موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الحادي عشر من الزمن العادي (أ)
المقدّمة
"أين اسمي؟" هو العنوان الذي أعطيناه لهذا المقال، وسنبحث عن إجابته من خلال مقطعي العهدين. ففي العهد القديم سنناقش لقاءً شخصيًا بين الله وموسى من خلال سفر الخروج (19: 1-6)، حيث ينادي الرب موسى ليعلن له الجديد في عهده مع الشعب. فالرب كان يُسمَع ولا يُرى في العهد القديم، لذا كانت وساطة الإنسان الذي يختاره الرب ضرورة.
أمّا في العهد الجديد فسنناقش نصًا يتوازى مع نص سفر الخروج، حيث يقدم لنا كاتب الإنجيل المتّاوي (9: 36-10: 8) يسوع وهو يبادر داعيًا رسله كلًّا منهم باسمه، ليؤهلهم للرسالة التي افتتحها في الإصحاحات السابقة، وجوهرها إعلان ملكوت الله. نهدف من خلال هذا المقال إلى البحث عن أسمائنا في إطار العلاقة الشخصية والحميمية التي تنمو في لقاءاتنا مع الرب، فنصير حينئذٍ رسلًا ننعم بسخاء النعمة الإلهية.
1. موسى وأنا! (خر 19: 1-6)
يرافقنا سرد كاتب سفر الخروج الذي روى أحداث العبور القوية. فبعد أن أتمّ الرب عمله العظيم بيده القديرة، أي انتقال بني إسرائيل من العبودية إلى الحرية بخروجهم من أرض مصر، يستمر الكاتب في رواية أحداث جديدة، إذ إن عمل الرب ورعايته للشعب ولنا اليوم لن ينتهيا، فهو بمثابة أب وأم معًا.
يروي تفاصيل حدث خاص من حيث الزمان والمكان: «في الشهر الثالث لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في ذلك اليوم، وصلوا إلى برية سيناء... هناك خيّم إسرائيل تجاه الجبل» (خر 19: 1-2). ها نحن بعد ثلاثة أشهر في مسيرة ترحال، وبالقرب من جبل سيناء، مدعوون مع الشعب إلى التوقف قليلًا ونصب خيامنا، إذ إن للرب خطة لتعميق علاقتنا به.
من خلال لقاء شخصي بين موسى والرب، تظهر أسماء بشرية تحمل معنى الوساطة بين الله والبشر، سواء في جماعة كنسية أو أسرة أو جماعة مؤمنين (أطفال، شباب، نساء، ناضجون...). هناك شخص بالاسم—موسى في هذا المقطع—يتمتع بدور وساطي بين الرب وبني إسرائيل.
يتقدم موسى للقاء الرب على جبل سيناء، فتأتي رسالة الرب لشعبه من خلاله قائلًا: «هكذا تقول لآل يعقوب وتخبر بني إسرائيل...» (خر 19: 3-6).
هذا هو تجديد وعد الله بالعهد، حيث يختار شخصية بشرية، قد تكون أنا أو أنت بالاسم، لنكون قنوات له في عالمنا البشري، فتستمر رعاية الله مجددًا عهده أن يكون إلهًا لبشريتنا من خلالنا. ما علينا إلا أن ننفتح ونقبل هذا اللقاء بالاسم، وأن نسعى لأن تكون لقاءاتنا مع الرب مدخلًا لرسالة نحملها لمن حولنا.
2. نظرة الشفقة (مت 9: 36-38)
يروي الإنجيلي، بناءً على ما سبق في سفر الخروج، كيف استمر موسى كوسيط بين الرب والشعب، فاستمر تجديد العهد الإلهي بعد انتهاء حقبة البطاركة.
وفي العهد الجديد، نجد أن الوساطة لم تنتهِ، بل بادر الله بنفسه فأرسل ابنه ليكشف عن محبته وعهده بشكل أبدي. بحسب الرواية المتّاوية، وبعد سلسلة المعجزات، يتوقف السرد ليكشف لنا ما يحمله قلب يسوع، قائلًا:
«وكان يسوع يسير في جميع المدن والقرى... فلما رأى الجموع تحنن عليهم...» (مت 9: 35-38).
يقدم متّى خلاصة الإصحاحين السابقين عبر أفعال الحركة (يسير، يشفي) التي تدل على اقتراب يسوع من الإنسان، وأفعال التعليم (يعلم، يعلن) التي ترافق أفعاله.
لكن الأهم هو نظرة الشفقة التي تكشف أن يسوع يقترب من كل واحد منا، وهو منغمس في أتعابه اليومية. إنها نظرة محبة حقيقية تدعونا إلى قبول الحب الإلهي الذي يسكبه الله علينا.
3. السلطان الإلهي (مت 10: 1-3)
يستمر يسوع في حواره الحميمي مع تلاميذه، وهنا يطلق عليهم متّى اسم «رسل»، وهم يمثلوننا اليوم، نحن المؤمنين المدعوين لمرافقته وحمل رسالته.
من الجميل أن متّى يذكر اسمه بين أسماء الرسل، دون أن ينسى ماضيه كـ«متّى الجابي» (مت 10: 3)، في إشارة إلى التحول الذي يصنعه اللقاء بالمسيح.
ويعلن الإنجيلي: «دعا يسوع تلاميذه الاثني عشر، فأولاهم سلطانًا...» (مت 10: 1).
هذا السلطان الإلهي يشارك به الابن خاصته ليقوموا بأعمال الخلاص: الشفاء الجسدي والروحي معًا. نحن مدعوون لوضع أسمائنا بين أسماء الرسل، وفتح قلوبنا لفهم الرسالة التي يوجهها الرب لكل واحد منا اليوم.
4. أين اسمي؟ (مت 10: 4-8)
يستمر الإنجيلي في الإشارة إلى دعوة يسوع لخاصته بالاسم، كما في سفر الخروج حيث دعا الرب شعبه «خاصته». وهذا يدل على أن يسوع هو الوسيط الإلهي والإنساني معًا، الذي ينادي كل واحد منا باسمه.
وترد قائمة أسماء الرسل بحسب متّى (مت 10: 3-4...)
الاسم في الكتاب المقدس يشير إلى كيان الإنسان بالكامل: شخصيته، صفاته، وملامحه. وهو هنا يعبّر عن جوهر الرسالة التي يُدعى إليها المرسل من قبل الرب.
فالإنسان المؤمن مدعو لأن يحمل اسم مرسله، أي أن يعيش انتماءه للمسيح في العالم. وهكذا تصبح أسماؤنا جزءًا من رسالة المسيح المنتشرة في العالم.
ويأتي السلطان نفسه الذي ناله يسوع، ليقول لنا: «اذهبوا... أعلنوا أن ملكوت السماوات قد اقترب...» (مت 10: 5-8).
نحن مدعوون إلى إعلان الملكوت، وإلى ممارسة أعمال الرحمة مجانًا كما نلنا مجانًا. وهكذا ندخل في دينامية الملكوت، حيث نجد أسماءنا ضمن أسماء الرسل.
الخلاصة
بحثنا في هذا المقال عن إجابة سؤال: "أين اسمي؟" لنكون مسيحيين حقيقيين. في العهد القديم تأملنا في موسى الذي دعاه الرب إلى لقاء شخصي على جبل سيناء (خر 19: 1-6)، وفي العهد الجديد رأينا كيف دعا يسوع رسله بأسمائهم ليحملوا رسالة الملكوت.
مدعوون لأن نقبل دعوة الله كما قبلها موسى، فنصعد إلى الجبل للقاء الرب شخصيًا، ثم ننزل إلى العالم لننشر عبير الملكوت. وهكذا يرتبط اسمنا بشخص المسيح الذي ننتمي إليه.
دامت أسماؤنا حية في رسالة الرب يومًا بعد يوم.