موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٥ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

من المَنّ إلى الـARTOS الحقيقي: بين كاتبي سفر التثنية والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تث 8: 1-16؛ يو 6: 51-58)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تث 8: 1-16؛ يو 6: 51-58)

 

عيد جسد الرب ودمه (أ)

 

الـمُقدّمة

 

نستمرّ في سلسلتنا الكتابيّة فيما بين العهدين، ساعين إلى النموّ الروحيّ والإيمانيّ في علاقتنا مع الربّ من خلال كلمته. وفي هذا المقال سنتوقّف عند نصَّين يدعوانا إلى التعمّق في احتفالنا بعيد جسد الربّ ودمه. وسنبحث عن إجابة لتساؤلٍ مهمّ: ما الذي يُغذّي المؤمن بالربّ حقًّا؟ فهذا هو السؤال الجوهريّ الذي يدور حوله نصّ مقالنا.

 

في العهد الأوّل، ومن خلال سفر التثنية (8: 1-16)، يترك الله علامة حضوره الحيّ، مُشبعًا شعبه بالخبز النازل من السماء، أي المنّ الذي لم يعرفه أحد من قبل. أمّا في العهد الجديد، فسنتناول بعض الآيات من الإنجيل بحسب يوحنّا (6: 51-58)، حيث يضع الإنجيليّ في محور اهتمامنا البُعد الجديد والجوهريّ في تعليم يسوع: الكلمة والخبز معًا. فمن خلالهما يكشف الربّ مجدّدًا عن عطاياه في حضور ابنه، الذي يقودنا إلى النموّ والانتقال من المنّ الذي أطعم شعبه جسديًّا في العهد القديم، والذي ماتوا بعد أن أكلوه، إلى جسد الابن ودمه اللذين يُطعماننا في العهد الجديد حياةً أبديّة.

 

إنّنا مدعوّون إلى أن نتوقّف، فنشبع ونواصل انفتاحنا على سرّ الله في كلمته، ذلك الإله الذي، بعنايته الأبويّة والأموميّة، لا يزال يقرع أبواب حياتنا. فهو يمنحنا حبّه الذي لا ينتهي من خلال جسد ابنه ودمه، وينطق بكلمته الأخيرة فينا، ليهبنا الحياة الأبديّة الساكنة في قلوبنا إلى الأبد.

 

 

1. الـمَنُّ العلائقيّ "الكلمة" (تث 8: 2-3؛ 14-16)

 

بحثًا عن إجابة للتساؤل الذي طرحناه سابقًا: «ما الذي يُغذّي الإنسان حقًّا؟»، تأتينا الإجابة الأولى من خلال كلمات كاتب سفر التثنية، الذي يعلن علاقة الله بالشعب في الماضي، إذ يكشف مستخدمًا صيغة الأمر الجمعيّة، مخاطبًا الشعب المنتمي للربّ، لينبّهنا قائلاً: «ِحرِصوا أَنْ تَعمَلوا بِكُلِّ الوَصِيَّةِ الَّتي آمُرُكَ بِها اليَومَ، لِكَي تَحْيَوا وتَكثُروا وتَدخُلوا وتَرِثوا الأَرضَ الَّتي أَقسَمَ الرَّبُّ عَلَيها لآبائِكم» (تث 8: 1).

 

ثم تأتي كلماته بصيغة فرديّة، مستخدمًا فعل الأمر أيضًا، قائلاً: «واذكُرْ كُلَّ الطَّريقِ الَّتي سَيَّرَكَ فيها الرَّبُّ إِلهُكَ في البَرِّيَّةِ هذه السِّنينَ الأَربَعين، لِيُذَلِّلَكَ ويَمتَحِنَكَ لِيَعرِفَ ما في قَلبِكَ، هل تَحفَظُ وَصاياه أَم لا. فذلَّلَكَ وأَجاعَكَ وأَطعَمَكَ المَنَّ الَّذي لم تَعرِفْه أَنتَ ولا عَرَفَه آباؤكَ، لِكَي يُعْلِمَكَ أَنَّه لا بِالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان» (تث 8: 2-3).

 

فالذاكرة هي كنز كل إنسان، بها يرى أعمال الله العظيمة في حياته الماضية، لينطلق نحو المستقبل بثبات. إنّ الربّ الخالق يرافق الإنسان المخلوق، أنا وأنت، ليعلّمنا الحقيقة الجوهريّة: أنّ حياتنا لا تعتمد على ما نأكله جسديًّا فقط، أي ما يدخل إلى أفواهنا، بل على ما يدخل إلى آذاننا من كلمة إلهيّة تمنح حياتنا معنى وتُضفي عليها حياة حقيقيّة.

 

ويستمرّ الكاتب في الكشف عن الجديد، وهو «مَنّ العلاقة مع الربّ»، إذ تصبح كلمته سبب حياتنا لا العكس. هكذا يكشف الربّ عن ذاته في خبرة الشعب، فيدخلهم إلى عمق علاقته الإلهيّة. ويستعيد الكاتب بعض الأحداث التي عاشها الشعب، ولا سيّما في تحذيره من النسيان، إذ إنّ ذاكرة الإنسان هشّة، فيقول: «تَنَبَّهْ لِئَلّا تَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ، غَيْرَ حافِظٍ لِوَصاياه وأَحْكامِه وفَرائِضِه الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَوم، مَخافةَ أَنَّكَ، إِذا أَكَلتَ وشَبِعتَ وبَنيتَ بُيوتًا جَميلةً وسَكَنتَها» (تث 8: 11-12).

 

نعم، حين نتمتّع بالعمل لا البطالة، وبالسكن والطعام والاستقرار... ندعى إلى التنبّه، لأنّنا قد ننسى الهبات الإلهيّة. بل نحن مدعوّون في هذا الوقت تحديدًا إلى الاستمرار في العلاقة مع الربّ، والإصغاء إلى توجيهاته، معطين الأولويّة لكلمته لا لكلمتنا، مدركين أنّ الربّ هو المُحسن والمُعطي لكلّ ما هو ماديّ وأبديّ: «وأَطعَمَكَ في البَرِّيَّةِ المَنَّ الَّذي لم يَعرِفْه آباؤكَ، لِيُذَلِّلَكَ ويَمتَحِنَكَ، لِيُحسِنَ إِلَيكَ في آخِرَتِكَ» (تث 8: 16).

 

لكن، كما سنرى لاحقًا في كلمات يسوع، فإنّ آباءنا أكلوا وماتوا، بينما الربّ المُعطي يريد أن يمنحنا ما هو أبديّ لا يزول. وهذا ما يدفعنا إلى الانتقال من المنّ الزائل إلى الخبز السماوي الذي لا نهاية له.

 

 

2. خبز الحياة (يو 6: 51-58)

 

 

من جديد يحمل يسوع الجديد من العطايا الأبديّة، للجمع والتلاميذ ولنا اليوم، بتعليمٍ مميّز في مدرسته، في مجمع كفرناحوم، كما ينوه الكاتب في ختام المقطع قائلاً: «قالَ [يسوع] هذا وهو يُعلِّمُ في المَجمَعِ في كَفَرْناحوم» (يو 6: 59).

 

لذا نحن مدعوون للدخول في مدرسة يسوع، لنصغي إلى تعليمه، حيث يأتي إلى أماكننا ويحاور حياتنا لنكون له وفي ما هو للربّ. ما الذي يُغذّي المؤمن حقًّا؟ هذا هو السؤال الجوهريّ الذي يدور حوله نصّ الإنجيل اليوحنّاويّ، والفصل السادس من إنجيل يوحنّا بأكمله المخصّص لموضوع «خبز الحياة». إنه سؤال يمسّ حياتنا كمؤمنين بشكل مباشر، حتى في أبسط جوانبها وأكثرها شيوعًا: قراراتنا، أولوياتنا، مساعينا، انفتاحنا وانغلاقنا.

 

في آيات هذا المقطع الإنجيليّ، يؤكّد يسوع أنّ ما يُغذّي الإنسان حقًّا هو من الله، وهو الذي يُعطي الحياة للعالم. هاتان العبارتان يمكننا محاولة تحليلهما لتفسيرهما وفهمهما بشكل أفضل.

 

2.1. الـمُعطي الحقيقي (يو 6: 58- 58)

 

أولًا، يؤكّد يسوع أنّ ما يُغذّينا حقًّا لا يأتي منّا. ومن جهة، هذا ليس غريبًا؛ حتى في حياتنا اليوميّة، ما نحتاجه لا يأتي منّا، بل هو هبة نتلقّاها من الربّ مجّانًا. بالطبع، هناك أيضًا مساهمتنا وعملنا، ولكن كيف يمكننا أن نغفل أننا نعيش «بالهبة»، أي «بالنعمة»؟

 

إنه فخّ الوهم، بل هو وهم حين نعتقد أنّنا نستطيع توفير احتياجات وضمانات حياتنا، وأن ننسى المُعطي لنظنّ أننا مكتفون ذاتيًّا. «كما أنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني، وأَنِّي أَحْيا بِالآب، فكذلك الذي يأكُلُني سيَحْيا بي. هذا هو الخبزُ الذي نزلَ من السماء، لا كَالذي أكله آباؤكم ثم ماتوا. مَن يأكُلْ هذا الخبز يَحْيا إلى الأبد» (يو 6: 57-58).

 

نحن مدعوون ألّا نفكّر فقط في أعمال الربّ العجائبيّة، بل أيضًا في الذين يسمح لنا بلقائهم، مثل جميع النساء والرجال والأطفال من حولنا، الذين يقدّمون لنا حقًّا معنى الحياة ويُشبعون جوعنا.

 

يؤكّد يسوع أنّ ما يغذّينا بعمق، وما يبقينا على قيد الحياة، ليس التغذية الجسديّة أو البيولوجيّة فحسب، بل ما نتعرّف عليه ونقبله بشكر من يد الله. لا نعيش كبشر على الخبز الماديّ فقط، بل بالأحرى على كل ما يخرج من فم الربّ، أي كلمته التي تُحيي (راجع مز 119: 50).

 

2.2. الخبز الحيّ (يو 6: 51- 58)

 

ثانيًا، يؤكّد يسوع أنّ الخبز الذي يأتي من الله هو «الذي نزل من السماء وواهب الحياة للعالم». طعام الله، أي ما يُغذّي الإنسان حقًّا، هو منح ملء الحياة، فالله يُغذّي بمنح الحياة. ويتجلّى هذا في يسوع نفسه، فنحن نتغذّى بالحبّ وحده، لا أي حبّ، بل حبّ الله.

 

إنه حبّ غير متناقض كالحبّ البشريّ، بل هو هبة مجانيّة، لأنّه: «هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد» (يو 3: 16). هذا التأكيد الثاني ليسوع متجذّر أيضًا في حياتنا البشريّة؛ فنحن جميعًا نرى مدى حاجتنا إلى الحبّ، ومدى حزن من لا يُحبّون أحدًا ولا يُحبّهم أحد.

 

إنه نقص يصل أحيانًا إلى حدّ «تشويه» الوجه والجسد بشكل لا لبس فيه. حسنًا، الله يُغذّي حياتنا حقًّا من خلال يسوع، الذي يهب الحياة للعالم.

 

لقد اختبر شعب الله في علاقته مع الربّ في تاريخه الماضي، كما رأينا أعلاه في قراءة العهد القديم (تث 8: 1-14)، في الصحراء، عندما أنزل الله عليهم المنّ (راجع خر 16: 4 «خبز من السماء»)، والسلوى (راجع خر 16: 13)، وتفجير الماء من الصخر (راجع خر 17: 6).

 

ولكن أمام هذا الطعام والشراب الممنوح من الربّ بحبّ ومجّانية، يدعونا التاريخ العلاقيّ إلى التذكّر، وهذا أمر جوهريّ: «واذكُرْ كُلَّ الطَّريقِ الَّتي سَيَّرَكَ فيها الرَّبُّ إِلهُكَ [...] وأَطعَمَكَ المَنَّ الَّذي لم تَعرِفْه أَنتَ ولا عَرَفَه آباؤكَ، لِيُعْلِمَكَ أَنَّه لا بِالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان» (تث 8: 3).

 

فالإنسان لا يعيش على الطعام الماديّ فحسب، بل على ما يخرج من فم الربّ، أي كلمته التي تُحيي (راجع مز 119: 50). وهذا هو جوهر الطعام الحقيقيّ الذي يدعونا إليه الإنجيليّ من خلال تعليم يسوع عن الـ ARTOS، أي الخبز الحقيقيّ في جذوره اليونانيّة:

 

«إِنَّ الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماءِ هو الذي يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، من يأكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي سأُعطيه أنا هو جسدي الذي أبذله ليحيا العالم» (يو 6: 51-52).

 

 

3. الــ ARTOS الحقيقي (يو 6: 51-58)

 

نحن في أسرنا نهتمّ بتوفير الطعام والخبز الماديَّين لأبنائنا، فهل يكفي ذلك ليتنعّموا بالحياة الأبديّة؟ وهل نوفّر لهم حقًّا الطعام الجوهريّ؟ في كلّ مرّة نلتقي فيها بالربّ، يتعلّم أبناؤنا ممّا نفعله ويحتذون بنا. وهنا يعلن يسوع هويّته الحقّة قائلاً: «أَنا خُبزُ الحَياة [...] إِنَّ الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماءِ [...] أَنا الخبزُ الحَيُّ» (يو 6: 48-51).

 

إذًا، إنّ التعرّف إلى هويّة يسوع الحقّة وقبوله كغذاء أبديّ في كلّ مرّة نمارس فيها سرّ الإفخارستيا المقدّس، يجعلنا ندرك أنّنا ندخل في الحياة الأبديّة ونحن بعدُ هنا على الأرض. لأنّ يسوع، «كلمة الله»، هو الذي يكشف من جديد كلمة الربّ، ليس فقط بسماعها أو بقراءتها، بل بالاتّحاد الكامل بابنه الإلهيّ، حينما سلّم ذاته في الخبز والخمر، أي جسده ودمه المقدّسين.

 

وهنا نفهم بعمق كلمات يسوع التعليميّة: «آباؤُكُم أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّة ثُمَّ ماتوا. هذا هو الخبزُ الذي يأكُلُ منه الإنسانُ ولا يموت. مَن نزل من السماء من هذا الخبز يَحْيَ إلى الأبد. والخبزُ الذي سأُعطيه أنا هو جسدي أبذله ليحيا العالم [...] مَن أَكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبديّة، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير. لأنّ جسدي طعامٌ حقّ ودمّي شرابٌ حقّ. مَن أكل جسدي وشرب دمي ثبت فيّ وثبتُّ فيه» (يو 6: 52-56).

 

يسوع هو خبز الله. إنّه خبزٌ تتجاوز خميرته مجرّد الغذاء الماديّ، إذ يعمل على تنمية حياتنا الروحيّة. لم يتوقّف الله عن كونه خبّازًا؛ بل يريد أن يواصل إطعام العالم بنا، جاعلاً منّي ومنك خبزه القادر على الاستمرار في منح الحياة لمن حولنا.

 

إذًا، الاختيار لنا، لك ولي، لنستمر في عيش حضور الربّ الحقيقي في عالمنا، هنا والآن، في كلّ مرّة نتقدّم فيها لنقبل سرّ حبّه الإفخارستيّ. فالـARTOS الحقيقي، أي الخبز السماوي، يُعلن في الكتب المقدّسة وفي جسد ودم الربّ.

 

 

الخلّاصة

 

ناقشنا في هذا المقال هذا الإعلان الحيّ النابع من حبٍّ إلهيّ لا يُوصف لكلٍّ منا كمؤمنين. ففي العهد القديم، بحسب كاتب سفر التثنية (8: 1-14)، تتبّعنا كيف أنّ الإنسان لا يستطيع أن يحيا معتمدًا فقط على الخبز الجسديّ، بل عليه بالأحرى أن يتذكّر ولا ينسى كلمات الربّ التي ينطق بها، لأنّها هي أساس الحياة الحقّة.

 

وبالتوازي مع هذا النص، تعمّقنا في تعليم يسوع بحسب إنجيل يوحنّا (6: 51-58)، فهو «الخبز الحيّ»، «الخبز الحقيقيّ»، «الخبز النازل من السماء»... الذي أعطانا ذاته ليضمن لنا حياة أبديّة وحقيقيّة من خلال جسده ودمه المقدّسين.

 

نحن مدعوّون كمؤمنين إلى الاستمرار في الاتحاد بالربّ، مؤمنين بأنّ مشاركتنا في جسد المسيح ودمه لا تهدف إلا إلى تحويلنا إلى ما نتناوله، أي أن نصير على مثال يسوع ذاته.

 

دمتم في اتحادٍ دائمٍ مع الربّ، الذي يتجسّد في الإصغاء لكلمته الإلهيّة وفي قبول جسد ودم يسوع.

 

عيدٌ مبارك.