موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في كل طريق للصليب نرى يسوع يتألم، يتعثر، يهزأ به، ولكن بين كل تلك الوجوه ظهر رجل لم يكن في حساب أحد. رجل بسيط، آتٍ من الحقل، لم يكن تلميذا ولا معروفا. ومع ذلك كتب اسمه إلى الأبد في أعظم قصة خلاص. إنه سِمعان القيرواني الرجل الذي حمل صليبا لم يكن صليبه، لكنه غير حياته إلى الأبد.
1. شخصية سمعان القيرواني
هي واحدة من الشخصيات العابرة والمؤثرة في آن واحد في قصة صلب المسيح، وتثير تساؤلات لاهوتية وإنسانية عميقة حول مفهوم المسؤولية والمكافأة. فمن هو سمعان القيرواني؟
· رجل من مدينة قيروان وهي مدينة تاريخية في ليبيا الحالية، كان سكانها خليطا من اليونانين والرومان بالاضافة الى انها كانت تضم جالية يهودية كبيرة، وبعتقد انه جاء الى اورشليم حاجا في عيد الفصح اليهودي.
· لا نعرف عنه الكثير، لكنه ظهر في اللحظة الأصعب في تاريخ البشرية: طريق الصليب لم يكن يبحث عن مجد، ولا يطلب بطولة، فقط كان مارا لكن الله كان ينتظره
· تذكر الأناجيل (متى، مرقس، ولوقا) أنه كان "آتياً من الحقل"، أي أنه كان رجلًا بسيطًا يمارس عمله اليومي، وصادف مروره لحظة خروج موكب الصلب.
· عائلته: ينفرد إنجيل مرقس بذكر أنه والد "ألكسندر وروفس"، مما يشير إلى أن ابنيه أصبحا معروفين لاحقًا في الأوساط المسيحية الأولى.
· اول قديس مسيحي من شمال افريقيا حسب تقليد الكنيسة ، كان شاهدا ومشاركا في اهم حدث في المسيحية ووجوده يدل على شمولية رسالة يسوع لجميع الشعوب
2. هل "سُخر" أم "أُلقي" عليه الصليب؟
تتفق الأناجيل الإزائية (الثلاثة الأولى) على أنه أُجبر على ذلك، لكن بصيغ مختلفة قليلاً:
· إنجيل متى ومرقس: استخدما تعبير "سخروه"، وهي كلمة كانت تُستخدم لوصف سلطة الجنود الرومان في إجبار المدنيين على القيام بأعمال شاقة لصالح الإمبراطورية. "فَسَخَّرُوا رَجُلًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ لِيَحْمِلَ الصَّلِيبَ" (مرقس 15: 21).
· إنجيل لوقا: يذكر أنهم "وضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع . "وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ، رَجُلاً قَيْرَوَانِيًّا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ" لوقا (٢٣:٢٦).
· إنجيل يوحنا: هو الوحيد الذي لم يذكر سمعان، بل ركز على أن يسوع خرج حاملاً صليبه بنفسه (وهو ما يفسره المفسرون بأن يسوع بدأ الحمل ثم سقط من الإعياء فاستعانوا بسمعان).
3. هل يُكافأ رغم أنه كان "مجبرًا"؟
أ- هذا السؤال هو جوهر النقاش اللاهوتي حول هذه الشخصية، والرد يتلخص في عدة نقاط:
سمعان القيرواني تحول من الاكراه الى الاختيار ، لم يختر الصليب بل اختاره الصليب .ما إن لمس الخشبة، حتى تغيّر كل شيء: شعر بثقل الألم ، لكنه شعر أيضا بلمسة وجه المسيح المدمّى ، أحسّ بحرارة محبّة تمشي نحو الفداء…
كان يظن أنه يساعد إنسانًا مكسورا، لكنه اكتشف أنه يلمس الخشبة التي ستخلّص العالم.
ب- يرى الكثير من المفسرين أن سمعان بدأ المهمة مكرهاً (تحت ضغط رماح الجنود الرومان)، لكنه انتهى مؤمناً. الدليل التقليدي على ذلك هو ذكر أسماء أبنائه في الإنجيل؛ فلو لم تكن لهذه العائلة مكانة في الكنيسة الأولى لما ذُكرت أسماؤهم كعلامة تعريفية للقراء.
ج- التقليد الكنسي يخبرنا أن:سِمعان آمن بالمسيح بعد القيامة، وأولاده، ألكسندر وروفس، أصبحوا معروفين في الكنيسة الأولى (روم 16: 13) ، أي أن بيت سِمعان كله صار بيت إيمان. وان الذي حُمل إليه الصليب يوما ، صار فيما بعد يحمله بمحبة.
د- القيمة الروحية للمشاركة في الفكر الديني، لا تضيع المكافأة حتى لو بدأ الفعل بالإكراه، طالما أدى ذلك إلى خدمة سامية. يُنظر إلى سمعان على أنه نال شرفاً لم ينله حتى أقرب تلاميذ المسيح الذين تفرقوا في تلك اللحظة، وهو تخفيف الألم جسدياً عن المسيح في أصعب لحظاته.
ه- حمل الصليب جعل سمعان القيرواني رمزاً لكل إنسان يُجبره القدر على حمل صليب أو معاناة لم يخترها. المكافأة هنا لا تأتي من الحدث نفسه بقدر ما تأتي من الصبر عليه وتحويل المحنة إلى رسالة.
خلاصة القول:
سمعان القيرواني لم يكن يخطط لأن يكون جزءاً من التاريخ، لكنه وجد نفسه فجأة في قلب الحدث. وبالرغم من أنه حُمل الصليب قسرا، إلا أن التراث الكنسي يعتبره مغبوطا ومكافأً، لأنه كان الشخص الوحيد الذي قدم عوناً جسدياً مباشراً للمسيح في طريق الآلام، استنادًا الى التفاصيل التالية :
1. دلالة ذكر ابنيه الكسندر وروفس في الإنجيل
في العصور القديمة، لم يكن كُتاب الأناجيل يذكرون أسماء أشخاص هامشيين إلا إذا كان هؤلاء الأشخاص معروفين لدى الجمهور المستهدف:
· يقول القديس مرقس في إنجيله: "فسخّروا رجلا جازا كان آتياً من الحقل، وهو سمعان القيرواني أبو ألكسندر وروفس، ليحمل صليبه" (مرقس 15: 21).
· هذا التحديد "أبو ألكسندر وروفس" يعني أن القراء في ذلك الوقت (وخاصة في روما حيث كُتب إنجيل مرقس) كانوا يعرفون هذين الأخوين جيداً كأعضاء بارزين في الكنيسة.
2. روفس في رسالة بولس الرسول
يعتقد الكثير من المؤرخين والمفسرين أن "روفس" المذكور في الإنجيل هو نفسه الذي أرسل إليه الرسول بولس سلامًا خاصًا في رسالته إلى أهل رومية، حيث قال: "سلّموا على روفس المختار في الرب، وعلى أمه أمي" (رومية 16: 13).
· "المختار في الرب": لقب يدل على مكانة روحية عالية.
· ""أمه أمي": هذه عبارة مؤثرة جداً، تشير إلى أن زوجة سمعان القيرواني (أم روفس) كانت قد اعتنت بالرسول بولس لدرجة أنه اعتبرها كأمه. هذا يوحي بأن عائلة سمعان بالكامل تحولت إلى المسيحية وصارت ركيزة في الكنيسة الأولى.
3. هل كانت هذه هي "المكافأة"؟
اللاهوتيون يفسرون الأمر كالتالي:
· من الإكراه إلى النعمة: سمعان سُخر ليحمل خشبة، لكن هذه السخرة قادته وقادت عائلته إلى الإيمان. في المنظور الديني، أعظم مكافأة للإنسان هي الخلاص أو اهتداء عائلته.
· تخليد الاسم: بفضل تلك اللحظة التي أجبر فيها على حمل الصليب، خلدت الأناجيل اسمه واسم ولديه إلى الأبد، بينما نُسي أسماء الجنود الذين سخروه.
· المشاركة الوجدانية: يُعتبر سمعان أول "تلميذ" طبق وصية المسيح عمليًا: "من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني". هو حمل الصليب حرفياً قبل أن يحمله الآخرون روحيًا.
4. التراث والتقاليد
تذكر بعض التقاليد الكنسية أن:
· ألكسندر وروفس صارا مبشرين (رسلاً) في الكنيسة الأولى.
· يُعتقد أن ألكسندر استشهد في سبيل إيمانه لاحقاً، مما عزز مكانة العائلة كعائلة "شاهدة" للحق
ماذا يعلمنا سمعان القيرواني؟
هناك صلبان في حياتنا تُفرض علينا: ألم مفاجئ، مرض، خيبة، فقدان، ومسؤوليات ثقيلة، لكن الله قادر أن يُحول الاضطرار والاكراه إلى طاعة ونعمة وبركة، وتحولنا الى مؤمنين مختارين مكرمين
واخيرا فان القرب من يسوع يغير الانسان، وان كل خطوة مع الصليب تقود الى القيامة، وان الصليب يشفي قلوبنا، ومن يسير مع يسوع يسير معه وينقذه من هاوية المرض والفساد ولنصلي قائلين: يا رب، علّمنا أن نقبل الصليب الذي نُدعى إليه،،حتى وإن لم نختره، اعطنا قلب سِمعان القيرواني: قلبا يتحول من الاضطرار إلى المحبة، ومن الثقل إلى الرجاء. اجعل قربنا من صليبك يغيّر حياتنا، ويحول بيوتنا مثل بيت سِمعان، إلى بيوت إيمان، وسلام، وقيامة.
آمين.