موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عيدِ خَميسِ الصُّعود، تُعَيِّدُ الكَنيسَةُ لِصُعودِ رَبِّنا وَإِلٰهِنا وَمُخَلِّصِنا يسوع المسيح إِلى السَّماءِ، وَذٰلِكَ بَعدَ أَربعينَ يَومًا مِن قِيامَتِهِ وَظُهورِهِ لِلتَّلاميذ. فَبَعدَ أَن أَتَمَّ الرَّبُّ عَمَلَ الفِداءِ، وَأَعلَنَ غَلَبَتَهُ عَلَى الخَطيئَةِ وَالمَوت، صَعِدَ إِلى مَجدِ الآب، لِيَفتَحَ لِلإِنسانِ طَريقَ السَّماءِ وَالحَياةِ الأَبَدِيَّة. وَقَد أَعلَنَ المَلاكُ لِلتَّلاميذِ قائِلًا: "فَيَسوعُ هٰذا الَّذي رُفِعَ عَنكُم إِلى السَّماءِ، سَيَأتي كَما رَأَيتُموهُ ذاهِبًا إِلى السَّماءِ" (أعمال الرُّسُل 1: 11).
إِنَّ صُعودَ المَسيحِ لا يَعني غِيابَهُ عَن كَنيسَتِهِ، بَل دُخولَهُ في مَجدِهِ السَّماويِّ، وَبِدايَةَ حُضورِهِ الجَديدِ وَالدّائِمِ في وَسَطِ المُؤمِنين. فَيَسوعُ يَعودُ إِلى مَلكوتِهِ الَّذي قالَ عَنهُ: "مَملكَتي لَيسَت مِن هٰذا العالَم" (يوحنّا 18: 36)، بَعدَ أَن أَكمَلَ خُطَّةَ الخَلاصِ الَّتي أَوكَلَها الآبُ إِلَيه.
وَيَقولُ القِدِّيسُ أبيفانيوس السلاميسي: "إِنَّ هٰذا اليَومَ هُوَ مَجدُ بَقِيَّةِ الأَعيادِ وَشَرَفُها، لأَنَّهُ فيهِ يَتَّضِحُ أَنَّ الرَّبَّ أَكمَلَ عَمَلَ الرّاعي الصّالِح". وَهٰذا يَرتَبِطُ بِصورةِ الرّاعي الَّذي يَبحَثُ عَنِ الخَروفِ الضّالِّ حَتّى يَجِدَهُ وَيَحمِلَهُ فَرِحًا عَلَى مَنكِبَيهِ (لوقا 15: 4–7). فَبِصُعودِ المَسيحِ، رُفِعَتِ الطَّبيعَةُ البَشَرِيَّةُ الَّتي اتَّحَدَ بِها الابنُ الإِلٰهيُّ، وَدَخَلَ الإِنسانُ مِن جَديدٍ إِلى شَرِكَةِ المَجدِ الإِلٰهيِّ.
وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ التَّأَمُّلِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَطبيقاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّة، لِنُدرِكَ أَنَّ عيدَ الصُّعودِ لَيسَ مُجرَّدَ ذِكرى تاريخيَّة، بَل دَعوَةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ أَن يَرفَعَ قَلبَهُ إِلى السَّماءِ، وَأَن يَعيشَ رِسالَتَهُ في العالَمِ بِرَجاءِ القِيامةِ وَوَعدِ المَسيحِ: "وَها أَنا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم" (متى 28: 20).
أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متى 28: 16–20)
1. "وأَمَّا التَّلاميذُ الأَحَدَ عَشَر، فذَهَبوا إِلى الجَليل، إِلى الجَبَلِ الَّذي أَمَرَهُم يسوعُ أَن يَذهَبوا إِلَيه"
تُشيرُ عِبارَةُ "التَّلاميذُ الأَحَدَ عَشَر" οἱ ἕνδεκα في تَلميحٍ مُؤلِمٍ إِلى غِيابِ يهوذا الإسخريوطي الَّذي خَسِرَ رِسالَتَهُ بِالخِيانَةِ وَاليَأس، وَرَغمَ خِيانةِ الإِنسانِ وَضَعفِهِ، فَإِنَّ الرِّسالَةَ الإِلٰهيَّةَ تَستَمِرّ. وَلهٰذا سَيَحِلُّ مَحلَّهُ متياس الرسول (أعمال الرُّسُل 1: 23–26). وَرَغمَ هٰذا النَّقصِ، فَإِنَّ جَماعَةَ الرُّسُلِ تَبقى حامِلَةً لِرِسالَةِ المَسيح، لأَنَّ القُوَّةَ لا تَقومُ عَلَى الكَمالِ البَشَريّ، بَل عَلَى نِعمَةِ اللهِ وَحُضورِ المَسيحِ القائِم.
أَمَّا عِبارَةُ "الجَليل" فَلا تُشيرُ فَقَط إِلى مَوقِعٍ جُغرافيّ، بَل إِلى بُعدٍ لاهوتيٍّ وَخَلاصيٍّ عَميق. فَالجَليلُ هُوَ "جَليلُ الأُمَم" (متى 4: 15)، أَيِ المِنطَقَةُ الَّتي كانَت مُختَلِطَةً بِالشُّعوبِ الوَثَنِيَّة، أي المَنطِقَةُ المُنفتِحَةُ عَلَى الشُّعوب، وَمِن هُناكَ تَنطَلِقُ الرِّسالَةُ إِلى العالَمِ. وَمِنها بَدَأَ يسوع المسيح رِسالَتَهُ، حَيثُ "أَشرَقَ النُّورُ" عَلَى الجالِسينَ في الظُّلْمَةِ (متى 4: 16). وَاليَومَ يَختِمُ يَسوعُ رِسالَتَهُ مِنَ الجَليلِ أَيضًا، لِيُظهِرَ أَنَّ البِشارَةَ الَّتي انطَلَقَت مِن أَطرَافِ إِسرائيلَ سَتَمتَدُّ إِلى جَميعِ الأُمَم. وَهٰكَذا يُعلِنُ رَسميًّا أَنَّهُ نالَ "كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ وَالأَرض" (متى 28: 18). فَأَصبَحَ الجَليلُ رَمزًا لِلِّقاءِ بَينَ السَّماءِ وَالأَرض، وَشاهِدًا عَلَى تَسليمِ الرِّسالَةِ مِنَ المَسيحِ القائِمِ إِلى كَنيسَتِهِ. وَمِن هٰذا الجَبَلِ، يُرسِلُ يَسوعُ تَلاميذَهُ عَبرَ الأَجيالِ لِيُبَشِّروا العالَمَ كُلَّهُ، وَيُدخِلوا الشُّعوبَ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ مِن خِلالِ سِرِّ المَعمودِيَّةِ "بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس".
أَمَّا عِبارَةُ "الجَبَل" فَتَحمِلُ بُعدًا كِتابيًّا وَرَمزيًّا عَميقًا، لأَنَّ الجَبَلَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ هُوَ مَوضِعُ لِقاءِ اللهِ بِالإِنسان. فَعَلَى جبل سيناء تَسَلَّمَ موسى النبي الشَّريعَةَ (الخروج 24: 13–17)، وَعَلَى جبل حوريب لَقِيَ إيليا النبي اللهَ في "صَوتِ نَسيمٍ لَطيف" (1 ملوك 19: 8–13). وَفي إِنجيلِ متّى، تَرتَبِطُ الأَحداثُ الخَلاصيَّةُ الكُبرى بِالجِبال. فَحَياةُ يَسوعَ العَلَنيَّةُ بَدَأَت عَلَى الجَبَلِ، حَيثُ أُخِذَ إِلى جَبَلٍ عالٍ في التَّجرِبَةِ (متى 4: 8)، وَاختُتِمَت عَلَى الجَبَلِ أَيضًا في مَشهَدِ الإِرساليَّةِ العُظمى (متى 28: 16). وَبَينَ هٰذَينِ المَشهَدَينِ نَرى المَسيحَ يَصعَدُ الجَبَل:
لِيُعَلِّمَ الجُموعَ وَيُعلِنَ شَريعَةَ المَلكوتِ (متى 5: 1–3)،
وَلِيُصَلِّيَ مُنفَرِدًا إِلى الآبِ (متى 14: 23)،
وَلِيُشبِعَ الجُموعَ وَيَشفِيَ المَرضى (متى 15: 29–38)،
وَلِيَتَجَلّى بِمَجدِهِ أَمامَ تَلاميذِهِ (متى 17: 1–8)،
وَلِيُنازِعَ في بُستانِ الزَّيتونِ قُربَ جَبَلِ الزَّيتون (لوقا 22: 39–46)،
وَلِيَحمِلَ الصَّليبَ إِلى الجُلجُثَةِ (يوحنّا 19: 17)،
وَالآنَ عَلى الجَبَلِ يُعلِنُ رِسالَةَ الكَنيسَةِ (متى 28: 16–20)
وَأَخيرًا لِيَصعَدَ إِلى السَّماءِ (أعمال الرُّسُل 1: 4–9).
وَلِهٰذا، فَالجَبَلُ يُصبِحُ في اللاهوتِ الإِنجيليِّ مَكانَ الإِعلانِ الإِلٰهيِّ وَالتَّجلِّي وَالإِرساليَّةِ. أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ الجُغرافيَّة، فَإِنَّ مَوقِعَ هٰذا الجَبَلِ في الجَليلِ يَبقى غَيرَ مُحَدَّدٍ بِدِقَّة. وَقَد يَكونُ الإِنجيليُّ متى الإنجيلي يُريدُ أَن يَربِطَهُ رَمزيًّا بِجَبَلِ التَّطويباتِ، حَيثُ أَعلَنَ يَسوعُ شَريعَةَ المَلكوتِ، أَو بِجَبَلِ التَّجرِبَةِ (متى 4: 8)، أَو بِجَبَلِ التَّجَلِّي (متى 17: 1). وَفي جَميعِ الأَحوال، فَإِنَّ الجَبَلَ هُنا لَيسَ مُجرَّدَ مَكان، بَل مَسرَحُ الإِعلانِ النِّهائيِّ لِسُلطانِ المَسيحِ وَانطِلاقِ رِسالَةِ الكَنيسَةِ إِلى العالَمِ كُلِّه. يَقولُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "إِنَّ المَسيحَ يَقودُ تَلاميذَهُ إِلى الجَبَلِ، لِأَنَّ الأَسرارَ العَظيمَةَ تُعلَنُ لِمَن يَرتَفِعُ قَلبُهُ فَوقَ الأَرضيّات".
2. "فَلَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا لَه، ولكِنَّ بَعضَهُمُ ارتابوا"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَلَمَّا رَأَوهُ" إِلى أَنَّ التَّلاميذَ، عِندَ وُصولِهِم إِلى الجَليل، وَجَدوا الرَّبَّ يَسوعَ القائِمَ يَسبِقُهُم إِلى المَكانِ الَّذي وَعَدَهُم بِهِ. فَالْمَسيحُ هُوَ دَومًا المُبادِرُ إِلى اللِّقاء، وَهُوَ الَّذي يَسبِقُ كَنيسَتَهُ في الطَّريق. وَقَد قالَ لِلنِّساءِ بَعدَ القِيامة: "إِنَّهُ يَسبِقُكُم إِلى الجَليل، هُناكَ تَرَونَه" (متى 28: 7). فَيَسوعُ القائِمُ لا يَترُكُ تَلاميذَهُ تائِهينَ، بَل يَدعوهُم إِلى لِقاءٍ جَديدٍ مَعَهُ، لِيُثَبِّتَ إِيمانَهُم وَيُرسِلَهُم إِلى العالَم.
أَمَّا عِبارَةُ "رَأَوهُ" فَلا تَعني مُجرَّدَ رُؤيَةٍ جَسَدِيَّة، بَل رُؤيَةَ الإِيمان. فَجَسَدُ يَسوعَ بَعدَ القِيامةِ هُوَ جَسَدٌ مُمَجَّد، لا يُدرَكُ بِالعَينِ البَشَرِيَّةِ وَحدَها، بَل بِالإِيمانِ المُستنيرِ بِنِعمَةِ الله. لِذٰلِكَ يَقولُ أوغسطينوس: "لَم يَروهُ بِالعُيونِ فَقَط، بَل بِالقُلوبِ الَّتي أَنارَها الإِيمان" (PL 38, 1135). وَيُضيفُ أَنَّ المَسيحَ "يَظهَرُ لِمَن يُحِبُّهُ، لا كَمَنظَرٍ خارِجيٍّ فَحَسب، بَل كَحَقيقَةٍ تُدرَكُ في العَقلِ وَالقَلب"
.
أَمَّا عِبارَةُ "سَجَدوا لَهُ"، فَتُشيرُ إِلى الاِعتِرافِ بِأُلوهِيَّةِ المَسيحِ القائِم. وَالفِعلُ اليُونانيُّ προσκυνέω يُستَعمَلُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ لِلسُّجودِ للهِ نَفسِهِ. وَهٰكَذا يَعتَرِفُ التَّلاميذُ بِأُلوهِيَّةِ المَسيحِ القائِم. ويَربِطُ متى الإنجيلي بَينَ بِدايَةِ إِنجيلِهِ وَنِهايَتِهِ: فَكما سَجَدَ المَجوسُ الآتونَ مِنَ الأُمَمِ لِلطِّفلِ الإِلٰهيِّ (متى 2: 1–11)، هٰكَذا يَسجُدُ الآنَ التَّلاميذُ لِلمَسيحِ القائِمِ قَبلَ أَن يُرسَلوا إِلى "جَميعِ الأُمَم". فَالإِنجيلُ يَبدأُ بِسُجودِ الأُمَمِ وَيَنتَهي بِإِرسالِ البِشارَةِ إِلَيها. وَيُشيرُ السُّجودُ أَيضًا إِلى تَحقُّقِ كَلِمَةِ الكِتاب: "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد، وَإِيّاهُ وَحدَهُ تَعبُد" (متى 4: 10). فَبِسُجودِهِم لِيَسوع، يَعتَرِفُ التَّلاميذُ أَنَّ المَسيحَ هُوَ الرَّبُّ وَالإِلٰه. وَيَقولُ يوحنا الذهبي الفم: "لَو لَم يَكُنِ الابنُ إِلٰهًا حَقًّا، لَما قَبِلَ السُّجودَ الَّذي لا يَحِلُّ إِلّا لله"(PG 58, 789–790).
أَمَّا عِبارَةُ "ولكِنَّ بَعضَهُمُ ارتابوا" فَتَكشِفُ بِواقِعيَّةٍ عَجيبةٍ حَقيقَةَ الإِنسانِ الضَّعيفِ أَمامَ سِرِّ القِيامة. وَالفِعلُ اليُونانيُّ ἐδίστασαν يَعني: تَرَدَّدوا أَو وَقَعوا بَينَ الإِيمانِ وَالخَوف. الإِنجيلي متىَّ يُضيفُ بِواقِعيَّةٍ مُدهِشَة: "بَعضَهُمُ ارتابوا" ἐδίστασανوَالفِعلُ اليُونانيُّ διστάζω يَعني: تَرَدَّدَ أَو تَأَرْجَحَ بَينَ الإِيمانِ وَالخَوف. وَهُوَ نَفسُ الفِعلِ الَّذي استَعمَلَهُ متّى عِندَ شَكِّ بُطرُسَ وَهُوَ يَمشي عَلَى الماء (متى 14: 31). إِنَّ القِيامةَ لا تُلغِي ضَعفَ الإِنسانِ فَورًا، بَل تَدعو إِلى مَسيرَةِ إِيمان. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا: "شَكُّهُم لَم يَكُن خَطيئَةً بَل طَريقًا إِلى إِيمانٍ أَعمَق". إِنَّ الشَّكَّ هُنا لا يَعني رَفضَ الإِيمان، بَل صُعوبَةَ استيعابِ سِرِّ القِيامةِ وَالمَجد. وَيُشيرُ ذٰلِكَ أَيضًا إِلى وَضعِ الجَماعَةِ المَسيحيَّةِ الأُولى الَّتي عاشَت تَوتُّرًا بَينَ الإِيمانِ وَالتَّجارِبِ وَالاضطِهادات. وَهٰذا الوَضعُ يَبقى حاضِرًا في حَياةِ المُؤمِنينَ في كُلِّ زَمان، لأَنَّ الإِيمانَ لَيسَ غِيابًا لِلتَّساؤلات، بَل ثِقَةٌ بِالمَسيحِ وَسَطَ الضَّعف. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس الكبير قائِلًا: "إِنَّ تَرَدُّدَ التَّلاميذِ خَدَمَ إِيمانَنا أَكثَرَ مِن إِيمانِهِم السَّريع، لأَنَّ شَكَّهُم قادَهُم إِلى التَّحقُّق، وَتَحقُّقُهُم ثَبَّتَ شَهادَتَهُم " (PL 76, 1219–1220). لِذٰلِكَ نَحنُ أَيضًا مَدعوُّونَ أَن نَسجُدَ مَعَ التَّلاميذِ لِلمَسيحِ القائِم، وَأَن نُقَدِّمَ لَهُ إِيمانَنا حَتّى وَإِن كانَ مَمزوجًا بِالضَّعفِ وَالتَّساؤُل، لأَنَّ الرَّبَّ لا يَرفُضُ المُرتابين، بَل يَقتَرِبُ مِنهُم لِيُثَبِّتَهُم بِنِعمَتِهِ وَحُضورِهِ.
18. فَدَنا يسوعُ وكَلَّمَهم قال: ((إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض".
تُشيرُ عِبارَةُ "كُلَّ سُلطانٍ" إِلى سُلطانٍ كامِلٍ وَشامِل، لا يَقتَصِرُ عَلَى شَعبٍ أَو مَكان، بَل يَشمَلُ الكَونَ بِأَسرِهِ. وَالفِعلُ اليُونانيُّ ἐδόθη ("أُوليتُ") يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الآبَ أَعطى الابنَ المُتَجَسِّدَ هٰذا السُّلطانَ بَعدَ إِتمامِ الفِداء في إِطارِ تَدبيرِ الخَلاص. فَالصُّعودُ هُوَ تَمجيدُ الإِنسانِيَّةِ في شَخصِ المَسيح. يَقولُ كيرلس الأورشليمي: "الَّذي نَزَلَ بِالتَّواضُعِ هُوَ نَفسُهُ الَّذي صَعِدَ بِالمَجدِ، لِيَملِكَ عَلَى السَّماءِ وَالأَرض" . فَالمَسيحُ، بِحَسَبِ لاهوتِهِ، مُساوٍ لِلآبِ في الجَوهر، أَمَّا بِحَسَبِ إِنسانِيَّتِهِ المُتَجَسِّدَة، فَقَد نالَ السُّلطانَ كَابنِ الإِنسانِ المُمَجَّد. وَهٰذا ما أَعلَنَهُ دانيال النبي في رُؤياهُ المَسيحانيَّة: "وَأُوتِيَ ابنُ الإِنسانِ سُلطانًا وَمَجدًا وَمُلكًا، فَتَعَبَّدَ لَهُ جَميعُ الشُّعوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلسِنَة" (دانيال 7: 14). فَيَسوعُ القائِمُ هُوَ ابنُ الإِنسانِ الَّذي تَحقَّقَت فيهِ نُبوءَةُ دانيال.
أَمَّا عِبارَةُ "السَّماءِ وَالأَرض" فَتُشيرُ إِلى الكَونِ كُلِّهِ: السَّماءُ مَسكَنُ اللهِ وَالمَلائِكَة، وَالأَرضُ مَسكَنُ البَشَر. وَبِذٰلِكَ، فَسُلطانُ المَسيحِ لا يَقتَصِرُ عَلَى العالَمِ الأَرضيِّ، بَل يَشمَلُ الخَليقَةَ كُلَّها. وَهٰذا ما أَكَّدَتهُ الكَنيسَةُ الأُولى في كِرازَتِها، مُعلِنَةً أَنَّ اللهَ "أَقامَهُ مِن بَينِ الأَموات" وَ"رَفَعَهُ" وَ"أَعطاهُ الاسمَ الَّذي يَفوقُ كُلَّ اسم" (رومة 1: 4؛ فيلِبّي 2: 9–11؛ 1 طيموتاوس 3: 16). وَيَقولُ كيرلس الإسكندري: "إِنَّ الابنَ، بَعدَ أَن أَكمَلَ تَدبيرَ الخَلاص، جَلَسَ عَن يَمينِ الآبِ، لا كَمَن نالَ مَجدًا لَم يَكُن لَهُ، بَل كَمَن أَظهَرَ مَجدَهُ الَّذي لَهُ مُنذُ الأَزل" (PG 74, 560).
وَعَلَى أَساسِ هٰذا السُّلطانِ الشّامِل، يُرسِلُ يَسوعُ تَلاميذَهُ إِلى العالَم، لِيُبَشِّروا وَيُعَمِّدوا وَيُعَلِّموا. فَالرِّسالَةُ الَّتي سَيُعطيها لَهُم في الآياتِ التّالِيَةِ لا تَقومُ عَلَى قُوَّتِهِم البَشَرِيَّة، بَل عَلَى سُلطانِ المَسيحِ القائِمِ وَحُضورِهِ الدّائِمِ مَعَ كَنيسَتِهِ. وَيَحمِلُ هٰذا الإِعلانُ مُقابَلَةً واضِحَةً مَعَ التَّجرِبَةِ الثّالِثَةِ في البَرِّيَّة، حَيثُ عَرَضَ الشَّيطانُ عَلَى يَسوعَ "جَميعَ مَمالِكِ العالَمِ وَمَجدَها" قائِلًا: "أُعطيكَ هٰذا كُلَّه إِن جَثَوتَ لي ساجِدًا" (متى 4: 9). لٰكِنَّ المَسيحَ رَفَضَ سُلطانًا قائِمًا عَلَى الخُضوعِ لِلشَّرِّ، وَاختارَ طَريقَ الطّاعَةِ وَالصَّليب. وَالآن، بَعدَ أَن غَلَبَ الخَطيئَةَ وَالمَوت، يَنالُ مِنَ الآبِ السُّلطانَ الحَقيقيَّ الَّذي لا يَزول. تُعَدُّ هٰذِهِ للآية قِمَّةَ الإِعلانِ المَسيحانيِّ في إِنجيلِ متّى. فَيَسوعُ القائِمُ يُعلِنُ أَنَّهُ يَملِكُ السُّلطانَ الكَونيَّ كامِلًا.
وَيَنتَقِلُ الإِنجيلُ مِن شَعبِ إِسرائيلَ إِلى «جَميعِ الأُمَم» (πάντα τὰ ἔθνη). فَعِيدُ الصُّعودِ هُوَ عِيدُ انطِلاقِ البِشارَةِ إِلى العالَمِ.
19. "فَاذهَبوا وَتَلْمِذوا جَميعَ الأُمَم، وَعَمِّدوهُم بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَاذهَبوا وَتَلمِذوا" إِلى إِرسالِ التَّلاميذِ لِإِعلانِ البِشارَةِ وَتَعليمِ الإِيمانِ المَسيحيّ. وَالفِعلُ اليُونانيُّ μαθητεύσατε ("تَلمِذوا") لا يَعني مُجرَّدَ الوَعظ، بَل جَعلَ النّاسِ تَلاميذَ لِلمَسيح، أَي أَن يَدخُلوا في عَلاقَةِ اتِّباعٍ وَشَرِكَةٍ وَطاعَةٍ لَهُ. فَالرِّسالَةُ المَسيحيَّةُ لَيسَت نَقلَ أَفكارٍ فَحَسب، بَل تَكوينُ إِنسانٍ جَديدٍ يَعيشُ حَياةَ الإِنجيل. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ: اِذهَبوا وَأَقنِعوا، بَل: تَلمِذوا، أَي اجعَلوا الأُمَمَ يَعيشونَ حَياةَ التَّلاميذِ وَيَحفَظونَ الوَصايا" (PG 58, 788).
أَمَّا عِبارَةُ "عَمِّدوهُم" فَتُشيرُ إِلى سِرِّ المَعمودِيَّةِ الَّذي بِهِ يَدخُلُ الإِنسانُ في العَهدِ الجَديدِ مَعَ الله. فَالمَعمودِيَّةُ لا تَقتَصِرُ عَلَى طَقسٍ خارِجيّ، بَل هِيَ وِلادَةٌ جَديدَةٌ وَاتِّحادٌ بِالمَسيحِ في مَوتِهِ وَقِيامَتِهِ، كَما يَقولُ بولس الرسول: "دُفِنّا مَعَهُ بِالمَعمودِيَّةِ لِلمَوت، حَتّى كَما أُقيمَ المَسيحُ مِن بَينِ الأَموات، نَسلُكَ نَحنُ أَيضًا في جِدَّةِ الحَياة" (رومة 6: 4). وَبِالمَعمودِيَّةِ يُصبِحُ المُؤمِنُ ابنًا للهِ بِالتَّبَنِّي، وَوارِثًا لِلمَجدِ الإِلٰهيّ، كَما يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "لَم تَنالوا روحَ العُبودِيَّة... بَل نِلتُم روحَ التَّبَنِّي الَّذي بِهِ نَصرُخ: أَبّا، أَيُّها الآب" (رومة 8: 15). فَالمَعمودِيَّةُ هِيَ عَلامَةُ العَهدِ الجَديدِ بَينَ اللهِ وَالإِنسانِ بِوَساطَةِ يَسوعَ المَسيح، وَهِيَ تُعبِّرُ عَنِ الخُضوعِ لِلمَسيحِ وَالالتِزامِ بِالسَّيرِ في طَريقِ الله.
أَمَّا عِبارَةُ "جَميعَ الأُمَم"(πάντα τὰ ἔθνη) فَتُشيرُ إِلى َنَقْل الإِنجيلُ مِن شَعبِ إِسرائيلَ إِلى "جَميعِ الأُمَم " أي شُموليَّةِ الخَلاص. فَبَعدَ أَن كانَت رِسالَةُ التَّلاميذِ في البِدايَةِ مُوَجَّهَةً إِلى "الخِرافِ الضّالَّةِ مِن بَيتِ إِسرائيل" (متى 10: 5–6)، أَصبَحَت الآنَ مُوَجَّهَةً إِلى العالَمِ كُلِّهِ: إِلى اليَهودِ وَالوَثَنِيِّينَ مَعًا. وَهٰكَذا تَتِمُّ نُبوءَةُ أشعيا النبي: "جَعَلتُكَ نُورًا لِلأُمَم" (أشعيا 42: 6). فَالمَسيحُ هُوَ رَبُّ كُلِّ الأَرض، وَقَد ماتَ لأَجلِ خَلاصِ جَميعِ البَشَر. وَيَقولُ كيرلس الأورشليمي: "كَمَا أَنَّ الشَّمسَ تُضيءُ لِلعالَمِ كُلِّهِ، هٰكَذا أَرادَ المَسيحُ أَن يَصِلَ نُورُ الإِنجيلِ إِلى جَميعِ الشُّعوب"(PG 33, 1080). فَعِيدُ الصُّعودِ هُوَ عِيدُ انطِلاقِ البِشارَةِ إِلى العالَمِ.
أَمَّا عِبارَةُ "وَعَمِّدوهُم بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس" فَتُعَدُّ مِن أَوضَحِ الإِعلاناتِ الثّالوثيَّةِ في العَهدِ الجَديد. فَيَسوعُ يَكشِفُ هُنا سِرَّ اللهِ الواحِدِ المُثَلَّثِ الأَقانيم. وَالجَديرُ بِالمُلاحَظَةِ أَنَّهُ لَم يَقُل: "بِأَسماءِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس"، بَل "بِاسمِ" بِالمُفرَد، ما يَدُلُّ عَلَى وَحدَةِ الجَوهرِ الإِلٰهيِّ بَينَ الأَقانيمِ الثَّلاثَة. وَيُشيرُ التَّعبيرُ أَيضًا إِلى عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ وَحَيَّةٍ بَينَ المُعمَّدِ وَالثّالوثِ الأَقدَس، فَالمُؤمِنُ يَدخُلُ بِالمَعمودِيَّةِ في شَرِكَةِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس. وَيُؤَكِّدُ باسيليوس الكبير: "إِنَّ ذِكرَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس في اسمٍ واحِدٍ يُظهِرُ وَحدَةَ اللاهوتِ وَالمَجدِ وَالسُّلطان" (PG 32, 136). وَقَد عَرَفَتِ الكَنيسَةُ هٰذِهِ الصِّيغَةَ الثّالوثيَّةَ مُنذُ البِداياتِ الرَّسوليَّة، وَنَجِدُها في كِتابِ تعليم الرسل، حَيثُ جاءَ: "عَمِّدوا بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس" (Didache 7: 1)، ما يُظهِرُ أَنَّ الكَنيسَةَ الأُولى حافَظَت مُبَكِّرًا عَلَى هٰذِهِ الصِّيغَةِ اللِّيتورجيَّةِ الَّتي سَلَّمَها الرَّبُّ لِرُسُلِهِ.
تعلنُ هٰذِهِ الآيَةُ إِلى الوَصِيَّةِ الأَخيرَةِ الَّتي سَلَّمَها يسوع المسيح لِتَلاميذِهِ قَبلَ صُعودِهِ، وَهِيَ ما يُعرَفُ في الكَنيسَةِ بِـ"الإِرساليَّةِ العُظمى". فَبَعدَ أَن أَعلَنَ أَنَّهُ نالَ "كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ وَالأَرض"، يُرسِلُ تَلاميذَهُ لِيُواصِلوا عَمَلَهُ الخَلاصيَّ في العالَم. وَهٰكَذا تَنتَقِلُ الرِّسالَةُ مِن شَخصِ المَسيحِ إِلى الكَنيسَة، الَّتي تَعيشُ وَتَعمَلُ تَحتَ سُلطانِهِ وَبِقُوَّةِ حُضورِهِ.
20" وَعَلِّموهُم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم بِهِ، وَها أَنا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم"
تُشيرُ عِبارَةُ "وَعَلِّموهُم" إِلى أَنَّ الرِّسالَةَ الَّتي سَلَّمَها يسوع المسيح لِتَلاميذِهِ لا تَقتَصِرُ عَلَى التَّبشيرِ أَو المَعمودِيَّة، بَل تَشمَلُ أَيضًا التَّعليمَ وَالتَّكوينَ الرُّوحيَّ وَالأَخلاقيَّ. فَالتَّلمَذَةُ في الفِكرِ الإِنجيليِّ لَيسَت مَعرِفَةً عَقليَّةً مُجرَّدَة، بَل دُخولًا في أُسلوبِ حَياةٍ جَديد، يَعيشُ فيهِ المُؤمِنُ وَصايا المَسيحِ وَيَحفَظُها في القَلبِ وَالسُّلوك.
يُشيرُ "يَحفَظوا" الفِعلُ اليُونانيُّ τηρεῖν إِلى أَكثَرَ مِن مُجرَّدِ الحِفظِ الذِّهنيّ؛ إِنَّهُ يَعني الطّاعَةَ وَالأَمانَةَ وَالمُواظَبَةَ عَلَى العَيشِ بِحَسَبِ وَصيَّةِ الرَّبّ. فَالإِيمانُ المَسيحيُّ لا يَنفَصِلُ عَنِ الحَياةِ العَمليَّة. وَهٰذا ما عاشَتهُ الجَماعَةُ المَسيحيَّةُ الأُولى، حَيثُ دَعا بطرس الرسول النّاسَ أَوَّلًا إِلى التَّوبَةِ وَالمَعمودِيَّةِ: "توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُم" (أعمال الرُّسُل 2: 38)، ثُمَّ "كانوا يُواظِبونَ عَلَى تَعليمِ الرُّسُل" (أعمال الرُّسُل 2: 42). فَالمَعمودِيَّةُ وَالتَّعليمُ يَبقَيانِ مُرتَبِطَينِ في حَياةِ الكَنيسَة، لأَنَّ المُؤمِنَ مَدعوٌّ أَن يَنمو في مَعرِفَةِ المَسيحِ وَالاقتِداءِ بِهِ. وَيَقولُ كيرلس الأورشليمي: "لا يَكفي أَن يَنالَ الإِنسانُ المَعمودِيَّة، بَل يَجِبُ أَن يَتَعَلَّمَ كَيفَ يَحفَظُ الوَصيَّة، لأَنَّ الحَياةَ في المَسيحِ هِيَ جِهادٌ مُستَمِرّ" (PG 33, 876).
أَمَّا عِبارَةُ "وَها أَنا مَعَكُم" فَتُعَدُّ مِن أَجمَلِ وُعودِ الإِنجيل، لأَنَّها تُؤَكِّدُ حُضورَ المَسيحِ الدّائِمَ في كَنيسَتِهِ. فَيَسوعُ هُوَ "عِمّانوئيل"، أَي "اللهُ مَعَنا" (متى 1: 23)، وَالإِنجيلُ الَّذي بَدَأَ بِهٰذا اللَّقَبِ يَختَتِمُ بِوَعدِ الحُضورِ الإِلٰهيِّ المُستَمِرّ.
أَمَّا عِبارَةُ "طَوالَ الأَيّامِ " فَتُشيرُ الى َهٰذا الوَعدُ الذي يُذكِّرُنا بِحُضورِ اللهِ مَعَ أَبرارِ العَهدِ القَديم: فَكانَ مَعَ إسحق (التكوين 26: 24)، وَمَعَ يعقوب (التكوين 28: 15)، وَمَعَ يوسف (التكوين 39: 2)، وَمَعَ موسى النبي (الخروج 3: 12). أَمَّا الآن، فَإِنَّ اللهَ يَكونُ مَعَ شَعبِهِ بِصورةٍ كامِلَةٍ في شَخصِ المَسيحِ القائِم. فَقَبلَ الصُّعود، كانَ يَسوعُ حاضِرًا مَعَ تَلاميذِهِ حُضورًا جَسَديًّا، أَمَّا بَعدَ الصُّعود، فَيَبقى حاضِرًا مَعَهُم بِالرُّوحِ القُدُس. لِذٰلِكَ أَوصاهُم: "أَلّا يُغادِروا أُورَشَليم، بَل يَنتَظِروا ما وَعَدَ بِهِ الآب" (أعمال الرُّسُل 1: 4). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يُحَقِّقُ حُضورَ يَسوعَ الفَعّالَ وَغَيرَ المَنظورِ في الكَنيسَة. كَما قالَ الرَّبُّ: "أَمَّا المُؤَيِّد، الرُّوحُ القُدُس... فَهُوَ يُعَلِّمُكُم جَميعَ الأَشياءِ وَيُذَكِّرُكُم بِكُلِّ ما قُلتُهُ لَكُم" (يوحنّا 14: 26). إِنَّ المَسيحَ، عِندَما أَرادَ أَن يَترُكَ مِيراثًا لِتَلاميذِهِ، لَم يَترُك لَهُم أَموالًا أَو أَراضيَ، بَل تَرَكَ ذٰاتَهُ نَفسَها. فَفي قَلبِ سِرِّ الصُّعودِ نَجِدُ حُضورَ المَسيحِ غَيرَ المَنظورِ في كَنيسَتِهِ، وَسُكناهُ الدّائِمَةَ في قُلوبِ المُؤمِنين. وَتَقولُ القديسة أليصابات الثالوث الأقدس: "لَقَد وَجَدتُ السَّماءَ عَلَى الأَرض، لأَنَّ السَّماءَ هِيَ الله، وَاللهُ في قَلبي". فَالسَّماءُ لَيسَت مَكانًا بَعيدًا فَحَسب، بَل حُضورُ اللهِ السّاكنُ في الإِنسانِ المُؤمِن. لِذٰلِكَ نَحنُ مَدعوُّونَ أَن نَنظُرَ دَومًا إِلى مَصابِيحِ الإِيمانِ وَالرَّجاءِ وَالمَحَبَّةِ المُضِيئَةِ في قُلوبِنا بِفِعلِ الرُّوحِ القُدُس. فَالصُّعودُ لا يَعني غِيابَ المَسيح، بَل طَريقَةً جَديدَةً لِحُضورِهِ في الكَنيسَةِ، خُصوصًا في الكَلِمَةِ المُقَدَّسَة، وَالإِفخارِستيا، وَالأَسرار، وَالجَماعَةِ المُؤمِنَة، وَالفُقَراءِ وَالمُتَألِّمين
أَمَّا عِبارَةُ "إِلى نِهايَةِ العالَم" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ حُضورَ المَسيحِ مَعَ كَنيسَتِهِ سَيَستَمِرُّ حَتّى مَجيئِهِ الثّاني في المَجد. فَوَعدُهُ لَيسَ مُؤَقَّتًا أَو مَحصورًا بِزَمَنٍ مُعَيَّن، بَل هُوَ وَعدٌ أَبَدِيٌّ يَمتَدُّ عَبرَ التّاريخِ كُلِّهِ. وَلَن يَكونَ الخَلاصُ مَحصورًا بِشَعبٍ واحِد، بَل سَيُرسَلُ إِلى جَميعِ الشُّعوب، كَما أَعلَنَ بولس الرسول: "فاعْلَموا إِذًا أَنَّ خَلاصَ اللهِ هذا أُرسِلَ إِلى الوَثَنِيِّين، وَهُم سَيَستَمِعونَ إِلَيه" (أعمال الرُّسُل 28: 28). وَمِن هُنا، فَإِنَّ وَعدَ المَسيحِ بِالحُضورِ يُشَجِّعُنا عَلَى الثِّقَةِ وَالثَّباتِ في الإِيمان. فَيَسوعُ المَسيحُ مَعَنا دَومًا، وَواجِبُنا أَن نُؤمِنَ بِهِ مُخَلِّصًا وَمَلِكًا وَرَبًّا لِحَياتِنا، وَأَن نَجعَلَهُ مَلِكًا عَلَى قُلوبِ البَشَرِ وَالشُّعوبِ كُلِّها. وَإِنَّ بَقاءَ مَلايينِ البَشَرِ حَتّى اليَومِ مِن دونِ مَعرِفَةِ اسمِ المَسيحِ يَبقى تَحدِّيًا رَعَوِيًّا وَدَعوَةً مُلِحَّةً لِلكَنيسَةِ كَي تُواصِلَ رِسالَتَها في التَّبشيرِ وَالشَّهادَةِ لِلإِنجيل.
ثانِيًا: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متى 28: 16–20)
بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ (متى 28: 16–20)، يُمكِنُ أَن نَستَنتِجَ أَنَّ هٰذا النَّصَّ يَتمَحوَرُ حَولَ ثَلاثَةِ أَبعادٍ رَئيسيَّة: الصُّعودُ كَخاتِمَةٍ لِتَرائِيّاتِ المَسيحِ القائِم، والصُّعودُ كَمُنطَلَقٍ لِرِسالَةِ الرُّسُلِ وَالكَنيسَة، وأَبعادُ الصُّعودِ عَلَى صَعيدِ المَسيحِ وَالكَنيسَةِ وَحَياتِنا الرُّوحيَّة.
1. الصُّعودُ خاتِمَةُ التَّرائِيّات
إِنَّ صُعودَ الرَّبِّ يسوع المسيح إِلى السَّماءِ هُوَ اِستِمرارٌ لِقِيامَتِهِ مِن بَينِ الأَموات، وَدُخولُهُ النِّهائيُّ في مَجدِ الفِصح. فَالقِيامةُ وَالصُّعودُ لَيسا حَدَثَينِ مُنفَصِلَين، بَل وَجهانِ لِسِرٍّ واحِد: سِرِّ انتِصارِ المَسيحِ عَلَى الخَطيئَةِ وَالمَوت. فَلَولا الصُّعودُ، لَما ظَهَرَ مَلءُ مَعنى القِيامة، لأَنَّ المَسيحَ القائِمَ يَدخُلُ بِإِنسانِيَّتِهِ إِلى مَجدِ الآب، كَما أَعلَنَ بطرس الرسول في خِطابِهِ يَومَ العَنصَرَةِ (أعمال الرُّسُل 2: 23–36).
فَالصُّعودُ كانَ آخِرَ تَرائِيّاتِ المَسيحِ لِلرُّسُلِ بِالجَسَد، قَبلَ أَن يَأتيَ مَرَّةً أُخرى في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ. وَفي هٰذا الظُّهورِ الأَخير، غَلَبَ يَسوعُ ضَعفَ إِيمانِ تَلاميذِهِ، مُعطيًا إِيّاهُم عَلاماتٍ حَسِّيَّةً عَلَى حَقيقَةِ قِيامَتِهِ: "ما بالُكُم مُضطَرِبين، وَلِماذا تَثورُ الشُّكوكُ في قُلوبِكُم؟ اُنظُروا إِلى يَدَيَّ وَقَدَمَيَّ: أَنا هُوَ بِنَفسي. اِلمِسوني وَانظُروا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيسَ لَهُ لَحمٌ وَلا عِظامٌ كَما تَرَونَ لي" (لوقا 24: 38–39).
وَلَم يَكتَفِ الرَّبُّ بِإِظهارِ جَسَدِهِ المُمَجَّد، بَل "فَتَحَ أَذهانَهُم لِيَفهَموا الكُتُب" (لوقا 24: 45)، لِيُدرِكوا أَنَّ العَهدَ القَديمَ بِأَسرِهِ كانَ يَشهَدُ لَهُ. فَالمَزاميرُ تَنَبَّأَت بِآلامِهِ (مزمور 22)، وَأشعيا النبي أَعلَنَ مَجدَ قِيامَتِهِ وَانتصارِهِ عَلَى المَوت (أشعيا 53: 10–11). وَيَقولُ أوغسطينوس: "صَعِدَ المَسيحُ إِلى السَّماءِ، لٰكِنَّهُ لَم يَبتَعِد عَنَّا، بَل سَبَقَنا إِلى حَيثُ نَرجو أَن نَكون" (PL 38, 1217).
2. الصُّعودُ مُنطَلَقُ رِسالَةِ الرُّسُلِ وَالكَنيسَة
في تَرائِهِ الأَخيرِ، حَدَّدَ يَسوعُ مَهَمَّةَ الرُّسُلِ وَالكَنيسَة: أَن يَكونوا شُهودًا لِقِيامَتِهِ وَخَلاصِهِ. فَقَد قالَ لَهُم: "وَأَنتُم شُهودٌ لِهٰذِهِ الأُمور" (لوقا 24: 48). فَرِسالَةُ المَسيحِ، الَّتي تُعبِّرُ عَن مَحبَّةِ اللهِ وَغُفرانِهِ، لا بُدَّ أَن تَصِلَ إِلى العالَمِ كُلِّهِ. لِذٰلِكَ وَعَدَ الرَّبُّ رُسُلَهُ بِإِرسالِ الرُّوحِ القُدُس: "اِمكُثوا أَنتُم في المَدينَةِ إِلى أَن تُلبَسوا قُوَّةً مِنَ العُلى" (لوقا 24: 49). فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَمنَحُ القُدرَةَ لِلشَّهادَةِ وَالتَّبشير. وَهٰذا ما أَكَّدَهُ الرَّبُّ أَيضًا: "سَتَنالونَ قُدرَةً مَتى حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَيكُم، وَتَكونونَ لي شُهودًا... حَتّى أَقاصي الأَرض" (أعمال الرُّسُل 1: 8).
وَسِفرُ أَعمالِ الرُّسُلِ هُوَ الشَّاهِدُ الحَيُّ عَلَى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ في الكَنيسَة، خُصوصًا وَسَطَ الاضطِهاداتِ وَالتَّجارِب، تَتميمًا لِوَعدِ المَسيحِ: "لَستُم أَنتُمُ المُتَكَلِّمين، بَل روحُ أَبيكُم هُوَ الَّذي يَتَكَلَّمُ فيكُم" (متى 10: 20). وَلا يَزالُ الرُّوحُ القُدُسُ إِلى اليَومِ يَبعَثُ المُرسَلينَ وَيُؤَيِّدُ المُؤمِنينَ لِيُؤَدّوا شَهادَتَهُم لِلمَسيح. فَقُوَّةُ الكَنيسَةِ الحَقيقيَّةُ لَيسَت في الغِنى أَو السُّلطانِ البَشَريّ، بَل في عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ السّاكنِ في قُلوبِ المُؤمِنين. وَيَقولُ باسيليوس الكبير: "حَيثُ يَكونُ الرُّوح، هُناكَ تَكونُ الرِّسالَة، وَحَيثُ الرِّسالَةُ هُناكَ يَظهَرُ عَمَلُ الرُّوح" (PG 32, 132).
وَعِندَ مُشاهَدَةِ الرُّسُلِ صُعودَ الرَّبّ، سَجَدوا لَهُ وَبارَكوا اللهَ (لوقا 24: 52–53)، مُعتَرِفينَ بِسِيادَتِهِ وَأُلوهِيَّتِهِ. فَالصُّعودُ لا يَعني غِيابَ المَسيح، بَل بِدايَةَ حُضورِهِ الجَديدِ بِالرُّوحِ القُدُس. وَقَد بَقِيَ يَسوعُ يَتراءى لِتَلاميذِهِ "أَربعينَ يَومًا، وَيُكَلِّمُهُم عَن مَلكوتِ الله" (أعمال الرُّسُل 1: 3). وَالعَدَدُ أَربعونَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ عَدَدٌ رَمزيّ، يُشيرُ إِلى زَمَنِ التَّهَيُّؤِ وَالتَّنقِيَةِ قَبلَ حَدَثٍ خَلاصيٍّ عَظيم: أَربعونَ سَنَةً في البَرِّيَّةِ قَبلَ دُخولِ أَرضِ المَوعد، وَأَربعونَ يَومًا لِموسى عَلَى الجَبَل، وَأَربعونَ يَومًا لِإيليا في الطَّريقِ إِلى حوريب، وَأَربعونَ يَومًا لِيَسوعَ في البَرِّيَّة. فَكَما هَيَّأَ اللهُ شَعبَهُ القَديم، هٰكَذا أَعَدَّ المَسيحُ تَلاميذَهُ لِعَطيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ وَحَملِ الرِّسالَة.
وَمِن هُنا، أَخَذَتِ الكَنيسَةُ رِسالَتَها مِنَ الرُّسُل، وَسَعَت إِلى أَن تَعيشَ الإِنجيلَ وَتَحمِلَهُ إِلى العالَم. فَالكَنيسَةُ لَيسَت هِيَ المَلكوتَ بِكَمالِهِ، بَل عَلامَةُ المَلكوتِ وَأَداتُهُ في العالَم. وَفيها يُمارِسُ المَسيحُ سِيادَتَهُ وَيُشِعُّ خَلاصَهُ عَلَى البَشَر. لِذٰلِكَ، فَالكَنيسَةُ مَدعوَّةٌ أَن تَعيشَ بِالسَّهَرِ وَالأَمانَةِ وَالغَيرَةِ الرَّسوليَّة، وَأَن تَكونَ جَماعَةً تُجَسِّدُ رُوحَ الخِدمَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ وَالمَحَبَّة، عَلَى مِثالِ مُعَلِّمِها الإِلٰهيّ. وَأَمانُها الأَخيرُ هُوَ أَنَّ اللهَ صارَ في يَسوعَ "عِمّانوئيل"، أَي "اللهُ مَعَنا".
أَمَّا "الغَمام" الَّذي يَذكُرُهُ مرقس الإنجيلي (مرقس 9: 7)، فَهُوَ رَمزٌ كِتابيٌّ لِحُضورِ اللهِ وَمَجدِهِ. فَاللهُ، الَّذي لا تُدرِكُهُ عُيونُ الجَسَد، كانَ يُعلِنُ حُضورَهُ في العَهدِ القَديمِ مِن خِلالِ الغَمام: في مَسيرَةِ الشَّعبِ في البَرِّيَّة (الخروج 13: 21–22)، وَفوقَ جَبَلِ سِيناء (الخروج 24: 15–18)، وَفي خَيمَةِ الاجتِماع. وَدُخولُ المَسيحِ في الغَمامِ يَعني دُخولَهُ في مَجدِ الآبِ، كَما تُعَلِّمُ الكَنيسَةُ: "الصُّعودُ يَعني الدُّخولَ النِّهائيَّ لِإِنسانِيَّةِ يَسوعَ في مَجدِ اللهِ السَّماويّ" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 659).
3. أَبعادُ الصُّعودِ على صَعيدِ المَسيحِ
لِسِرِّ صُعودِ يسوع المسيح أَبعادٌ لاهوتيَّةٌ وَرُوحيَّةٌ عَميقَة، تَتَجَلّى في تَمجيدِ المَسيحِ، وَسِيادَتِهِ عَلَى الكَون، وَتَمهيدِهِ لِمَجيئِهِ الثّاني في نِهايَةِ الأَزمِنَة.
أ) الصُّعودُ تَمجيدُ المَسيحِ السَّماويّ
إِنَّ المَسيحَ، قَبلَ أَن يَعيشَ عَلَى الأَرض، كانَ عِندَ الآبِ كَالابنِ الأَزَليّ، وَ"الكَلِمَة" وَ"الحِكمَةِ" الإِلٰهيَّة. فَصُعودُهُ إِلى السَّماءِ وَجُلوسُهُ عَن يَمينِ الآبِ لَيسا مُجرَّدَ انتِقالٍ مِن مَكانٍ إِلى آخَر، بَل عَودَتُهُ إِلى المَجدِ السَّماويِّ الَّذي نَزَلَ مِنهُ مِن أَجلِ خَلاصِ البَشَر. فَقَد "أَحَبَّنا وَحَلَّنا مِن خَطايانا بِدَمِهِ" (رؤيا 1: 5)، وَنَزَلَ رَحمَةً بِالإِنسانِ لِيَفتَقِدَهُ، كَما يَقولُ المُرتِّل: "ما الإِنسانُ حَتّى تَعرِفَهُ، وَابنُ البَشَرِ حَتّى تَفتَقِدَه؟" (مزمور 144: 3).
فَبِالنُّزولِ وَالصُّعودِ، اِرتَبَطَتِ السَّماءُ بِالأَرض، كَما أَعلَنَ الرَّبُّ: "سَتَرَونَ السَّماءَ مُنفتِحَةً وَمَلائِكَةَ اللهِ يَصعَدونَ وَيَنزِلونَ فَوقَ ابنِ الإِنسان" (يوحنّا 1: 51). فَالمَسيحُ هُوَ الجِسرُ الَّذي وَصَلَ بَينَ اللهِ وَالإِنسان.
أَمَّا "جُلوسُهُ عَن يَمينِ الله" فَيُشيرُ إِلى أَنَّهُ أَكمَلَ عَمَلَ الفِداء، وَدَخَلَ في مَجدِ المُلكِ وَالسُّلطان. فَاليَمينُ في اللُّغَةِ الكِتابيَّةِ رَمزٌ لِلقُدرَةِ وَالسِّيادَة. وَيَقولُ بطرس الرسول: "إِنَّ اللهَ أَقامَهُ... وَرَفَعَهُ عَن يَمينِهِ" (أعمال الرُّسُل 2: 33–34).
وَيُعَلِّمُ التَّعليمُ المسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكيَّة: "الصُّعودُ يَعني الدُّخولَ النِّهائيَّ لِإِنسانِيَّةِ يَسوعَ في مَجدِ اللهِ السَّماويّ، مِن حَيثُ سَيَعودُ مَرَّةً أُخرى، وَلكِنَّهُ يَبقى الآنَ مَخفِيًّا عَن عُيونِ البَشَر" (التعليم المسيحي، رقم 665).
وَفي اللِّيتورجيا السُّريانيَّة نَجِدُ تَعبيرًا رائِعًا عَن هٰذا المَجدِ: "نَزَلَ رَبُّنا بَحثًا عَن آدَم، وَبَعدَ أَن وَجَدَ مَن كانَ ضائِعًا، حَمَلَهُ عَلَى كَتِفَيهِ، وَبِالمَجدِ أَدخَلَهُ السَّماواتِ مَعَهُ... نَزَلَ إِلى الجَحيمِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مات، وَصَعِدَ وَتَمَجَّدَ وَأَظهَرَ أَنَّهُ الكَبير. فَلْيَتَبارَكْ مَجدُه!". وَيَقولُ أثناسيوس الرسولي: "صَعِدَ الابنُ مُتَجَسِّدًا، لِكَي يُدخِلَ الإِنسانَ مَعَهُ إِلى حَضنِ الآب" (PG 25, 192).
ب) الصُّعودُ دَلالَةٌ عَلَى تَسامِي المَسيحِ عَلَى الكَونِ وَالقُوّاتِ السَّماويَّة
مُنذُ صُعودِهِ إِلى السَّماءِ، جَلَسَ المَسيحُ عَلَى العَرشِ السَّماويِّ، لِيَتَقَلَّدَ السِّيادَةَ عَلَى الكَونِ كُلِّهِ. وَكَما يَقولُ بولس الرسول: "أَجلَسَهُ عَن يَمينِهِ في السَّماوات، فَوقَ كُلِّ رِياسَةٍ وَسُلطانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيادَة" (أفسس 1: 20–21).
وَيُظهِرُ إِنجيلُ متى الإنجيلي هٰذا السُّلطانَ بِوُضوح: "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ وَالأَرض" (متى 28: 18). وَهٰذا النَّصرُ حَقَّقَهُ المَسيحُ بِالصَّليبِ وَالطّاعَةِ، كَما يُؤَكِّدُ بولس الرسول: "جَرَّدَ الرِّياساتِ وَالسَّلاطينَ وَأَشهَرَهُم جِهارًا" (كولُسّي 2: 15)، وَ"أَطاعَ حَتّى المَوت، مَوتَ الصَّليب، لِذٰلِكَ رَفَعَهُ اللهُ" (فيلِبّي 2: 8–11) وَيَقولُ قبريانوس القرطاجي: "لا لِسانَ بَشَرٍ وَلا مَلائِكَةٍ يَستَطيعُ أَن يَصِفَ عَظيمَ الإِكرامِ الَّذي نالَهُ الإِلٰهُ المُتَجَسِّدُ بِصُعودِهِ" (PL 4, 575). وَلِهٰذا يَدعونا سفر المزامير إِلى التَّهليلِ وَالتَّسبيح: "صَفِّقوا بِالأَيادي يا جَميعَ الشُّعوب، اِهتِفوا للهِ بِصَوتِ التَّهليل، فَإِنَّ الرَّبَّ العَلِيَّ رَهيب، مَلِكٌ عَظيمٌ عَلَى كُلِّ الأَرض" (مزمور 47: 2–3).
يُصوِّرُ المُرتِّلُ المَسيحَ المُمَجَّدَ كَمَلِكٍ يَجلِسُ عَلَى عَرشِهِ الإِلٰهيِّ، قائِلًا: "صَعِدَ اللهُ بِالهُتاف... اِعزِفوا لِمَلِكِنا اِعزِفوا، فَإِنَّ اللهَ مَلِكُ الأَرضِ كُلِّها... مَلَكَ اللهُ عَلَى الأُمَم، اللهُ عَلَى عَرشِ قُدسِهِ جَلَس" (مزمور 47: 6–9). فَهٰذا التَّجليسُ المَلَكيُّ لا يَشمَلُ شَعبًا وَاحِدًا أَو مَدينَةً وَاحِدَة، بَل الكَونَ بِأَسرِهِ. فَالمَسيحُ هُوَ رَبُّ البَشَرِيَّةِ كُلِّها، وَبِيَدِهِ الدَّينونَةُ وَالخَلاص. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النزينزي قائِلًا: "اليَومَ يَرتَفِعُ المَسيحُ فَوقَ السَّماوات، لِكَي يَرفَعَ مَعَهُ الطَّبيعَةَ البَشَرِيَّةَ الَّتي سَقَطَت" (PG 36, 612).
ج) الصُّعودُ تَمهيدٌ لِعَودَةِ المَسيحِ في مَجيئِهِ الثّاني
إِنَّ صُعودَ المَسيحِ لا يُشكِّلُ نِهايَةَ التّاريخ، بَل يَفتَحُ الأُفقَ عَلَى مَجيئِهِ الثّاني. فَقَد قالَ المَلاكانِ لِلرُّسُل: "إِنَّ يَسوعَ هٰذا الَّذي رُفِعَ عَنكُم إِلى السَّماءِ، سَيَأتي كَما رَأَيتُموهُ ذاهِبًا إِلى السَّماءِ" (أعمال الرُّسُل 1: 11). فَهٰذِهِ العِبارَةُ تُقيمُ رَبطًا عَميقًا بَينَ صُعودِ المَسيحِ وَعَودَتِهِ في آخِرِ الأَزمِنَة، عِندَ "التَّجديدِ الكُلِّي" (أعمال الرُّسُل 3: 21). فَالمَسيحُ الَّذي صَعِدَ سَيَنزِلُ مَرَّةً أُخرى "مِنَ السَّماءِ" (1 تِسالونيقي 4: 16)، "عَلَى الغَمام" (رؤيا 14: 14–16)، وَسَيَصعَدُ مُختاروهُ لِمُلاقاتِهِ "عَلَى السُّحُب" (1 تِسالونيقي 4: 17). وَبِذٰلِكَ، فَالتّاريخُ البَشَريُّ لَيسَ دائِرَةً مُغلَقَة، بَل مَسيرَةٌ تَتَّجِهُ نَحوَ لِقاءِ المَسيحِ الدَّيّانِ وَالمَلِك.
لِذٰلِكَ يَدعونا الإِنجيلُ إِلى السَّهَرِ وَالاستِعدادِ الدّائِم، لأَنَّ "يَومَ الرَّبِّ يَأتي كَلِصٍّ في اللَّيل" (1 تِسالونيقي 5: 2). وَيَقولُ كيرلس الإسكندري: "الَّذي صَعِدَ بِالمَجدِ سَيَعودُ بِالمَجدِ، لِيُجازِي كُلَّ واحِدٍ بِحَسَبِ أَعمالِهِ" (PG 74, 945). فَعِيدُ الصُّعودِ لا يَدعونا فَقَط إِلى التَّأَمُّلِ في مَجدِ المَسيح، بَل أَيضًا إِلى عَيشِ الرَّجاءِ وَالاستِعدادِ لِلِّقاءِ الرَّبِّ الآتي.
4. أَبعادُ الصُّعودِ على صَعيدِ الكَنيسَة
إِنَّ سِرَّ صُعودِ يسوع المسيح لا يَتَعَلَّقُ بِشَخصِ المَسيحِ وَحدَه، بَل يَحمِلُ أَيضًا أَبعادًا عَميقَةً في حَياةِ الكَنيسَةِ وَرِسالَتِها. فَصُعودُ الرَّبِّ هُوَ تَمجيدُ الكَنيسَةِ وَبِدايَةُ زَمَنِ الرُّوحِ القُدُس، وَإِعلانُ حُضورِ المَسيحِ الجَديدِ في جَماعَةِ المُؤمِنين.
فَتَمجيدُ المَسيحِ بِالصُّعودِ كانَ لا بُدَّ أَن يَسبِقَ تَمجيدَ الكَنيسَةِ بِحُلولِ الرُّوحِ القُدُس. فَيَسوعُ صَعِدَ إِلى السَّماءِ لِيُرسِلَ الرُّوحَ القُدُسَ عَلَى تَلاميذِهِ، كَما وَعَدَهُم قائِلًا: "الرُّوحُ القُدُسُ يَنزِلُ عَلَيكُم، فَتَنالونَ قُدرَة، وَتَكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وَكُلِّ اليَهودِيَّةِ وَالسّامِرَةِ، حَتّى أَقاصي الأَرض" (أعمال الرُّسُل 1: 8).
فَبِالصُّعودِ لا يَترُكُ المَسيحُ كَنيسَتَهُ يَتيمَة، بَل يُعطيها رُوحَهُ، لِيَكونَ حاضِرًا فيها حُضورًا أَعمَقَ وَأَشمل. فَقَبلَ الصُّعودِ كانَ الرَّبُّ "مَعَ" تَلاميذِهِ بِالحُضورِ الجَسَديّ، أَمَّا بَعدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُس، فَإِنَّهُ يَصيرُ "فينا". وَهٰذا الحُضورُ الدّاخِليُّ الَّذي يُحقِّقُهُ الرُّوحُ القُدُسُ أَعظَمُ وَأَوسَعُ مِن الحُضورِ الحِسِّيِّ المَحدود. وَيُؤَكِّدُ بولس الرسول هٰذِهِ الحَقيقَةَ في صَلاتِهِ مِن أَجلِ المُؤمِنينَ في أفسس: "أَن يُقيمَ المَسيحُ في قُلوبِكُم بِالإِيمان" (أفسس 3: 17). فَبِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُس، يَسكُنُ المَسيحُ في داخِلِ المُؤمِن، وَتُصبِحُ الكَنيسَةُ هَيكَلًا حَيًّا لِحُضورِ الله. وَيَقولُ كيرلس الإسكندري: "لَم يَترُكْنا المَسيحُ عِندَ صُعودِهِ، بَل أَرسَلَ رُوحَهُ القُدُسَ لِيَجعَلَهُ حاضِرًا فينا عَلَى الدَّوام" (PG 74, 560).
وَلِهٰذا تَحتَفِلُ الكَنيسَةُ بِعيدِ الصُّعودِ بِفَرَحٍ عَظيم، لأَنَّ الَّذي "نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لأَجلِ خَلاصِنا" هُوَ نَفسُهُ الَّذي "صَعِدَ فَوقَ جَميعِ السَّماوات" وَمَلَكَ عَلَى الأُمَم، كَما يُرتِّلُ المُرتِّل: "مَلَكَ اللهُ عَلَى الأُمَم، اللهُ عَلَى عَرشِ قُدسِهِ جَلَس" (مزمور 47: 9). فَصُعودُ المَسيحِ لَيسَ انفِصالًا عَنِ العالَم، بَل مَلؤُهُ بِحُضورِهِ وَخَلاصِهِ، كَما يَقولُ بولس الرسول: "صَعِدَ... لِكَي يَملأَ الكُل" (أفسس 4: 10).
وَتَحتَفِلُ الكَنيسَةُ أَيضًا بِعيدِ الصُّعودِ لأَنَّ المَسيحَ لَم يُمَجِّدْ طَبيعَتَهُ البَشَرِيَّةَ فَحَسب، بَل رَفَعَ مَعَهُ طَبيعَتَنا البَشَرِيَّةَ السّاقِطَة، وَأَجلَسَنا مَعَهُ في السَّماوِيّات. كَما يَقولُ بولس الرسول: "أَقامَنا مَعَهُ، وَأَجلَسَنا مَعَهُ في السَّماوِيّاتِ في المَسيحِ يَسوع" (أفسس 2: 6). وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قائِلًا: "اليَومَ صَعِدَ رَبُّنا يَسوعُ المَسيحُ إِلى السَّماءِ، فَلْيَصعَدْ قَلبُنا مَعَهُ. وَمَعَ أَنَّهُ هُناكَ، فَهُوَ مَعَنا هُنا أَيضًا. وَمَعَ أَنَّنا هُنا، فَنَحنُ مَعَهُ هُناكَ أَيضًا. رُفِعَ فَوقَ السَّماوات، لٰكِنَّهُ ما زالَ يَتَأَلَّمُ في الأَرضِ بِكُلِّ أَلَمٍ نَشعُرُ بِهِ نَحنُ أَعضاؤُه، لأَنَّهُ رَأسُنا وَنَحنُ جَسَدُه" (PLS 2, 494). فَالصُّعودُ يَدعونا أَن نَرفَعَ قُلوبَنا وَأَفكارَنا إِلى فَوق، وَأَن نَعيشَ مُتَّحِدينَ بِالمَسيحِ الَّذي يَشفعُ فينا عِندَ الآب.
وأخيرًا تَحتَفِلُ الكَنيسَةُ بِعيدِ الصُّعودِ لِكَي تُهَيِّئَ نُفوسَ المُؤمِنينَ لِمَجيءِ المَسيحِ الثّاني، لأَنَّ "يَسوعَ هٰذا الَّذي ارتَفَعَ عَنكُم إِلى السَّماءِ سَيَعود" (أعمال الرُّسُل 1: 11). فَالصُّعودُ يَفتَحُ أُفُقَ الرَّجاءِ وَالاستِعدادِ الدّائِمِ لِلِّقاءِ الرَّبِّ الآتي لِلدَّينونَةِ وَالمَجد، كَما قالَ: "إِنَّ ابنَ الإِنسانِ سَيَأتي في مَجدِ أَبيهِ مَعَ مَلائِكَتِهِ، وَحينَئِذٍ يُجازي كُلَّ واحِدٍ وَفقَ أَعمالِهِ" (متى 16: 27). لِذٰلِكَ، فَعِيدُ الصُّعودِ لَيسَ مُجرَّدَ ذِكرى لِحَدَثٍ ماضٍ، بَل دَعوَةٌ لِلكَنيسَةِ كَي تَعيشَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، وَبِرَجاءِ المَجدِ الآتي، وَبِالشَّهادَةِ الحَيَّةِ لِلمَسيحِ في العالَم.
5. أَبعادُ الصُّعودِ على صَعيدِنا نَحنُ البَشَر
إِنَّ سِرَّ صُعودِ يسوع المسيح لا يَتَعَلَّقُ بِالمَسيحِ وَالكَنيسَةِ فَحَسب، بَل يَمسُّ أَيضًا حَياةَ كُلِّ مُؤمِنٍ وَمَصيرَهُ الأَبَديّ. فَلِلصُّعودِ أَبعادٌ خَلاصيَّةٌ وَرُوحيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِنَا نَحنُ البَشَر، وَأَبرَزُها: شَفاعَةُ المَسيحِ فِينَا، وَإِعدادُهُ لَنا مَكانًا في السَّماءِ، وَالدَّعوَةُ إِلى عَيشِ رُوحانِيَّةِ الصُّعود.
أ) صُعودُ يَسوعَ لِيَشفَعَ فينا في حَضرَةِ الله
تُصَوِّرُ الرسالة إلى العبرانيين صُعودَ المَسيحِ في ضَوءِ الدُّخولِ إِلى المَقدِسِ السَّماويِّ، حَيثُ تَقومُ حَقائِقُ الخَلاصِ النِّهائيَّة. فَيَسوعُ هُوَ "رَئيسُ الكَهَنَةِ العَظيم" الَّذي "اِجتازَ السَّماوات" (العبرانيين 4: 14)، وَجَلَسَ "عَن يَمينِ الله" (العبرانيين 1: 3)، فَوقَ المَلائِكَةِ وَالقُوّاتِ السَّماويَّة (العبرانيين 1: 4–9).
وَقَد صَعِدَ المَسيحُ أَوَّلًا لِيَدخُلَ عَنّا إِلى حَضرَةِ الآبِ، وَيَكونَ شَفيعَنا وَوَسيطَنا. كَما يَقولُ الكِتابُ: "لَم يَدخُلِ المَسيحُ إِلى مَقدِسٍ مَصنوعٍ بِيَد، بَل إِلى السَّماءِ نَفسِها، لِيَظهَرَ الآنَ أَمامَ وَجهِ اللهِ مِن أَجلِنا"(العبرانيين 9: 24).
فَالمَسيحُ الصّاعِدُ هُوَ الوَسيطُ الَّذي يَحمِلُ البَشَرِيَّةَ إِلى الآب، وَيَفتَحُ لَها بابَ النِّعمَةِ وَالخَلاص. وَبِشَفاعَتِهِ يَفيضُ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَى الكَنيسَة. وَيُعَلِّمُ التَّعليمُ المسيحيُّ لِلكَنيسَةِ الكاثوليكيَّة: "المَسيحُ دَخَلَ مَرَّةً واحِدَةً وَإِلى الأَبَدِ إِلى المَقدِسِ السَّماويِّ، وَهُوَ لا يَكُفُّ عَنِ الشَّفاعَةِ فِينَا كَوَسيطٍ يَضمَنُ لَنا فَيضَ الرُّوحِ القُدُس" (التعليم المسيحي، رقم 667). وَيَقولُ يوحنا الذهبي الفم: "صَعِدَ جَسَدُنا مَعَ المَسيحِ إِلى العُلى، لِكَي يَكونَ لَنا في السَّماءِ شَفيعٌ وَرَئيسُ كَهَنَة" (PG 58, 519).
ب) الصُّعودُ لِإِعدادِ مَكانٍ لَنا في السَّماءِ
يَعودُ الرَّبُّ بِالمَجدِ إِلى الآبِ لِيُعِدَّ لِلمُؤمِنينَ مَكانًا في البَيتِ السَّماويّ. فَقَد قالَ لِتَلاميذِهِ: "لا تَضطَرِبْ قُلوبُكُم... أَنا ذاهِبٌ لِأُعِدَّ لَكُم مَكانًا" (يوحنّا 14: 1–3). فَيَسوعُ دَخَلَ أَوَّلًا إِلى الحَياةِ السَّماويَّة، لِيُهَيِّئَ لِمُختاريهِ مَسكنًا أَبديًّا، ثُمَّ سَيَأتي لِيَأخُذَهُم إِلَيهِ، "حَتّى حَيثُ أَكونُ أَنا تَكونونَ أَنتُم أَيضًا" (يوحنّا 14: 3).
وَبِهٰذا، يَصبِحُ الصُّعودُ مَصدَرَ رَجاءٍ لِلمُؤمِنين، لأَنَّ المَسيحَ رَأسُ الكَنيسَةِ سَبَقَنا إِلى مَلكوتِ الآبِ، لِكَي نَحيا نَحنُ أَعضاءَ جَسَدِهِ عَلَى رَجاءِ الاشتِراكِ في مَجدِهِ. وَيُعَلِّمُ التَّعليمُ المسيحيُّ: "صُعودُ المَسيحِ يَفتَحُ لِلبَشَرِيَّةِ الدُّخولَ إِلى السَّماءِ... فَالمَسيحُ، رَأسُ الكَنيسَة، سَبَقَنا إِلى مَلكوتِ الآبِ المَجيد، لِنَرجو أَن نَكونَ يَومًا مَعَهُ إِلى الأَبَد" (التعليم المسيحي، رقم 666). وَيَقولُ غريغوريوس النيصصي: "حَيثُ دَخَلَ الرَّأس، سَيَدخُلُ الجَسَدُ أَيضًا، لأَنَّ المَسيحَ لا يَفصِلُ أَعضاءَهُ عَن مَجدِهِ" (PG 46, 560).
ثالثًا: وكيف نَعيشُ رُوحانِيَّةُ عيدِ الصُّعودِ
يُظهِرُ إِنجيلُ متّى أَنَّ عيدَ الصُّعودِ لَيسَ وَداعًا لِلمَسيح، بَل بِدايَةَ حُضورِهِ الجَديدِ في كَنيسَتِهِ. فَالمَسيحُ القائِمُ وَالصّاعِدُ يَملِكُ عَلَى الكَون، وَيُرسِلُ تَلاميذَهُ لِلتَّبشير، وَيَبقى حاضِرًا مَعَهُم إِلى نِهايَةِ العالَم. وَمِن هُنا، فَعِيدُ الصُّعودِ هُوَ عِيدُ الرَّجاءِ وَالرِّسالَةِ وَالثِّقَةِ بِالمَسيحِ الَّذي لا يَترُكُ شَعبَهُ أَبَدًا.
نَعيشُهُ بِالرَّجاءِ: إِنَّ صُعودَ المَسيحِ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَصيرَ الإِنسانِ لَيسَ الأَرضَ وَالمَوت، بَل المَجدَ وَالحَياةَ الأَبَدِيَّة. فَحَيثُ دَخَلَ الرَّأس، سَيَدخُلُ الجَسَدُ أَيضًا. فَالمَسيحيُّ يَعيشُ عَلَى الأَرض، لٰكِنَّ قَلبَهُ مُتَّجِهٌ نَحوَ السَّماءِ. وَهُوَ يَنتَظِرُ "البَيتَ السَّماويَّ" (2 قورنتس 5: 1)، وَيَتَطَلَّعُ إِلى أَن يُشابِهَ المَسيحَ المُمَجَّد، "الإِنسانَ السَّماويَّ" (1 قورنتس 15: 45–49). وَلٰكِنَّ هٰذا لا يَعني أَن يَنعَزِلَ المُؤمِنُ عَنِ العالَمِ أَو يَحتَقِرَ الواقِعَ الأَرضيّ، بَل عَلَيهِ أَن يَعيشَ فيهِ بِطَريقَةٍ جَديدَة، تُحَرِّكُ العالَمَ نَحوَ المَجدِ الَّذي يَدعوهُ اللهُ إِلَيه. فَالمَسيحيُّ مَدعوٌّ أَن يَكونَ شاهِدًا لِلرَّجاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالحَقِّ وَسَطَ عالَمٍ يَعيشُ الخَوفَ وَالعُنفَ وَالاضطِهاد.
نَعيشُهُ بِالرِّسالَة: لا يَطلُبُ يَسوعُ مِن تَلاميذِهِ أَن يَبقَوا ناظِرينَ إِلى السَّماءِ، بَل أَن يَنطَلِقوا إِلى العالَمِ. فَكُلُّ مُؤمِنٍ مَدعوٌّ أَن يَكونَ شاهِدًا لِلمَسيحِ في بَيتِهِ وَعَمَلِهِ وَمُجتَمَعِهِ. فَعِيدُ الصُّعودِ هُوَ عِيدُ يَسوعَ المَسيحِ الرَّبِّ وَالمَلِك، الَّذي اِرتَفَعَ لِيَجتَذِبَ الجَميعَ إِلَيهِ، وَيُوصِلَ كَلِمَتَهُ إِلى العالَمِ كُلِّهِ. وَمِن هُنا، تَبقى الكَنيسَةُ مُطالَبَةً بِمُتابَعَةِ كِرازَةِ الإِنجيل، تَتميمًا لِوَصيَّةِ الرَّبِّ: "فَاذهَبوا وَتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم... وَها أَنا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم".
نَعيشُهُ بِالثِّقَة: رُغمَ الضَّعفِ وَالشَّكِّ، فَإِنَّ المَسيحَ لا يَترُكُ كَنيسَتَهُ. وَهُوَ يَقولُ لِكُلِّ مُؤمِن: "أَنا مَعَكَ". وَهٰذِهِ الحَقيقَةُ تُعَزِّينا في زَمَنِ الخَوفِ وَالتَّجارِب. وَفي زَمَنِنا الحاضِر، يَعيشُ كَثيرٌ مِنَ المَسيحيِّينَ الاضطِهادَ وَالأَلَم، لٰكِنَّ العَداءَ وَالخَطيئَةَ وَالمَوتَ لَيسَت لَها الكَلِمَةُ الأَخيرَة، لأَنَّ المَسيحَ سَيَعودُ بِالمَجدِ وَالبَهاءِ، وَسَيُظهِرُ سِيادَتَهُ عَلَى جَميعِ مَمالِكِ العالَم.
نَعيشُهُ بِالحَياةِ الثّالوثِيَّة: إِنَّ المُعمَّدَ يَعيشُ في شَرِكَةِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس. وَعيدُ الصُّعودِ يَدعونا إِلى أَن نُجَدِّدَ نِعمَةَ مَعمودِيَّتِنا وَنَعيشَ كَأَبنَاءٍ لله. فَالمُؤمِنُ مَدعوٌّ أَن يَعيشَ مُنذُ الآنِ وَكَأَنَّهُ يَنتمي إِلى العالَمِ الجَديدِ الَّذي يَملِكُ فيهِ المَسيح. لِذٰلِكَ يَدعو بولس الرسول المُؤمِنينَ إِلى أَن يَسعَوا "إِلى الأُمورِ الَّتي في العُلى، حَيثُ المَسيحُ جالِسٌ عَن يَمينِ الله" (كولُسّي 3: 1)، لأَنَّ "حَياتَكُم مُحتَجِبَةٌ مَعَ المَسيحِ في الله" (كولُسّي 3: 3). وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "مَدينَتَنا هِيَ في السَّماوات" (فيلِبّي 3: 20).
فَالرُّسُلُ لَم يَعيشوا "كُلَّ الأَيّام"، أَمَّا الكَنيسَةُ فَتَبقى مُستَمِرَّةً عَبرَ الأَجيالِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، شاهِدَةً لِلمَسيحِ حَتّى مَجيئِهِ الثّاني. لِذٰلِكَ نُعلِنُ في الإِيمانِ اِنتِظارَنا لِمَجيئِهِ المَجيد: "وَنَنتَظِرُ قِيامَةَ الأَمواتِ وَالحَياةَ في الدَّهرِ الآتي. آمين". وَمَعَ اللِّيتورجيا السُّريانيَّةِ نُرَدِّدُ بِفَرَح: "يَومَ وِلادَتِهِ فَرِحَت مَريَم؛ يَومَ مَوتِهِ تَزَلزَلَتِ الأَرض؛ يَومَ قِيامَتِهِ تَزعزَعَت ظُلُماتُ الجَحيم؛ يَومَ صُعودِهِ اِغبَطَّتِ السَّماوات. فَلْيَتَبارَكْ صُعودُه!".
الخُلاصَة
يَختِمُ متى الإنجيلي إِنجيلَهُ بِمَشهَدٍ مَهيبٍ يَحمِلُ في طَيّاتِهِ إِعلانَ مَجدِ يسوع المسيح القائِمِ مِن بَينِ الأَموات، وَإِرسالِيَّةَ الكَنيسَةِ إِلى العالَمِ أَجمَع. فَعِيدُ الصُّعودِ في إِنجيلِ متّى لا يُوصَفُ كَحَدَثٍ جُغرافيٍّ يَرتَفِعُ فيهِ يَسوعُ إِلى السَّماءِ، كَما في إِنجيلِ لوقا الإنجيلي وَسِفرِ أَعمالِ الرُّسُل، بَل يُقَدَّمُ كَإِعلانٍ لِسُلطانِ المَسيحِ الشّامِل، وَكَتَكليفٍ رَسوليٍّ لِلتَّلاميذ، وَكَوَعدٍ بِحُضورِهِ الدّائِمِ في كَنيسَتِهِ. فَالصُّعودُ عِندَ متّى هُوَ دُخولُ المَسيحِ في مَجدِ الآب، مَعَ بَقائِهِ حاضِرًا مَعَ المُؤمِنينَ "إِلى نِهايَةِ العالَم".
وَمِنَ اللاّفِتِ أَنَّ إِنجيلَ متّى لا يَذكُرُ ظُهوراتِ المَسيحِ بَعدَ القِيامةِ إِلّا في خاتِمَةِ الإِنجيلِ (متى 28: 16–20)، حَيثُ يَظهَرُ يَسوعُ لِلرُّسُلِ في الجَليل، في المَكانِ نَفسِهِ الَّذي بَدَأَت فيهِ قِصَّةُ دَعوتِهِم وَاتِّباعِهِم لَه. وَهٰكَذا يَنتَهي الإِنجيلُ مِن حَيثُ بَدَأ، لِيُظهِرَ غِنَى سِرِّ الصُّعودِ وَعُمقَهُ الخَلاصيّ.
فَبِفِضلِ سِرِّ الفِصح، أَي مَوتِ المَسيحِ وَقِيامَتِهِ، خَضَعَ العالَمُ كُلُّهُ لِسِيادَتِهِ، وَأَصبَحَ هُوَ "رَبَّ السَّماءِ وَالأَرض". وَمِن هٰذا السُّلطانِ الإِلٰهيِّ تَنبَعُ رِسالَةُ الكَنيسَة، الَّتي أَرادَها المَسيحُ أَن تَكونَ اِمتِدادًا لِحُضورِهِ وَعَمَلِهِ الخَلاصيِّ في التّاريخ. لِذٰلِكَ أَرسَلَ تَلاميذَهُ قائِلًا: " فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس ".
فَالكَنيسَةُ مَدعوَّةٌ أَن تُدخِلَ البَشَرِيَّةَ كُلَّها في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ، مِن خِلالِ الإِيمانِ وَالمَعمودِيَّةِ وَحَياةِ النِّعمَة. وَهِيَ تَعيشُ هٰذِهِ الرِّسالَةَ عَلَى وَعدِ المَسيحِ الثّابِت: "وَها أَنا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم". فَيَسوعُ، وَإِن صَعِدَ إِلى السَّماءِ، لَم يَغِب عَن كَنيسَتِهِ، بَل بَقِيَ حاضِرًا فيها بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، في الكَلِمَةِ وَالأَسرارِ وَالجَماعَةِ المُؤمِنَةِ وَالشَّهادَةِ الرَّسوليَّة.
وَهٰكَذا يَدعونا الإِنجيلُ إِلى التَّأَمُّلِ في سِرِّ الصُّعودِ، لا كَحَدَثٍ ماضٍ فَحَسب، بَل كَحَقيقَةٍ خَلاصيَّةٍ مُستَمِرَّة، تَكشِفُ مَخطَّطَ اللهِ الشّامِلَ لِخَلاصِ العالَم، وَتَدعونا إِلى أَن نَعيشَ بَينَ حُضورِ المَسيحِ وَغَيابِهِ الظّاهِريّ، في رَجاءِ المَجدِ الآتي وَانتِظارِ مَجيئِهِ الثّاني.
دُعاء
أَيُّها الآبُ السَّماويّ،
نَشكُرُكَ لأَنَّ ابنَكَ الوَحيدَ يسوع المسيح صَعِدَ إِلى السَّماءِ، وَجَلَسَ عَن يَمينِكَ في المَجد، لِيَشفَعَ فينا وَيُعِدَّ لَنا مَقامًا في مَلَكوتِكَ السَّماويّ.
فَاجعَلْنا، يا رَبّ، أَن نَختَبِرَ في حَياتِنا سِرَّ حُضورِهِ وَغَيابِهِ، وَأَن نُؤمِنَ أَنَّهُ ما زالَ مَعَنا وَعامِلًا فينا بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، كَما وَعَدَ قائِلًا: "وَها أَنا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم".
ثَبِّتْ إِيمانَنا، وَاملأْ قُلوبَنا رَجاءً وَفَرَحًا، لِئَلّا نَتَخَلّى عَنكَ أَبَدًا، بَل نَحمِلَ بِشارَةَ الإِنجيلِ إِلى العالَمِ أَجمَع، وَنَشهَدَ لِمَحبَّتِكَ وَخَلاصِكَ بِكُلِّ جُرأَةٍ وَأَمانَة.
وَاجعَلْنا نَرفعُ قُلوبَنا دَومًا إِلى العُلى، حَيثُ المَسيحُ جالِسٌ عَن يَمينِكَ، لِنَحيا مُتَّحِدينَ بِهِ هُنا عَلَى الأَرض، وَنَبلُغَ مَعَهُ مَجدَ السَّماءِ. لَكَ المَجدُ وَالحَمدُ إِلى الأَبَد. آمين.