ نَتَطَهَّرُ وَنَغتَسِلُ مِن خَطايانا (1 يو 1: 7)، وَكَما يُؤَكِّدُ بولُسُ الرَّسولُ: "لَنا فيهِ الفِداءُ وَغُفرانُ الخَطايا" (كو 1: 14).

 

وَبِقُوَّةِ هٰذا الرُّوحِ أَعطى يَسوعُ تَلاميذَهُ سُلطانًا يَفوقُ كُلَّ سُلطانٍ بَشَريٍّ: "خُذُوا الرُّوحَ القُدُس… مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم" (يو 20: 22-23). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس: "إِنَّ الخَطايا تُغفَرُ بِالرُّوحِ القُدُسِ؛ أَمَّا البَشَرُ فَيُمارِسونَ خِدمَتَهُم لا بِسُلطانِهِم الخَاصِّ، بَلْ بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ" (De Spiritu Sancto III, 18, 137).

 

وَمِن هُنا جاءَت مُناشَدَةُ القِدِّيسِ قبريانوس: "أَطلُبُ إِلَيكُم أَيُّها الأَحبّاءُ أَنْ تَعتَرِفوا بِخَطاياكُم ما دُمتُم في الحَياةِ الحاضِرَةِ، حَيْثُ إِنَّ الصَّفحَ المَمْنوحَ بِخِدمَةِ الكَهَنَةِ مَقبولٌ وَمَرضِيٌّ عِندَ اللهِ" (في الساقطين، 29).

 

إِنَّ خِدمَةَ الكاهِنِ في الكَنيسَةِ لِمُغفِرَةِ الخَطايا هِيَ عَطيَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ. فَالكاهِنُ لا يَغفِرُ بِاسمِهِ الشَّخصيِّ، بَلْ بِاسمِ المَسيحِ وَبِسُلطانِ الكَنيسَةِ. وَيُوضِّحُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الفَرقَ بَينَ كُهنوتِ العَهدِ القَديمِ وَكُهنوتِ العَهدِ الجَديدِ قائلًا: "كانَ لِكَهَنَةِ اليَهودِ سُلطانُ إِعلانِ الطَّهارَةِ، أَمَّا كَهَنَتُنا فَقَد نالوا سُلطانَ التَّطهيرِ نَفسِهِ" PG 48: 644)).

 

وَقَد باشَرَ الرُّسُلُ هٰذِهِ الخِدمَةَ مُنذُ بِدايَةِ الكَنيسَةِ؛ فَبُطرُسُ دَعا إِلى التَّوبَةِ قائلًا: "توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يَسوعَ المَسيحِ لِغُفرانِ خَطاياكُم، فَتَنالوا عَطيَّةَ الرُّوحِ القُدُس" (أع 2: 38)، وَأَعلَنَ أَيضًا: "وَهُوَ الَّذي رَفَعَهُ اللهُ بِيَمينِهِ… لِيَهَبَ لِإِسرائيلَ التَّوبَةَ وَغُفرانَ الخَطايا" (أع 5: 31). وَكَذٰلِكَ بَشَّرَ بولُسُ: "اِعلَموا أَيُّها الإِخوَةُ أَنَّكُم عَن يَدِهِ تُبَشَّرونَ بِغُفرانِ الخَطايا" (أع 13: 38).

 

وَنَستَنتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُحَقِّقُ وَحدَةَ الإِنسانِ الدَّاخِلِيَّةَ، فَلا يَبقى الإِنسانُ مُنقَسِمًا بَينَ ما يُؤمِنُ بِهِ وَما يَفعَلُهُ، بَلْ يُصبِحُ إِنسانًا جَديدًا مُتصالِحًا مَعَ ذاتِهِ وَمَعَ الآخَرِ وَمَعَ اللهِ. وَبِقُوَّةِ الرُّوحِ يَتحَرَّرُ مِن سَلاسِلِ الحِقدِ وَالانغِلاقِ وَعُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ، فَتُصبِحُ حَياتُهُ نَشيدَ شُكرٍ للهِ. فَهَل نُدرِكُ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَعمَلُ فينا أَيضًا، وَيُبَكِّتُنا عَلَى كُلِّ خَطيئَةٍ، لا لِيُدينَنا، بَلْ لِيَغفِرَها وَيُجَدِّدَنا؟

 

 

الخُلاصَة

 

يُعيدُنا إِنجيلُ يوحنّا الإِنجيليُّ (يوحنّا 20: 19-23) إِلى أَمسيَّةِ عِيدِ الفِصحِ، حَيْثُ يَزورُ يَسوعُ القائِمُ مِن بَينِ الأَمواتِ تَلاميذَهُ المُجتَمِعينَ في العُلِّيَّةِ، وَهُم مُثقَلونَ بِالخَوفِ وَالاضطِرابِ، فَيُحوِّلُ خَوفَهُم سَلامًا، وَضَعفَهُم قُوَّةً، وَانغِلاقَهُم رِسالَةً. فَهُوَ لا يَكتَفي بِإِظهارِ ذاتِهِ لَهُم، بَلْ يَمنَحُهُم أَعظَمَ عَطيَّةٍ: رُوحَهُ القُدُس، أَي الحَياةَ الجَديدَةَ الَّتي تَلَقّاها مِنَ الآبِ، لِيُرسِلَهُم إِلى العالَمِ شُهودًا لِقِيامَتِهِ وَحَمَلَةً لِبُشرى الخَلاصِ وَالغُفرانِ. فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ قَلبُ الحَياةِ الجَديدَةِ، وَمَنبَعُ قُوَّةِ الرُّسُلِ وَالمُبَشِّرينَ وَالشُّهودِ.

 

وَمِن هُنا، فَرِسالَةُ الكَنيسَةِ لَيْسَت مُنفَصِلَةً عَن رِسالَةِ المَسيحِ، بَلْ هِيَ اِمتِدادٌ لَها وَتَحقِيقٌ لَها في التّاريخِ. فَكَما قالَ يَسوعُ: "كَما أَرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أَنا أَيضًا"(يو 20: 21)، هٰكَذا أَرسَلَ الرَّبُّ رُسُلَهُ وَمَلأَهُم مِن رُوحِهِ، لِيُحقِّقوا في العالَمِ عَمَلَ الخَلقِ الجَديدِ الَّذي يَتَجَلّى في غُفرانِ الخَطايا وَالمُصالَحَةِ وَالسَّلامِ.

 

إِنَّ زَمَنَ العُنصُرَةِ هُوَ زَمَنُ الكَنيسَةِ المُبَشِّرَةِ الَّتي تُواصِلُ في مَسيرَتِها التّاريخيَّةِ عَمَلَ مُؤَسِّسِها وَسَيِّدِها المُخَلِّصِ؛ إِنَّهُ زَمَنُ الرُّسُلِ المُرسَلينَ لِيُعلِنوا إِنجيلَ الرَّبِّ القائِمِ، وَيَدعوا البَشَرِيَّةَ إِلى التَّوبَةِ وَالعَودَةِ إِلى اللهِ، لأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَزالُ يَعمَلُ في العالَمِ وَيَقودُ التّاريخَ نَحوَ مِلءِ الخَلاصِ.

 

وَيَقولُ القِدِّيسُ إيريناوس: "كَما أَنَّ اللهَ نَفَخَ رُوحَهُ في الجَسَدِ الَّذي كَوَّنَهُ، وَمَنَحَ الحَياةَ لِجَميعِ أَعضائِهِ، هٰكَذا أَعطى الرُّوحَ لِلكنيسَةِ. وَهٰذا الرُّوحُ الَّذي تَسَلَّمَتهُ الكَنيسَةُ وَأُعطِيَ لَها وَنُفِخَ فيها، هُوَ المَبدَأُ الحَيُّ لِلاتِّحادِ الصَّميمِ بِالمَسيحِ؛ هُوَ ثَباتُ إِيمانِنا، وَالسُّلَّمُ الَّذي بِهِ نَرتَقي إِلى الآب... فَحَيْثُ الكَنيسَةُ هُناكَ رُوحُ اللهِ، وَحَيْثُ رُوحُ اللهِ هُناكَ الكَنيسَةُ وَكُلُّ نِعمَةٍ"(PG 7: 966).

 

وَقَد عَبَّرَ البابا القدّيسُ يوحنّا الثّالثُ والعِشرون عَن هٰذا التَّوَقِ المُتَجَدِّدِ إِلى عُنصُرَةٍ جَديدَةٍ لِلكنيسَةِ، فَعِندَما أَعلَنَ دَعوَتَهُ لِعَقدِ المَجمَعِ الفاتيكانيِّ الثّاني قال: "كَما فَتَحتُ الآنَ النّافِذَةَ فَدَخَلَ هَواءٌ نَقِيٌّ إِلى الغُرفَةِ، هٰكَذا أُريدُ أَنْ أَفتَحَ نَوافِذَ الكَنيسَةِ لِيَدخُلَ إِلَيها هَواءُ عُنصُرَةٍ جَديدَةٍ، فَيُنعِشَها وَيَملأَها مِن رُوحِ اللهِ المُحيي".

 

فَلنَفتَحْ قُلوبَنا وَعُقولَنا لِلرُّوحِ القُدُسِ، لِيُجَدِّدَنا وَيُحيِيَنا وَيُخرِجَنا مِن خَوفِ العُلِّيَّةِ إِلى جُرأَةِ الشَّهادَةِ، وَمِن انغِلاقِ الذّاتِ إِلى رِحابِ الرِّسالَةِ. وَلنَجعَلْ صَرختَنا صَرخةَ القِدِّيسِ لويس غونزاغا: " خُلِقتُ للهِ، وَلا أُريدُ غَيرَ اللهِ بَديلًا".

 

 

دُعاء

 

أَيُّها الرُّوحُ القُدُسُ، يا مَنْ أَضرَمْتَ قُلوبَ الرُّسُلِ بِنارِ مَحبَّتِكَ، وَحَوَّلْتَ خَوفَهُم جُرأَةً وَضَعفَهُم قُوَّةً، جَدِّدْ وَجهَ كَنيسَتِكَ الَّتي أَولَيْتَها سُلطانَ المُصالَحَةِ وَمُغفِرَةِ الخَطايا، لِكَي تَعضُدَ ضَعفَنا وَتُحَرِّرَنا مِن عُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ وَمِن رُوحِ البَلبَلَةِ وَالتَّشَتُّتِ.

 

اخلُقْ فينا يا رَبّ قَلبًا جَديدًا، وَاجعَلْ في داخِلِنا رُوحًا مُستَقيمًا، وَقَدِّسْنا بِنِعْمَتِكَ، لِكَي لا نَعودَ نَتَكَلَّمُ إِلَّا لُغَةَ مَحبَّتِكَ وَغُفرانِكَ وَسَلامِكَ. اجعَلْنا وَجهَ المَسيحِ الرَّحيمِ في العالَمِ، وَأَدَواتٍ لِرَحمَتِكَ وَمُصالَحَتِكَ، حَتّى يَرى النّاسُ فينا حُضورَكَ المُخَلِّصَ. لَكَ المَجدُ وَالتَّسبيحُ مَعَ الآبِ وَالابنِ إِلى دَهرِ الدُّهور. آمين.

 

 

قِصَّةٌ وَعِبرَةٌ: مَغفِرَةُ الخَطايا

 

بَلَغَتِ السّاعَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ لَيلًا، وَكانَ الأَبُ أومالي يَنظُرُ مِن نافِذَتِهِ إِلى العاصِفَةِ الهَوجاءِ. وَبَينَما كانَ يَستَعِدُّ لِلرّاحَةِ بَعدَ يَومٍ مُتعِبٍ، رَنَّ جَرَسُ الهاتِفِ. كانَ الاتِّصالُ مِنَ المُستَشفى: "تَعالَ بِسُرعَةٍ يا أبتِ، هُناكَ رَجُلٌ يَحتَضِرُ وَيَحتاجُ إِلى كاهِن".

 

رَغْمَ العاصِفَةِ وَخُطورَةِ الطَّريقِ، خَرَجَ الأَبُ أومالي وَسَطَ الأَمطارِ وَالرِّياحِ، قاطِعًا مَسافَةً طَويلَةً وَصَلَ بَعدَها إِلى المُستَشفى مُنهَكًا. دَخَلَ غُرفَةَ المَريضِ "توم"، لٰكِنَّ الرَّجُلَ فَتَحَ عَينَيهِ وَقالَ بِغَضَبٍ: "دَعْني وَشَأني! لا أُريدُ أَنْ أَراكَ".

 

لَم يَستَسلِمِ الكاهِنُ، بَلْ جَلَسَ بِجانِبِهِ يُصَلّي بِهُدوءٍ. مَرَّ الوَقتُ، وَبَعدَ ساعاتٍ مِنَ الصَّمتِ وَالانْتِظارِ، بَدَأَ الرَّجُلُ يَتكَلَّمُ. قالَ: "مُنذُ أَكثَرَ مِن ثَلاثينَ سَنَةً كُنتُ أَعمَلُ في سِكَّةِ الحَديدِ. في لَيلَةِ عاصِفَةٍ، وَأَنا تَحتَ تَأثيرِ الكُحولِ، غَيَّرتُ مَسارَ القِطارِ بِالخَطَأ. فَوَقَعَ اصطِدامٌ قَتَلَ أُسرَةً كامِلَةً: أَبًا وَأُمًّا وَابنَتَيهِما. وَمُنذُ ذٰلِكَ اليَومِ لَم أَغفِرْ لِنَفسي، وَأَنا مُتَأَكِّدٌ أَنَّ اللهَ لَنْ يَغفِرَ لي".

 

بَكى الرَّجُلُ مُنهارًا، وَبَعْدَ صَمْتٍ طَويلٍ قالَ الكاهِنُ بِصَوتٍ مُرتَجِفٍ: "اِطلُبْ مِنَ اللهِ المَغفِرَةَ يا توم".

 

ثُمَّ سَكَتَ لَحظاتٍ وَقالَ: "تَعلَمُ يا توم... كانَ لِتِلكَ العائِلَةِ صَبِيٌّ صَغيرٌ بَقِيَ في البَيتِ تِلكَ اللَّيلَةَ... ذٰلِكَ الصَّبِيُّ كُنتُ أَنا".

 

حاوَلَ الرَّجُلُ أَنْ يَنهَضَ مِن هَولِ المُفاجَأَةِ، لٰكِنَّهُ لَم يَستَطِع. فَاِنحَنى الأَبُ أومالي وَهَمَسَ في أُذُنِهِ: "أَنا أَغفِرُ لَكَ يا توم... وَالمَسيحُ أَيضًا يَغفِرُ لَكَ". وَعِندَ طُلوعِ الشَّمسِ، رَقَدَ الرَّجُلُ بِسَلامٍ.

 

العِبرَة:


إِنَّ أَصعَبَ ما يَفعَلُهُ الإِنسانُ أَحيانًا لَيْسَ أَنْ يَطلُبَ مَغفِرَةَ اللهِ، بَلْ أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّ اللهَ قادِرٌ أَنْ يَغفِرَ ما يَراهُ الإِنسانُ غَيرَ قابِلٍ لِلغُفرانِ. فَعِندَ الصَّليبِ لا يُوجَدُ "ذَنبٌ لا يُغفَر"، لأَنَّ رَحمَةَ اللهِ أَكبَرُ مِن خَطيئَتِنا، وَالرُّوحَ القُدُسَ يَبقى يَفتَحُ أَمامَنا أَبوابَ المُصالَحَةِ وَالحَياةِ الجَديدَةِ.