موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مُقدّمة
في قرائتنا لهذا المقال الأسبوعي سنتوقف على موضوع كتابي بشكل متوازي جديد فيما بين العهدين. ففي العهد الأوّل سنتعمق في الأعمال الإلهيّة بحسب تاريخنا البشري لتتعرّرف على الرّبّ كـ "سيد القوة" إذ يفتتح أبواب ملكوته منذ البدء في التواصل بالإنسان. يعطينا مقالنا موضوع خاص يربط بين نص الحكيم بسفر الحكمة (حك 12: 13-19). على ضوء هذه الصفحة بسفر الحكمة سنلتقي من جديد بالعهد الثاني بجزء جديد من خطبة يسوع بالأمثال بحسب إنجيل متّى (مت 13: 24-43)، سيُعرفنا المعلّم على طريق جديد نتبعه معه ويقودنا هو نحوه. تتجسد في كلمات يسوع بالعهد الثاني، مفتاحًا تفسيريًا لأمثاله الثلاثيّة بحسب إنجيل متّى. سنرى كيف تتحدث إلينا ولوافعنا اليّوم عن عمل الله في تاريخنا، وبالتالي سنتمكن من تمييز وجود الملكوت في ظلّ الإلتزامات اليوميّة، لنسير بخطوات واضحة "نحو الملكوت" حيث نجد ثلاثيّة الأمثال الّتي تروي ذات الهدف: ففي المثل الأوّل يروي القمح والزؤان، ثمّ مثل حبة الخردل، ونختتم هذا النص بمثل الخميرة. هذا المقطع الإنجيلي يحمل الكثير من الصور الّتي يكشفها يسوع من خلال الأمثال. ونهدف من خلال هذا المقال أنّ تكتشف سرّ إلهي جديد حيث يعلن الرّبّ، اليّوم، الملكوت ليّ ولك من خلال تشبيهات وصور من حياتنا اليوميّة. نهدف من خلال هذا التوازي بين النصييّن، إلى تعلّم الإصغاء لكلمات الحكيم بالعهد الأوّل ولكلمات يسوع المعلّم لنخطو بخطوات ثابتة نحو الملكوت. هذا الإصغاء يتطلب منّا التحلي ببعض الصفات الّتي تساعدنا على هويّة الله في كلمته القديرة.
1. الخطوة الأولى: الله الآب (حك 12: 13- 19)
يكشف كاتب السفر الحكميّ، في النص المختار، سرّ جديد عن الله. يبدأ بتأكيد سِمّة "الفرادة" كسِمّة تنتمي للرّبّ فقط بحسب وصفه طـ "الفريد بين الآلهة" قائلاً: «إِذ لَيسَ سِواكَ إِلهٌ يَعتَني بجَميعِ النَّاس حَتَّى تُرِيَه أنّكَ لا تَحكُمُ حُكمَ الظّلْم ولَيسَ لِمَلِكٍ أَو سُلْطانٍ أَن يُجابِهَكَ [...] فأًنتَ تَسوسُ بِالعَدْلِ جَميعَ النَّاس [...] لأَنَّ قُوَّتَكَ هي مَبدَأ عَدلِكَ وبما أنّكَ تَسودُ الجَميع فأَنتَ تُشفِقُ على جَميعِ النَّاس [...] تَسودُ قُوَّتَكَ فتَحكُمُ بِالرِّفْق مَتى شِئتَ [...] وبِأَعمالِكَ هذه علَّمتَ شَعبَكَ [...] وجَعَلتَ لأًبنائك رَجاءً حَسَنًا لأنكَ تَمنَحُ التَوبَةَ عنِ الخَطايا» (12: 13-19). سنتوقف في هذا المقال على الكلمات الأخيرة بالنصّ. بعد أنّ عَدّدّ الكثير من السمات الإلهيّة وهي المختفيّة عن عين الإنسان وفكره البشري المحدود. يختتم الكاتب بنظرته لله الغير مرئي كأب يرافق مسيرة أبناءه والسبب هو إنّه يتحمل مسئوليتهم في قيادتهم نحو الملكوت الخفي حينما يعلن لفظ "الرجاء الحسن" وهذا الرجاء يتجسد في منح الله نعمة الغفران حينما يتوب الأبناء فتتجسد فضيلة الرجاء الأعظم أمامهم.
حقيقة الله الّذي تختفي فيه كل الفضائل وخاصة قلب الآب الّذي يمنح الغفران لأبنائه كأول خطوة للتقدم نحو الملكوت الإلهي بينما لازلنا كبشريين نحيا حياتنا الأرضيّة. في هذا النص الأوّل، يدعونا للتعرف على وجه الله كآب لنبدأ في رفقته مسيرتنا نحو الملكوت.
2. الخطوة الثانية: الإصغاء للمعلّم (مت 13: 24- 43)
سنتطرق الآن، على ضوء الله الآب الّي يرافقنا كابناء نحو الملكوت، إلى شرح يسوع سرّ الملكوت الإلهيّ، بحسب إنجيل متّى من خلال خطبة الأمثال. كاتب الإنجيل الأوّل هو يهوديّ الأصل، ببراعبته طبقَّ على يسوع ما إقتبسه من كلمات المزمور 78 القائل: «أَصغِ يا شَعْبي إِلى شَريعَتي أَمِلْ أُذَنيكَ إِلى أَقْوالِ فَمي. أَفتَحُ فَمي بِالأَمْثال [...] ما سَمِعْناه وعَرَفْناه وما أَخبَرَنا به آباؤنا لا نَكتُمُه عن بَنيهم بل نُخبِرُ بِه الجيلَ الآتي» (مز 78: 1-4). تنكشف من خلال أمثال وتشبيهات يسوع بحسب الإنجيل الأوّل الّتي من خلالها نتعرف على بعض أشياء الخفية. فما هي وما أهميتها لنا في مسيرتنا الإيمانيّة اليّوم؟ للإجابة على هذا التساؤل، نصغي معًا إلى تشيهات ثلاث استخدمها يسوع من خلال ثلاث صور كانت ولازالت ترافق الحياة البشريّة وهي وجه لبدء الحياة من خلال تشبيهات ثلاث مأخوذة من الحياة الزراعية الّتي عاشها بني إسرائيل ولا يمكن الإستغناء عنها حتى وأنّ لم يعيشها الكثيرين على السمتوى الأوّل من حياتهم. مدعوين لـ "نسمع" هذه التشبيهات الثلاث، حتى يمكننا أن نكتشف عن الأسرّار الإلهيّة الخفيّة منذ تأسيس العالم لفهمها. علينا من خلال السمع لهذه التشبيهات الثلاث لنعرف جوهر «الملكوت المهيأ ... منذ تأسيس العالم» (مت 25: 34). ملكوت الله، وسيادته على العالم، سيستمر عبر التاريخ، على كلّ إنسان بالبشريّة فهو الـمُؤتمن على هذه الأسرار الإلهيّة الّتي سينكشف الملكوت من خلال هذه التشبيهات الثلاث البسيطة، الّتي أصبحت تجسيدًا لها.
1.1. التشبيه الأوّل: "القمح والزؤان" (13: 24- 30)
بادئ ذي بدء، البذرة الصالحة التي يزرعها الإنسان (آآ 24-30)، قارن يسوع ملكوت السموات بالعمل الّذي يقوم به الإنسان- الـمُزارع وهو إلقاء البذور بالأرض. لكن هناك تفصيلاً في هذا العمل جزء منه، وجود العدو وزؤانه الّذي لا بد وأنّ ينمو مع الحنطة الجيدة حتى يوم الحصاد. تتضح سمة ملكوت السموات في هذا التعبير النمو معًا. إذا أردنا التعرف على الملكوت، فلا يمكننا تجاهل هذا الجانب. لا نجده أبدًا في حالتها النقية، فهو يظهر دائمًا في أحداث التاريخ، في مسيرة كنائسنا الـمُهنكة، في حياة كل إمرأة ورجل، في كل ثقافة وفي كل عصر. ينمو ملكوت السموات من خلال سمتيّ الإنتظار والصبر في حياة أولئك الّذين يعرفون كيف يتعرفون عليه، يعرفون كيف يجنون ثماره، ويعرفون كيف ينتظرون، ويتركون الوقت أيّ الوقت المناسب لكل شيء حتى يصل إلى مرحلة النضج وهنا نفاجأ بأن البذرة الصالحة التي يزرعها الإنسان تُنتج القمح (مت 13: 24-30).
1.2. التشبيه الثاني: "حبة الخردل" (مت 13: 31-32)
الصورة الثانية هي حبة الخردل الّتي يلقيها الزارع في حقله منتظراً الحصاد (آآ 31-32). يُشبيه يسوع ملكوت السموات من جديد بعمل البذر. بالرغم من أنّ حبة الخردل، بذرة صغيرة جدًا تضيع في الأرض وتختفي من عين الزارع الذي يضعها في الأرض. إلّا أن ملكوت السموات مثل هذه البذرة الصغيرة التي تنتشر بين الأرض والحجارة، يصعب رؤيته، ولكنه يصبح شجرة كبيرة قادرة على إستضافة الطيور في الهواء بين فروعها. يشبه ملكوت السموات هذا البذر الغير مرئي. هذه البذرة لقد تمّ أُلقائها ولا يمكن رؤيتها، لكنها موجودة وستجلب حياة غير متوقعة. سوف تظهر حيث كان يُعتقد أنه لا يوجد شيء، وسوف يزدهر بشكل جميل. وهذا هو السرّ الإلهي إذ ينمو ملكوت السماوات في صغره حيث يتمّ التّعرف عليه، ويُعرف كيف يُحصد ثماره، ومَن يقدر على إدراك القليل غير المرئي للعيون، أيّ الأساسي القادر على إحداث فرق.
1.3. التشبيه الثالث: "الخميرة" (مت 13: 33)
الصورة الثالثة هي الخميرة الّتي تمزجها المرأة بالدقيق وتخفيها فيه (آية 33). يمكن مقارنة ملكوت السموات بامرأة تخفي الخميرة في ثلاثة مقاييس من الدقيق، بحيث يتخمر كل شيء. أيضًا في هذه الحالة نتحدث عن حقيقة مختفيّة عن الأنظار، وهي اختلاط الخميرة في العجين. إن الواقع الذي يمكن ليسوع مقارنة الملكوت به لا يزال عملاً وليس شيئًا، هنا يتم التأكيد بشكل خاص على الغرض من هذا الإجراء، أنّ يتخمر كل الدقيق. إذا تم التأكيد في مثل حبة الخردل على النتيجة غير المتوقعة لإنبات مثل هذه البذرة الصغيرة، فقد تم التأكيد الآن على أن الغرض هو تخمير كل الدقيق، الذي يمثل غالبية المقدار مقارنة بصغر الخميرة.
3. منطق الصِغّر (حك 12: 13- 19، مت 13: 24- 45)
الواقع الصغير، الذي يبدو غير مرئي وهو الله الآب بحسب كاتب سفر الحكمة، يتجدد سطحيًا بما غير مهم في حد ذاته في التشبيهات الثلاث ويحملان في ذات الوقت رمزيّة عن يسوع ذاته. نعم يسوع هو، في ذات الوقت، في خدمة الكل، بحيث يتخمر كل شيء. هو ملكوت السموات المدفون بالقرب منا بل داخل كلّاً منّا، يختلط بشؤوننا البشرية، لا ينفصل عنّا. يعبر الملكوت الصغير عن وجه إله الكتاب المقدس بعهديّه. فهو إله ربط تاريخه بشكل لا رجعة فيه عن تاريخنا البشري. هذا العمل الإلهي الذي يمكن مقارنة ملكوت السموات به هو لمسة الله القادرة على تخمير تاريخنا الصغير بنعمة حضوره فيه كخميرة، وإثمار ثلاثون وستون ومئة بفضل موته كبذرة في حياتنا. لن نتمكن أبدًا من تحديد مكان الـملكوت ولا يمكننا تحديد مكانه، لأنه موجود في كل زمان وفي كل مكان وبداخلنا. يعني الملكوت بتعبير بسيط تَّخَمُر الحياة. ينمو ملكوت السموات في الاختباء ويعرف كيف يتعرف عليه ويعرف كيف يُقطف ثماره، ومَن يقدر على إدراك وجوده في كل مكان، حتى لو كان مختبئًا، مَن لا يبني الأسوار والحواجز، الحدود التي تفصل العالم إلى قسمين .يمكننا التوصل إلى هذه الحقيقة إذا عرفنا كيف نستمع إلى كلمة يسوع بالإمثال الثلاث هذه، فلا يمكننا أن نفشل في إدراك أن هذه الأمثال الثلاثة هي في الأساس ثلاث ضربات للفرشاة الإلهيّة الّتي ترغب في أنّ ترسم وجهه فهو الّذي جسّد الملكوت. في التشبيهات الثلاث التي يُقارن بها ملكوت السموات، يظهر وجه يسوع نفسه، إنه ملكوت الله الحاضر بيننا. نكتشف أنّ ملكوت السموات ليس شيئًا ينتظرنا فقط في نهاية التاريخ، بل هو بالأحرى حضور يمكننا تمييزه بيننا متى إنفتحنا عليه كأبناء.
الخلّاصّة
في الصبر والصغر والاختباء نرى سمات وجود الله الآب الّذي يرافقنا كأبناءه، ونرى سمات يسوع اّلذي إختتم هذا التعليم بقوله لتلاميذه «لِذلكَ كُلُّ كاتِبٍ تَتَلمَذَ لِمَلكوتِ السَّمَوات يُشبِهُ رَبَّ بَيتٍ يُخرِجُ مِن كَنزِه كُلَّ جَديدٍ وقَديم» (مت 13: 52). مدعوين الآن، على ضوء كلمات كاتب السفر الحكمي (12: 13- 19) وكاتب الإنجيل الأوّل (مت 13: 23- 43) بأنّ نقبل أنّ نُخرج كل ما لدينا لنشاركه مع الآخرين، معًا نذهب إلى الملكوت. فقد شاركنا الله، آب وابن ورّوح قدس، تاريخنا. وزرع بياتنا ما لا يُرى من أبدي، رافقنا ويرافقنا في دروبنا، يعلّمنا ويشفينا في سريّة تامة. أخفى حياته في هذا العالم، لكي يتخمر هو خميرتنا، في كل شيء وهو بذرتنا الّتي ماتت ليؤتي بثماره ليغذينا. لقد ترك لنا طريقة حية لنذهب بصمود نحوه أيّ نحو الملكوت من خلال التشبيهات والتوبة. علمنا في الحب طريقة العدالة الحقيقية لأننا أيضًا نعرف كيف نجعل الملكوت يزدهر في الصبر، والصغر، والاختفاء. حينما أراد الله أن يحفظ حياته فألقاها في حياتنا لنحيا به ويحيا هو فينا. دُمتم في مسيرة دائمة، أيّها الأفاضل، في سيّر بدون توقف نحو الملكوت.