موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الإنجيلي (متى 4: 1-11)
1 ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. 2 فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع. 3 فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له: ((إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة)). 4 فأَجابَه: ((مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله)). 5 فمَضى بِه إِبليسُ إلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل، 6 وقالَ لَه: ((إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: ((يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ)). 7 فقالَ له يسوع ((مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ)). 8 ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، 9 وقالَ له: ((أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً)). 10 فقالَ له يسوع: ((اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وإيَّاهُ وَحدَه تَعبُد)). 11 ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه.
مقدمة
يصف نص إنجيل متى (متى 4: 1-11) مشهد تجارب يسوع التي تركز على مواجهة مغريات الشَيطان التي تُبعده عن الله أبيه السماوي وخطة الخلاص. وبما أنَّ رسالة المسيح هي الفداء والخلاص، أصبح الدخول في صراع مع الشَيطان الذي يريد هلاك الإنسان امرأً حتميًا، كما جاء في تعليم بطرس الرسول "إِنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه" (1 بطرس 5: 8). لذا تحتل التَجرِبة دورًا رئيسيًا في خلاصنا، إذ يتوجب على كل مسيحي كابن لله بالمعمودية أن ينتصر على التَجرِبة، كما انتصر المسيح بطاعته، وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول "كما أَنَّه بِمَعصِيَةِ إِنسانٍ واحِدٍ جُعِلَت جَماعةُ النَّاسِ خاطِئَة، فكَذلِكَ بِطاعةِ واحِدٍ تُجعَلُ جَماعةُ النَّاسِ بارَّة" (رومة 5: 19)، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (متى 4: 1-11)
1 ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس
تشير عبارة "ثُمَّ" في اليونانية Τότε إلى صلة بين فقرتين: فقرة سابقة تدور حول المعمودية (متى 3: 13 – 17)، وفقرة لاحقة تدور حول التَجرِبة (متى 4: 1-11). بعد خبرة عماد يسوع في نهر الأردن، يخرج يسوع من النهر ممتلئاً من الرُّوح القدس، والرُّوح القدس ذاته يقوده إلى البَرِّيَّة لِيُجَرِّبَه إِبليس كما يظهر من إنجيل مرقس (مرقس 1: 12). بالمعمودية كرّس يسوع نفسه للخلاص عن طريق الصليب، وفي التَجرِبة، عرض الشَيطان على يسوع طرقا لإنجاز خدمته دون الصليب؛ ويقول أحد الباحثين في الكتاب المقدس "أنَّ يسوع كان في المعمودية عاملا؛ أمَّا في التَجرِبة فكان معنا منقادا من الرُّوح. في المعمودية أكمل البِرِّ، وفي التَجرِبة كان برُّه تحت الامتحان". أمَّا عبارة" سارَ الرُّوحُ" في الأصل اليوناني ἀνήχθη (صعد به إلى الأعلى) فتشير إلى طاعة المسيح إلى الرُّوح القدس الذي نزل حينئذٍ واستقرَّ عليه يوم عماده على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن "فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه" (متى3: 17)، وهنا نجد تأثير قوة الرُّوح القدس في يسوع كي يذهب إلى البَرِّيَّة لمجابهة سلطان الشَيطان ويُزيل قناع الشرير وَفْقا للخطة الإلهيّة. الرُّوح القدس هو الّذي يقود خطواته. فيسير يسوع بدافع الرُّوح القدس الذي ناله في المعمودية وهكذا ما يفعله يسوع، إنّما هو تحقيق لإرادة الرُّوح القدس التي هي واحدة مع إرادة الآب وإرادة الابن. يسوع الإله يُقاد من الرّوح، مثل إسرائيل، إلى البرّيّة. هل أنت على استعداد لاتّباع الهامات الرُّوح القدس حيث يريد هو أن يقودك؟ أمَّا عبارة "البَرِّيَّةِ" في الأصل اليوناني ἔρημος (معناها مكان خلوة وفي العبرية מִּדְבָּר معناها صحراء) فتشير إلى مكان قفر عاري من النبات والخالي من الناس ومسكن الوحوش (مرقس 1: 13)، وهي رمز إلى مكان الشر البريّة مكان تَجرِبة إسرائيل، هل يظهر حقيقة ما يحمله من أمانة لإله في قلبه، كما جاء في الشريعة "اذكُرْ كُلَّ الطَّريقِ الَّتي سَيَّرَكَ فيها الرَّبُّ إِلهُكَ في البَرِّيَّةِ هذه السِّنينَ الأَربَعين، لِيُذَلِّلَكَ ويَمتَحِنَكَ فيَعرِفَ ما في قَلبِكَ هل تَحفَظُ وَصاياه أَم لا" (تثنية الاشتراع 8: 2). ويقول البابا فرنسيس "ذهب يسوع إلى البريّة ليستعدَّ لرسالته في العالم؛ ويقوم هذا الاستعداد على الجهاد ضدَّ روح الشر" (عظة الأحد 19/2/2018). ارتأى بعض الباحثين أن البَرِّيَّة التي جُرّب فيها يسوع واقعة إلى الجنوب الغربي من أريحا. والبَرِّيَّة بحسب المفهوم اليهودي هي مسكن للشياطين، فهي أماكن خربة وقبور، والمسيح ذهب إلى البَرِّيَّة لمُحاربة الشَيطان في عرينه. ويعُلق القديس يوحنا الذهبي الفم "انظر أين يصعده الرُّوح عندما أخذه لا إلى مدينة ولا إلى مسرح عام، بل إلى البَرِّيَّةِ. بهذا كان يجتذبه الشَيطان مُعطيًا إيَّاه فرصة ليس فقط بجوعه، وإنما خلال الموضع أيضًا". وقد بدأت التَجرِبة بعد إقامته في الصيام في البَرِّيَّة بحسب متى الإنجيلي، أمَّا حسب إنجيل مرقس فإن التَجرِبة ظلت طيلة إقامته في البَرِّيَّة "أَقام فيها أربَعينَ يَوماً يُجَرِّبُهُ الشَيطان" (مرقس 1: 13). أمَّا عبارة "لِيُجَرِّبَه" في الأصل اليونانيπειρασθῆναι فتشير إلى هدف سيره إلى البَرِّيَّةِ، وهو مواجهة تجربته العظيمة منفردا مع إبليسَ وَفقا لإرادة الله الآب. يعلق البابا فرنسيس " يسوع كإنسان عليه أن يمرَّ بهذه التجربة من أجل نفسه: ليطيع مشيئة الآب ومن أجلنا: ليعطينا نعمة التغلُّب على التجارب" (عظة الأحد 19/2/2018). قَبِلَ يسوع أن يُجرّبه إبليسَ، كما يجرّب كل إنسان كي يتضامن يسوع مع الوضع البشري حيث وردت الكلمة في صيغة الفعل (يُجَرِّبَه) في الكتاب المقدس أكثر من 50 مرة. فالتَجرِبة حدثت فعلاً، ولم تكن رؤيا أو تمثيل محاربة داخلية في أفكار يسوع. ناسوت يسوع جعل تجربته ممكنة، ونيابته عنا جعلت ذلك ضرورياً خاصة كون الإنسان قابل للتعرض للتَجرِبة وقبولها. ولا ينتظر أحد العفو من التَجرِبة، لان المسيح قد جُرب "ما مِن تِلميذٍ أَسمَى مِن مُعَلِّمِه، وما مِن خادِمٍ أَسمَى مِن سَيِّدِه" (متى 10: 24). أمَّا عبارة "إبليسَ" في الأصل اليونانيδιάβολος (معناها المُشتكي) فتشير إلى من يُظهر استياءَه وتكدّرَه من الإنسان، لمنعه من مراحم الله عنّه، إنه عدو الله وعدو الإنسان، كما يقول الرسول "إنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه " (1 بطرس 5: 8). وإبليسَ هو أحد أسماء الحية الأصلية التي جلبت السقوط للإنسان في جَنَّة عدن، كما جاء في رؤية يوحنا "فأُلقِيَ التِّنِّينُ الكَبير، الحَيَّة القَديمة، ذاكَ الَّذي يُقالُ لَه إِبْليسُ والشَيطان، مُضَلِّلُ المَعْمورِ كُلِّه، أُلقِيَ إلى الأَرضِ وأُلقِيَ معَه مَلائِكَتُه" (رؤيا 12: 9)، ويدعى أيضا بَعلَ زَبول (مرقس 3: 22) وبَليعار (2 قورنتس 6: 15). وهو رئيس مملكة الظلمة، كما أوضح يسوع" أَمَّا على الدَّينونة فَلأَنَّ سَيِّدَ هذا العالَمِ قد دِين" (يوحنا 16: 11) وهو أيضا "سَيِّدِ مَملَكَةِ الجَوّ" (أفسس 2: 2). وهو أيضا "المُجَرِّب" (4: 3). إبليسَ وشَيطان اسمان يدلان على العدو الذي يعارض الله وإقامة ملكه بين البشر عن طريق مقاومة الإنسان، فالشَيطان إذاً هو حقيقة وليس رمزا، وهو في حرب مستمرة ضد من يتبعون الله ويطيعونه.
2 فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع
تشير عبارة "صامَ" إلى الامتناع عن الطعام والشراب في أوقات معلومة. ولم يَردْ الصوم لفظاً في أسفار موسى الخمسة، ولكن كان يوم واحد معين للصوم وهو "يَومُ التَّكْفير"، يوم الكفارة (الأحبار 16: 29) وكان اليهود ينقطعون عن الطعام غالباً من غروب الشمس إلى الغروب التالي. وكانوا يلبسون المسح على أجسادهم وينثرون الرماد على رؤوسهم ويتركون أيديهم غير مغسولة ورؤوسهم غير مدهونة. وكانوا يصرخون ويتضرعون ويبكون (أشعيا 22: 12). لكن يسوع اظهر في صيامه انه في اقصى ضعفه يستطيع أن يجابه ويقهر إبليسَ في اقوى حالاته. أمَّا عبارة "أَربَعينَ " فتشير إلى عمر جيل كامل، وهي فترة زمنية طويلة يعقبها جزاء أو عقوبة، كما هو واضح من كلام الله لنوح "إِنَّني، بَعدَ سَبعَةِ الأُمٍ، مُمطِرٌ على الأَرضِ أَربَعينَ يَومًا وأَربَعينَ لَيلَةً، وماحٍ عن وَجهِ الأَرضِ كُلَّ كائِنٍ صَنَعتُه" (التكوين 7: 4)، فجاء الطوفان كعقوبة. وتشير إلى المدة التي قضاها موسى على الجبل "أَقامَ موسى هُناكَ عِندَ الرَّبِّ أَربَعينَ يَوماً وأَربَعينَ لَيلَةً"(خروج 34: 28) ليستلم شريعة العهد القديم. وتشير أيضا إلى الأربَعينَ سنة التي قضاها إسرائيل في البَرِّيَّة "وبَنوكم يَكونونَ رعاةً في البَرِّيَّةِ أَربَعينَ سَنةً" (عدد 14: 34)، وتشير أيضا إلى مسيرة إيليا أربَعينَ يوما "فقامَ وأكَلَ وشَرِبَ وسارَ بِقُوَّةِ تِلكَ الأَكلَةِ أَربَعينَ يَومًا وأربَعينَ لَيلَةً إلى جَبَلِ اللهِ حوريب" (1ملوك 19: 8). بعد أن صام يسوع أربَعينَ نهاراً وأربَعينَ ليلة بدأ إعلان بشارة الإنجيل. وقد أخذت بعض الكنائس من حياة السيد المسيح ورفيقيه في التجلي موسى وإيليا هذه الفترة الأربَعينَية وجعلت الصوم الأربَعينَي السابق لعيد الفصح قانوناً، وذلك في المجمع الخامس ثم في السادس المنعقد في السنة الـ 682. أمَّا القديس أوغسطينوس فيرى في رقم 40 معنى رمزيًا، "أن رقم 40 يحوي رقم "عشرة" أربع مرّات، ولما كان رقم 10 يُشير إلى كمال تطويبنا أو إلى المعرفة (3 = معرفة الله و7 = معرفة الإنسان الكاملة) و"أربعة" تُشير إلى الزمن (صيف وشتاء وخريف وربيع)، فإن رقم 40 يُشير إلى كمال زماننا في حياة مطوّبة ومملوءة معرفة". أمَّا عبارة "νύκτας" في الأصل اليوناني (معناها أخيرا) فتشير إلى نهاية أربَعينَ يوما. أمَّا عبارة " جاع " فتشير إلى إحساس يسوع بالحاجة إلى الطعام، وهذا دليل على ناسوته، انه إنسان، وليس خيالا حيث أنَّ جسد المسيح كان جسدًا كاملًا حقيقيًا يجوع ويعطش ويتألم، كما يخبرنا يوحنا الإنجيلي (يوحنا 4: 6-7). هذه أول مرة ذكر الإنجيل أنَّ سيدنا يسوع شاركنا في الاحتياجات الجسدية؛ احتمل الجوع لأجلنا في البَرِّيَّة والعطش على الصليب، وهكذا شابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة، كما يصرّح صاحب الرسالة إلى العبرانيين "لَيسَ لَنا عَظيمُ كَهَنَةٍ لا يَستَطيعُ أَن يَرثِيَ لِضُعفِنا: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة" (عبرانيين 4: 15).
3 فدَنا مِنه المُجَرِّب وقالَ له: إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة
تشير عبارة "المُجَرِّب" إلى إبليسَ الذي ورد ذكره في الآية الأولى (4: 1) والذي يقوم بتَجرِبة الإغراء على الخطيئة وارتكاب الإثم لذلك دعي الشَيطان عدو الجنس البشري. جرّب إبليسَ يسوع. وهناك مُجرِّبون كثيرون امتحنوا يسوع مدة حياته مثل الفريسيين والصدوقيين الذين سألوه أن يُريهم آية من السماء (متى 16: 1)؛ أمَّا عبارة " ابنَ الله " فتشير إلى الصوت الذي سمعه يسوع وقت عماده فاستعمله الشَيطان " نَزَلَ الرُّوحُ القُدُسُ علَيه في صورةِ جِسْمٍ كَأَنَّهُ حَمامَة، وَأَتى صَوتٌ مِنَ السَّماءِ يَقول: ((أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضِي " (لوقا 3: 22). يستعيد المُجَرِّب ما قيل في عمل يسوع ليُشكِّك ببنوّة يسوع الإلهية، لذلك ينطلق من هذه البنوّة لنزع ارتباطه بالآب الذي أرسل ابنه إلى العالم لخلاص البشرية؛ وردت كلمة مُجِرّب 4 مرات. وقد دخل الشَيطان العالم مُجَرِّبا " فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ " فقالتِ الحيَةُ لِلمَرأَة: فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ " (التكوين 3: 5)، فلا ريب إنَّا إذا جُرّبنا كان ذلك به. أمَّا عبارة "وقالَ له" فتشير إلى شخص أتى إلى يسوع إمَّا بصورة إنسانٍ أو بصورة ملاك نورٍ (2 قورنتس 11: 14). أمَّا عبارة "إِن كُنتَ ابنَ الله" فتشير إلى هوية يسوع كونه الابن الحبيب للآب السماوي، كما شهد له صوت الآب الذي أتى من السماء أثناء معموديته (متى 3: 17)، لكن هنا يدل على ريب في الأمر، كأنه يقول الشَيطان هل يمكن أن يكون ابن الله عرضة للجوع! فمن كان ابن الله يقدر أن يستخدم سلطاته لينجو من الجوع وليحفظ حياته من الموت. أراد إبليسَ أن يُجرِّب يسوع كي يجعله أن يثق بنفسه كانسان عوضاً عن ثقته بالله الآب (تكوين 2، 16-17 و3، 1-6) أمَّا عبارة "فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة" فتشير إلى الحجارة القريبة منهما. تكمن التَجرِبة هنا في عدم الاتكال على الله وعدم الثقة بعنايته تعالى، وأكثر من ذلك، إنها إيحاء ليصير يسوع مصلحا اجتماعيا شهيرا بمعجزته بدل أن يكون مخلصا للإنسان بصليبه.
4 فأَجابَه: مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله
تشير عبارة "أَجابَه" إلى ردِّ يسوع على تَجرِبة المُجَرِّب، وذلك بصفته إنسان وليس بصفته ابن الله؛ أمَّا عبارة "مكتوبٌ" فتشير إلى ما ورد في الكتاب المقدس " لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان" (تثنية الاشتراع 8: 3). وباستناده إلى كلام الله شهد يسوع لصدق أسفار موسى النبي. قبل السيد المسيح العهد القديم كوحي إلهي، وبالتالي الحجة المستمدة منه كان لها قوة مُلزمة، لأنَّها من الوحي الإلهي، كما جاء في تعليم بولس الرسول " فكُلُّ ما كُتِبَ هو مِن وَحيِ الله، يُفيدُ في التَّعْليمِ والتَّفنْيدِ والتَّقْويمِ والتَّأديبِ في البِرّ" (2 طيموتاوس 3: 16). وقد استعمل يسوع كلمة الله كسيف الرُّوح لمقاومة التَجرِبة، كما يؤكد ذلك بولس الرسول "اتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله" (افسس6: 17)؛ ويسوع يُعلمنا بذلك كيف نقاوم تجارب الشَيطان بواسطة كلمة الله. وهذا الأمر يتطلب منا أن نعرف أقوال الكتاب المقدس حسناً لكي نقدر على مقاومة إبليسَ بواسطة تلك الآيات الكريمة. أمَّا عبارة " ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان " فتشير إلى اقتباس من سفر تثنية الاشتراع حيث يقول موسى النبي للشعب "فذلَّلَكَ وأَجاعَكَ وأَطعَمَكَ المَنَّ الَّذي لم تَعرِفْه أَنتَ ولا عَرَفَه آباؤكَ، لِكَي يُعْلِمَكَ أَنَّه لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان" (تثنية الاشتراع 8: 3)؛ وهذه الإجابة يُمكن لأي إنسان أن يقدَّمها. وتدل هذه الآية أنَّ للإنسان حاجات روحية إضافة للحاجات المادية. لذا فالواجب الأول ليسوع هو أن يكرز بكلمة الله، دون أن يُهمل الحاجات المادية كإطعام الخمسة الأف مثلا (متى 14: 13-21). يسوع يرد على التَجرِبة بتجديد الثقة بالله الآب. طعام الجسد مهم، ولكن الخضوع لمشيئة الآب السماوي أهم، وفي هذا الصدد قال صاحب المزامير "إلى اللهِ وَحدَه تَطمَئِنُّ نَفْسي ومِن عِندِه خَلاصي" (مزمور 62: 2). كما أعطى الله المنّ طعاماً جسدياً لشعبه في البَرِّيَّة لكي يرتبط به ارتباطا روحيا، هكذا يرتبط يسوع بأبيه وينتظر منه كل شيء. كان يجب عليه أن ينبذ إرادته لصالح مشيئة أبيه. فلم يشأ يسوع أن يستخدم قوته الإلهية لإشباع حاجته الطبيعية للطعام. الطعام شيء طيب ولكن التوقيت كان خاطئا. لا يستخدم يسوع قوى روحية لغايات دنيوية شخصية.
5 فمَضى بِه إِبليسُ إلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل
تشير عبارة "فمَضى به" في الأصل اليوناني Τότε παραλαμβάνει αὐτὸν (ثم أخذه) إلى انقاد يسوع لإبليس برضاه واختياره، كما رضي يسوع أن يُقاد من مكان إلى آخر للجلد والصلب؛ ويقول بعض الباحثين أنَّ إبليس مضى بيسوع بالفكر والإيحاء يسوع. أمَّا عبارة "المدينَةِ المُقدَّسة" فتشير إلى أُورشَليم لكونها المركز المقدس "مَدينةُ المَلِكِ العَظيم" (متى 5: 35) وسفره إلى أُورشَليم لم يكن رؤيا بل حقيقة، ولعلَّه أتى من البَرِّيَّة إليها. أمَّا عبارة "أَقامَه" فتشير إلى إيقاف يسوع على الشرفة ليس بقوة أو بسلطة. أمَّا عبارة "شُرفَةِ" في الأصل اليوناني πτερύγιον فتشير إلى سطح الهيكل من أمامه أو من رواق سليمان الذي بني على وادي قدرون من علو شاهق. ويقول المؤرخ اليهودي "كان علو جناح الهيكل نحو 365م يطل منه إلى أسفل الوادي. جناح الهيكل في المدينة المقدسة أُورشَليم". والأرجح أنَّ جناح الهيكل كان سور الزاوية الناتئ من سفح التل المُشرف على أسفل وادي قدون. وقد طلب إبليس من يسوع أن يُلقي بنفسه من الشرفة ليُظهر للجموع التي تحتشد عادة في ذلك المكان انه هو المسيح المنتظر؛ أمَّا عبارة " الهَيكل " فتشير إلى أقدس موضع من المدينة المقدسة وهو المركز الديني لكل الآمة اليهودية، والمكان الذي كان اليهود ينتظرون مجيء المسيح إليه (ملاخي 3: 1) وقد جَدّد هيرودُس الكبير الهيكل مع أروقته مؤملاً أن يحظى بثقة اليهود، كما جاء في حوار اليهود مع يسوع "بُنِيَ هذا الهَيكَلُ في سِتٍّ وأَربَعينَ سَنَة، أوَ أَنتَ تُقيمُه في ثَلاَثةِ أيَّام؟ " (يوحنا 2: 20). لا تخلو التجارب حتى في أقدس الأماكن.
6 وقالَ لَه: إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ
تشير عبارة "ابنَ الله" إلى لقب يسوع كونه إله، حيث استعمله إبليس كي يُجرّب الرب يسوع، كما جرّب الشعب العبراني الله في البَرِّيَّة قائلين: "هَلِ الرَّبُّ في وَسْطِنا أَم لا؟ " (خروج 17: 7)؛ أمَّا عبارة " فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأَسفَل" فتشير إلى طرح يسوع نفسه من شرفة الهيكل إلى الوادي دون خوف طمعا بالحماية الإلهية وحفظ الملائكة له. تَجرِبة تعرض على يسوع أن يكون صانع معجزات الشهير. يُعلق القديس ايرونيموس "هذه هي كلمات إبليس دائمًا، إذ يتمنى السقوط للجميع"؛ أمَّا عبارة "لأَنَّه مَكتوب" فتشير إلى استناد إبليس على الكتاب المقدس وهي من سفر المزامير (مزمور 91: 11) ليُوقع يسوع في التَجرِبة، حيث أنَّ مضمونها طمأنينة أتقياء الله في كل الضيقات ، وهو وعد لجميع المُتكلين عليه، لكن ذلك لم يكن وعدا بالوقاية من أخطار نأتيها اختيارا؛ أمَّا عبارة " يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ" فتشير إلى آية اقتبسها إبليس من سفر المزامير "على أَيديهم يَحمِلونَكَ لئَلاَّ تَصدِمَ بحَجَر رجلَكَ" (مزمور 91: 12). جرَّب إبليس المسيح لاختبار صدق الوعد ويبرهن انه هو المسيح. لم يخطئ إبليس في اقتباس النص الكتابي، إنما أساء تطبيق النص وتفسيره جاعلاً يسوع متكلاً اتكالا إجباريا على الله بدل أن يعني الإيمان. والأسوأ من ذلك أن إبليس لم يكمل المزمور نفسه الذي ينتهي بالوعد بالانتصار عليه "يَدعوني فأُجيبُه أَنَّا معه في الضِّيقِ فأُنقِذُه وأُمَجِّدُه. بِطولِ الأيامِ أُشبِعُه وأُريه خلاصي"(مزمور 91: 15-16). وهو مزمور يصّليه المؤمن حين يحتاج عون الله. ومن هذا المنطلق يتلاعب الشَيطان بآيات الكتاب المقدس لأغراضه الخاصة بعيدا عن معناها الجوهري ومدلولها الأساسي. لا يَعِد الله الحماية الإلهية متى دخل الإنسان في الخطر عمدا. أمَّا عبارة " مَلائكتَه " فتشير إلى وظيفتهم باعتبار أنهم أرواح للخدمة، كما جاء في تعليم صاحب الرسالة إلى العبرانيين " أَما هُم كُلُّهم أَرواحٌ مُكَلَّفونَ بِالخِدْمَة، يُرسَلونَ مِن أَجْلِ الَّذينَ سَيَرِثونَ الخَلاص؟" (العبرانيين 1: 14). أمَّا عبارة " يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ" فتشير إلى كلام مستعار يمثل عون الوالدين لأولادهم في الأماكن الصعبة خشية من عثورهم. إن هذا الانتصار الذي أحرزه السيد في هذه التَجرِبة هو استباق لانتصاره الأخير الذي حققّه في أُورشَليم على الصليب.
7 فقالَ له يسوع مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ
تشير عبارة "فقالَ له يسوع مَكتوبٌ أَيضاً" مقاومة يسوع هذه التَجرِبة كما قاوم التَجرِبة الأولى بجواب مستمد من كتاب الله. أمَّا عبارة "لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ" فتشير إلى تَجرِبة الإنسان لله المألوفة في العهد القديم بعصيانه تعالى لمعرفة مدى صبره، كما صرّح موسى النبي: ((لِماذا تُخاصِموَنني ولماذا تُجَربونَ الرَّبّ؟ " (خروج 17: 2)، فقد خاصم بني إسرائيل موسى، ومن خلاله جرّبوا الله. ولكن المسيح رفض أن يجرّب الله، كما طلب منه إبليس فعاد إلى ما ورد في الكتاب المقدس على لسان موسى "لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم" (تثنية الاشتراع 6: 16). أمَّا عبارة "لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ" فتشير إلى "تَجرِبة الرب "بحيث يُعرّض المرء نفسه للخطر، وبعد ذلك يُرغم الله بان يُنجِّيه من الخطر. ولكن المسيح لم يدخل في التَجرِبة من تلقاء ذاته، وبالتالي يجب علينا ألاَّ نعرِّض ذواتنا للتجارب ونجرِّب عناية الله الآب وصدقه بطرح نفسه من فوق إلى أسفل، في خطر لا لزوم للدخول فيه. قد يضع الإنسان يده في النار ثم يشتكي لان الله لم يحفظها من أن تحترق. طلب علامات من الله هو محاولة تحريك الله كما تشاء، في حين يريدنا الله أن نحيا بالإيمان. لم يُجرِّب يسوع الله آبيه السماوي بان يرُغمه بعمل معجزة، بل عرف كلمة الله وأطاعها. أمَّا الشَيطان فيعرف كلمة الله ولا يطيعها. أن كلمة الله هي سلاح مثل سيف ذي حدين، كما صرّح صاحب الرسالة إلى العبرانيين "إِنَّ كَلامَ اللهِ حَيٌّ ناجع، أَمْضى مِن كُلِّ سَيفٍ ذي حَدَّين" (العبرانيين (عبرانيين 4: 12).
8 ثُمَّ مَضى بِه إِبليس إلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها
تشير عبارة "جَبَلٍ" إلى أهمية الجبل في إنجيل متى للدلالة على الجبل (جبل سيناء) حيث استلم موسى الشريعة، وعلى جبل (نيبو) في مادبا حيث رأى موسى ارض الموعد ولم يدخل إليها "أَراه الرَّبُّ الأَرضَ كلها: مِن جِلْعادَ إلى دان" (تثنية الاشتراع 34: 1). لذلك وضع متى الإنجيلي التَجرِبة على الجبل في المرحلة الثالثة والأخيرة نظرًا لأهمية موضوع الجبل في تعليمه، في حين أن لوقا وضع تَجرِبة أُورشَليم في المرحلة الثالثة، لان هذه مدينة أُورشَليم هي البداية والنهاية في إنجيله الطاهر. ويحتمل أن جبل التجربة هو جبل نبو (تثنية الاشتراع 34: 1) أو طابور، أو جبل حرمون (جبل الشيخ). لكن المكان التقليدي لمكان التَجرِبة هو جبل قرنطل قرب أريحا. وهناك رأيٌ يقول حيث انه لا يوجد جبل يمكن منه رؤية جميع العالم يمكن الاستنتاج أنَّ هذه التجارب التي مرّ بها الرب كانت ذهنية باطنية. أمَّا عبارة "أَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها" فتشير إلى ممالك فلسطين التي كانت أمام عينيه بما فيها من الغنى والسلطان التي كان يتمتع بهما إِبليس. ولكن تجاه ممالك الدنيا، هناك ملكوت الله، وتجاه مجد هذا العالم، هناك المجد الآتي من الله. ويكمن الخبث في هذه التَجرِبة في الشَيطان الذي وضع تأثيره الشخصي في العالم تحت تصرف يسوع. لكن يسوع رفض السيطرة الأرضية على العالم، لان رسالته كانت تبشير الفقراء بالخلاص والتعلم الإيمان والثقة بالله، كما تنبأ عنه أشعيا النبي" الفُقراءُ يُبَشَّرون" (متى 11: 5).
9وقالَ له: أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً
تشير عبارة "أُعطيكَ هذا كُلَّه" إلى السلطان السياسي المفروض على حكومات وممالك العالم التي هي تحت تأثير الشيطان، كما قال الشَيطان ليسوع "لِأَنَّه سُلِّمَ إِليَّ وأَنا أُولِيه مَن أَشاء" (لوقا 4: 6). يعرض الشَيطان سلطان العالم على يسوع كما ينتظره معاصروه انه المسيح السياسي؛ لكن سلطان الشَيطان مُهدّد (لوقا 10: 1)، ومدته قصيرة (لوقا 22: 53). أمَّا سلطان يسوع فلا يستمّده إلاّ من أبيه السماوي "قَد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء" (لوقا 10: 22). فجوهر التَجرِبة أن يكون يسوع ذلك المسيح الذي توقَّعه اليهود دون أن يحتمل الآلام والموت. أمَّا عبارة "إِن جَثوتَ لي سـاجداً" فتشير إلى الشرط الوحيد الذي يضعه إِبليس على يسوع لإعطائه الحكم والسلطان على ممالك الدنيا. ويدل السجود على الخضوع التام الذي لا يليق إلاّ بالله (متى 2: 2). أمَّا السجود للشياطين فهي عبادة الأصنام، كما قال بولس الرسول " أمَّا ذُبِحَ لِلأَوثانِ شَيء أَمِ الوَثَنُ شَيء؟ لا، ولكِن لمَّا كانَ ما يُذبَحُ إنَّما يُذبَحُ لِلشَّياطينِ لا لله" (1 قورنتس 10: 19-20)؛ أمَّا عبارة "سـاجدا" προσκυνήσῃς (معناها تقبيل اليد أو الركوع على الركبتين احتراما) فتشير إلى الخضوع التام المؤدِّي إلى نتائج عملية، كما حدث مع المجوس الذين قالوا: ((أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه" (متى 2: 2)، وكما حدث أيضا مع التلاميذ الاثني عشر بعد القيامة "لَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له" (متى 28: 17)؛ ويبدو أنَّ التَجرِبة تقوم على عبادة الشَيطان التي تولِّي السلطة والمجد عن طريق تجنّب الصليب. فحاول الشَيطان أن يحوّل يسوع عن هدفه، بجعله يركز بصره على السلطة العالمية وليس على مخطة الله وملكوته. لكن يسوع يُظهر بوسائل الفقر لا بظاهر العظمة أنه ابن الله حقا. ولا يزال الشَيطان يجعل أمجاد هذا العالم وحبَّ الرئاسة فخاً يصيد به الناس. فهو يعدهم بربح العالم على حساب خِسارة نفوسهم.
10 فقالَ له يسوع: اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وإيَّاهُ وَحدَه تَعبُد
تشير عبارة "اِذهَبْ" في الأصل اليوناني Υπαγε (معناه انسحب) إلى كره المسيح للمُجرِّب ومقته له على جسارته بالتجديف. أجابه المسيح مثل جوابه لبطرس "إِنسَحِبْ! Υπαγε وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر "(متى 16: 23). إذ أراد إبليس أن يُجدِّد التَجرِبة بواسطة بطرس الرسول حيث أراد أن يمنعه عن طرق الآلام المخطَّطة له. وقاوم يسوع التَجرِبة كما فعل مع بطرس لمّا طلب من يسوع أن يتجنَّب الصلب والموت والقيامة. أمَّا عبارة "يا شَيطان!" في الأصل اليوناني Σατανᾶς (معناها المقاوم) فتشير إلى خصم لا يتوقّف عن مقاومتنا، كما تلمح إليها اللفظة العبرية הַשָּׂטָן. (معناه المقاوم) وإبليس مرادفة إلى لفظة شَيطان. وهو خصم يرفع الدعوى على أبناء الله متهماً إياهم أمام محكمة السماء كما ورد في الكتاب المقدس: "فقالَ الرَّبُّ لِلشَيطان: ((ها إِنَّ كُلَّ شيَءٍ لَه (أيوب) في يَدِكَ، ولكِن إِلَيه لا تَمدُدْ "(أيوب 1: 12)؛ أمَّا عبارة "لأَنَّه مَكتوب" فتشير إلى اقتباس يسوع من الكتاب المقدس (التثنية الاشتراع 6: 13)، لأنه في الكتاب المقدس يوجد كل ما نحتاج إليه لمقاومة الشَيطان وردَّه. أمَّا عبارة "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وإيَّاهُ وَحدَه تَعبُد " فتشير إلى النهي عن كل أنواع العبادة لغير الله، مؤكدا يسوع أهمية اتباع الله وعمل مشيئته، كما ورد في تثنية الاشتراع " الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ " (6: 13)، لذلك بيّن يسوع من هذا الكلام أنَّ حياته العلنية منذ بدايتها هي سجود وعبادة لله وحده، ورفض السجود للشَيطان الذي يسود العالم سيادة سياسية. فالسجود والعبادة هي مبدا أساسي من مبادئ الدين الواردة في الكتاب المقدس. أمَّا عبارة "تَعبُد" فتشير إلى عادة تكريم الإنسان وخشوعه والتعبير عن خضوعه لله، أو للآلهة الذين يؤمن بهم. وقد وُجدت العبادة منذ أن عرف الإنسان الله، ومنذ آمن الإنسان بالله أو بآلهة أخرى غير الله. وفي الكتاب المقدس وصف لنوعين من العبادة، أولهما عبادة الأوثان، وما كان يرافقها من بناء المذابح وإشادة المعابد وتقديم الضحايا وإشعال النيران والرقص والغناء، عند العبرانيين أنفسهم أو عند جيرانهم في فلسطين وسورية ومصر واليونان والرومان. أمَّا النوع الثاني فعبادة الله الواحد. وقد كان اليهود يخلعون أحذيتهم وقت العبادة (وهي عادة شرقية لا تزال متبعة عند المسلمين حتى اليوم). ويطأطئون رؤوسهم ويحنون أجسادهم ويسجدون حتى تمس رؤوسهم الأرض. ولمَّا جاء المسيح قابله بعض أتباعه بالطريقة نفسها. ويخبرنا الكتاب أن قرنيليوس سجد لبطرس (أعمال الرسل 10: 25). غير أن المسيحيَّة حاولت، منذ نشوئها، أن تجعل العبادة أمراً طبيعياً، وأن تزيل منها الشكليات المتكلفة أي كل الأمور النظامية والظاهرية والطقسية بعيدة عن غاية العبادية، لأنها تصرف العابد عن غايته الحقيقية، وهي الاقتراب من الله والاتصال به. يبيّن يسوع الطريق التي ينبغي أن نسلكها إبَّان التجارب كاشفا تواضعه والتزامَهُ مشيئة أبيه الذي أرسله لخلاص العالم من سلطة إبليس وتأسيس ملكوت الله.
11 ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه
تشير عبارة "تَركَه" إلى انقطاع الشَيطان عن تَجرِبة يسوع إلى حين (لوقا 4: 13) حيث انه عاد يُجرِّبه بعد ذلك في بستان الجسمانية "لأَنَّ سيِّدَ هذا العالَمِ آتٍ ولَيسَ لَه يَدٌ علَيَّ" (يوحنا 14: 30) ثم على الصليب. لكل تَجرِبة حدا ونهاية (رؤيا 2: 10). أمَّا عبارة "المَلائكة" فتشير إلى مرسلي الله للدلالة على حضور الله والعون الذي يحمله إلى أتقيائه. الملائكة هم في خدمة يسوع في حياته على الأرض حيث أعلنوا مولده لمريم البتول (لوقا 1: 35)، واكَّدوا الأمر ليوسف (متى 1: 20) وأعلنوا أنَّ اسمه يسوع (متى 1: 20) ومولده للرعاة لوقا 2: 11) وحافظوا على يسوع لدى هروبه إلى مصر (متى 2: 13) وقاموا بخدمته في الجسمانية (لوقا 22:43)؛ أمَّا عبارة "بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه " فتشير إلى الخدمة التي يقوم بها الملائكة، وهي العون الإلهي. ينال يسوع من الله عن يد الملائكة الطعام الذي رفض أن يؤمّنه لنفسه، كما طلب منه الشَيطان، وهكذا يعلم يسوع تلاميذه أنَّ يطلبوا طعامهم من الآب السماوي "أُرْزُقْنا اليومَ خُبْزَ يَومِنا" (متى 6: 11). أمَّا عبارة "بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ " فتشير إلى حضور الملائكة دلالة على انتصار يسوع على التَجرِبة. ويعلق القديس ايرونيموس "التَجرِبة تسبق لكي يتبعها النصر، وتأتي الملائكة فتخدم لتثبت كرامة المنتصر". أمَّا عبارة "يَخدُمونَه" فتشير إلى خدمة المائدة وتقديم الطعام، كما جاء في المزمور " فأَكَلَ الإِنْسانُ خُبزَ الأَقوِياء وأرسَلَ إِلَيهم زادًا حتَّى شَبِعوا" (مزمور 77: 25). وهنا نتذكر شفاء يسوع لحماة بطرس " فنَهضَت وأَخذَت تَخدُمُه "(متى 8 :15). وهكذا اليوم يرسل الله لشعبه علامات محبته بعدما يفتقدهم بالضيقات، ولا تزال مقاومة الشَيطان تفتح بابا لخدمة الملائكة.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 4: 1-11)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي وتحليله (متى 4: 1-11)، نستنتج انه يتمحور حول تجربة يسوع.
ومن هنا نتساءل ما هو واقع التَجرِبة؟ كيف واجه يسوع التَجرِبة وكيف نواجه التَجرِبة؟
1) ما هو واقع التَجرِبة؟
وُجدت التَجرِبة لدى وجود الإنسان على الأرض، إذ منذ البداية الشَيطان يوسوس ويخدع، كما يقول بولس الرسول "يَخدَعَنا الشَيطان، ونَحنُ لا نَجهَلُ وَساوِسَه"(2 قورنتس 2: 11) وهو كالأسد الزائر كما يصفه بطرس الرسول "إنَّ إِبليس خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه" (1بطرس 5: 8). ويصف بولس الرسول التَجرِبة "شوكة في الجسد" كما صرّح إلى أهل قورنتس "ومَخافَةَ أَن أَتَكَبَّرَ بِسُمُوِّ المُكاشَفات، جُعِلَ لي شَوكَةٌ في جَسَدي: رَسولٌ لِلشَيطان وُكِلَ إِلَيه بِأَن يَلطِمَني لِئَلاَّ أَتَكبر" (2 قورنتس 12: 7). ونبّه السيد المسيح من وقوع ما تعرّضه التَجرِبة للخطيئة "الوَيلُ لِلعالَمِ مِن أَسبابِ العَثَرات! ولابُدَّ مِن وجُودِها، ولكِنِ الوَيلُ لِلَّذي يكونُ حَجَرَ عَثرَة!" (متى 18: 7). فالخطيئة تسكن فينا، كما يعترف بولس الرسول قائلا" لأَنَّ الخَيرَ الَّذي أُريدُه لا أَفعَلُه، والشَّرَّ الَّذي لا أُريدُه إِيَّاه أَفعَل. فإِذا كُنتُ أَفعَلُ ما لا أُريد، فلَستُ أَنا أَفعَلُ ذلِك، بلِ الخَطيئَةُ السَّاكِنةُ فِيَّ" (رومة 7: 14-25).
مراحل التَجرِبة هي ثلاثة. المرحلة الأولى: الإغراء من الخارج، والمرحلة الثانية: التأثير على الإرادة من الداخل، والمرحلة الثالثة: اتخاذ القرار. فإذا ما قبلنا التَجرِبة وقبلنا الإغراء الذي يستهوينا كانت التَجرِبة خطيئة وموتا وهلاكاً. لكن إن رفضنا التَجرِبة وقاومناها، كانت لنا التَجرِبة سبب اجرٍ وثوابٍ. ومن هذا المنطلق، التَجرِبة بحد ذاتها ليست خطيئة، لكن السقوط فيها خطيئة.
التجربة والامتحان: الشَيطان يجرّب والله يمتحن. فالتَجرِبة تعبّر عن إغراء الشيطان للإنسان للقيام بما هو خطأ أو ممنوع هدفها إبعاده عن الله واستقلاله عنه تعالى، وأمَّا الاختبار فهو بمثابة امتحان هدفه إثبات وتنقية شخصاً ما للتحقّق من جاهزيّته للواجب الّذي في متناول اليد. يختبر الربّ شعبه لمعرفة ما إذا كانوا على استعداد لاتّباعه وخدمته دون تحفّظ أو مساومة مثل اختبار لله لإبراهيم في تقديم ابنه إسحاق قائلا له " خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إلى أَرضِ المورِيِّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ" (التكوين 22: 2).
نحن نعلم أنَّ الشَيطان اغوى حواء وآدم فتمردا على الخالق (تكوين 3: 1-6)، وجرّب الشَيطان يهودا الإسخريوطي "دَخَلَ الشَيطان في يَهوذا المَعْروفِ بِالإِسْخَرْيوطِيّ، وهو مِن جُملَةِ الاِثَنيْ عَشَر فخان المعلم (لوقا 22: 3)، وغربل الرسل فتفرّقوا وتركوا المعلم وحده، كما صرّح الرب "سِمعان سِمعان، هُوذا الشَيطان قد طَلَبكُم لِيُغَربِلَكُم كَما تُغَربَلُ الحِنطَة"( لوقا 22: 31)، ودخل الشَيطان في حنانيا وزوجته سفيرة فكذبا على الروح القدس، كما أوضح بطرس الرسول " لِماذا مَلأَ الشَيطان قَلبَكَ فكذَبتَ على الرُّوحِ القُدُس"( أعمال الرسل 5: 3) ولكن بولس الرسول يُعلمنا انه مع التَجرِبة هناك وسيلة للنجاة " لم تُصِبْكُمْ تَجرِبة إِلاَّ وهي على مِقدارِ وُسْعِ الإِنسان. إِنَّ اللهَ أَمينٌ فلَن يأذَنَ أَن تُجَرَّبوا بما يفوقُ طاقتَكم، بل يُؤتيكُم مع التَجرِبة وَسيلةَ الخُروجِ مِنها بِالقُدرةِ على تَحَمُّلِها" (1 قورنتس 10: 13).
إن تَجرِبة يسوع كانت قسما ضروريا من اتضاعه في إجرائه عمل الفداء وجزء من محاربته العظيمة الذي تنبأ الله بها في بدء التكوين " فقالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلحيَّة: أَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ يَسحَق رأسَكِ وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه " (التكوين 3: 15). وبما أنَّ يسوع أتى العالم لكي ينقض أعمال إبليس، كما جاء في تعليم يوحنا الرسول "إِنَّما ظَهَرَ ابنُ اللهِ لِيُحبِطَ أَعمالَ إِبْليس" (1يوحنا 3: 8) اقتضى أن يغلبه أولا. والمسيح بتجربته جعل علاقة متينة بينه وبين شعبه المُجَرِّب، لأنه فيما هو قد تألم يقدر أن يُعيينَ المُجَرِّبين " لأَنَّه قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين" (العبرانيين 2: 18). وهكذا لم ينجو يسوع من تَجرِبة الشَيطان، فقد جرّب الشَيطان المسيح نفسه (متى 3: 1-11). وهو يُجرّبنا في كل حين.
2) كيف واجه يسوع التَجرِبة
جُرب يسوع في البَرِّيَّة في أحلك الظروف حيث كان وحيدا ومتعبا وجائعا بعد صومه أربَعينَ يوما. جرَّبه الشَيطان على دفعات ثلاث محاولاً أن يختبر موقفه البنويِّ تجاه أبيه السماوي من خلال بث أفكاره المسمومة من تشكيك، وإثارة شهوات. يعلق البابا فرنسيس"الشيطان يُجرِّب يسوع لكي يفصله عن الآب ويصرفه عن مهمته، مهمّة الوحدة من أجلنا" (عظة البابا فرنسيس 26/2/2023)
أمَّا يسوع فأظهر الطريقة التي اعتمدها كابن الله كونه مسيحا، إذ أختار العلاقة والطاعة البنويّة وعبّر عنها بطريق آلامه وموته وقيامته، كما ورد في الكتب المقدسة "بَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث. فَانفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعلَ يُعاتِبُه فيَقول: حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هذا! "(متى 16: 21 -23). أمَّا الطريقة التي يعرضها عليه إِبليس والتي يريد اليهود أن ينسبوها إليه هي أن يكون مسيحا سياسيا أرضيا. فردّ يسوع هذه التجارب التي تلخص تجارب ادم في الفردوس وبني إسرائيل في الصحراء.
ا) تجارب آدم في الفردوس وتجارب يسوع
التجارب الثلاث التي وجهها السيّد المسيح وغلبها، إنّما هي ذات التجارب التي واجهت آدم وسقط فيها وهو في الفردوس، (التكوين 2: 7-9، 3: 1-7). وهذه التجارب هي: شهوة الجسد، وشهوة العين والكبرياء. في تَجرِبة الجسد كما جرّب إِبليس آدم بان يأكل من شجرة المعرفة والخير كذلك جرّب يسوع في تحويل الحجارة لخُبز. آدم غلبه إِبليس، إذ أكل، والمسيح هزم إِبليس، إذ امتنع عن الطعام.
في التَجرِبة شهوة العين: كما جرَّب الشَيطان آدم بالشجرة التي كانت شهية للنظر وبهيجة للعيون، كذلك جرّب الشَيطان يسوع إذ أراه كل ممالك الأرض. وفي تَجرِبة الكبرياء، كما عرض الشَيطان على آدم أن يصير هو وزوجته كآلِهَةٍ قائلا: "فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تكوين 3: 5)، كذلك عرض على المسيح أن يلقى نفسه ولا يصيبه أذى. "أَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: "يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ" (متى 4: 6).
يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم أنَّ التجارب الثلاث تتلخص بتَجرِبة " عبوديّة البطن، والعمل من أجل المجد الباطل، والخضوع لجنون الغنى". وما سقط فيه آدم الأول غلب فيه آدم الثاني، وصار لنا الهلاك الأبدي خلال آدم الأول، وصار لنا المجد الأبدي خلال آدم الثاني. يسوع هو ادم الثاني، آدم الجديد. المسيح كرأس للخليقة الجديدة دخل المعركة وغلب، لأن آدم رأس الخليقة القديمة دخل المعركة وهُزِمَ. دخل الربّ يسوع آدم الجديد طوعاً إلى البَرِّيَّة كي يستعيد الفردوس الّذي فقده أبوينا الأولين آدم وحواء. البَرِّيَّة هي المكان الضروري، الذي يجب عبوره في وقت محدود، للعودة إلى أرض المرء التي توصف بأنها جَنَّة من النعيم، جَنَّةً في عَدْنٍ (التكوين 2: 8).
ب) تجارب بني إسرائيل في الصحراء وتجارب يسوع
اظهر متى الإنجيلي في مشهد التجارب أن يسوع هو إسرائيل الجديد، الذي مرّ في البَرِّيَّة وانتصر، وهو وموسى الجديد الذي صامَ أَربَعينَ يوماً وأربَعينَ لَيلةً (الخروج 24: 18). يُرينا متى الإنجيلي أن يسوع عاش في البَرِّيَّة تلك التجارب التي عاشها الشعب في أثناء خروجه من مصر. فقد عرض الشَيطان على يسوع التجارب الكبرى التي سقط فيها بني إسرائيل فيما مضى، كما ورد في سفر الخروج كتَجرِبة المنّ (خروج 16) وتَجرِبة الأصنام وعجل الذهب (خروج 32-34) وتَجرِبة المعجزات والآيات (خروج 17). إنّ تَجرِبة إسرائيل هي تَجرِبة يسوع، وهي تَجرِبة البشرية كلها، وهي تجربتنا نحن أيضا. فظهر يسوع في مشهد التجارب بمظهر شعب إسرائيل الذي جُرّب في البَرِّيَّة كما تدل الاقتباسات الصريحة المأخوذة من سفر تثنية الاشتراع (8: 3، 6: 13، 6: 16).
التَجرِبة الأولى: حاجة جسدية: "إشباع الجوع"
تشتدُّ شهوة الإنسان للطعام مع الجوع، وهي لحظة ضعف للجسد حيث استغل الشَيطان جوع يسوع (متى 4: 2) لتجربته حتى يرضي احتياجاته الجسدية، لانَّ الخبز ضروري لعيش الإنسان. "إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة" (متى 4: 3). يعلق البابا فرنسيس " حاول الشيطان بحج مقنعة، أن يؤثِّر على يسوع: "أنت جائع، فلماذا تصوم؟ استمع إلى حاجتك وقم بإشباعها، لديك الحق والقوة: حوِّل الحجارة إلى خبز " (عظة البابا فرنسيس 26/2/2023). يريد الشَيطان أن يُشكك يسوع في محبة الآب له، فهو يقصد أن يقول، إن كان الله الآب هو أبوك حقًا، وهو إله خير مُحب، فلماذا يتركك جائعًا. إذًا فليحوِّل لك الحجارة إلى خُبز. ويُعلق القديس ايرونيموس "يقصد إِبليس بكل هذه التجارب أن يعرف إن كان هو ابن الله!". وكأن الشَيطان يتساءل: هل الله الآب قادر أن يزوّد ابنه يسوع بالطعام؟ بل أكثر من ذلك وكأني بالشَيطان يهمس في أذني يسوع: أنت جائع ويجب على الآب أن يُطيعك فيُطْعمك.
اتَّكل يسوع على الله الآب وأجابه مستشهدا في الكلمة الإلهيّة المكتوبة "لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان"(تثنية الاشتراع 8: 3). رفض الربّ يسوع الطعام كي يُثبت اعتماده على كلمة الربّ، الّذي يُغذي حياة الابن، ولذلك هو يطيعه (متى 4: 3-4). وهكذا اثبت يسوع هو "ابنُ الله" بقدر ما يحقّق طاعتِه لأبيه، كما يقول الواعظ الشهير كلود تاسّين.
اعتزم يسوع أن يقهر إِبليس لا بالجبروت (تحويل الحجارة خُبزا)، وإنما بالتواضع ملتجأ إلى كلمة الله. ومن لا يتغذّى بكلمة الله لا يحيا. أراد إِبليس أن يجذب المسيح للاهتمام بالماديات فحوَّل المسيح الماديات إلى الرُّوحانيات. هكذا أتى اليوم سائراً هو بذاته أمامنا مانحًا إيانا قوة رّوحِه، لنطلب نعمة نزع قناع شهوة الأكل. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "أننا نغلب الشَيطان لا بعمل المعجزات، وإنما بالاحتمال وطول الأناة، فلا نفعل شيئًا بقصد المباهاة والمجد الباطل". أن المسيح يُشبع الجموع بمعجزة ولا يعمل معجزة لأجل نفسه بالرغم انه كان جائعا. فالمسيح لا يريد أن ينحصر في ذاته، بل هو يُسلم بكل ما يريده للآب، هو لا يريد أن يستخدم مشيئته مستقلاً عن مشيئة الله. وبهذا انتزع سلاح الشَيطان الذي يقوم على استخدام مشيئة الإنسان مستقلاً عن مشيئة الله، كما أعلن يسوع يوما أمام الجمع "فقَد نَزَلتُ مِنَ السَّماء لا لِأَعمَلَ بِمَشيئتي بل بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنا 6: 38).
التَجرِبة الثانية: حاجة نفسية: الأمان.
استغل الشَيطان حاجة الأمان فجرّب يسوع بان يطرح نفسه إلى أسفل مُتحدِّيا بذلك قوانين الجاذبية والقدرة البشرية قائلا: "إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: "أَوصى مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ في جَميعِ طرقِكَ على أَيديهم يَحمِلونَكَ لئَلاَّ تَصدِمَ بحَجَر رجلَك" (مزمور 91: 12). يعلق البابا فرنسيس " يلمح الشيطان بعدم الثقة: "هل أنت متأكد أن الآب يريد الخير لك؟ اختبره، ابتزه! أَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل من أعلى نقطة في الهيكل واجعله يفعل ما تريده" " (عظة البابا فرنسيس 26/2/2023). استخدم الشَيطان كلمة الله بطريقة مُضَلِّلة ومُحرّفة وجعلها أساسًا للتَجرِبة، إذ يستخدم المزمور ولكنه لم يكمله، فالباقي ليس في مصلحته كما يُعلق القديس جيروم" يفسّر الشَيطان المكتوب تفسيرًا خاطئًا... كان يليق به أن يكمّل ذات المزمور الموجَّه ضدّه، إذ يكمل المزمور قوله: "تطأ الأَسَدَ والأفعى تدوسُ الشبلَ والتنين" (مزمور 91: 13). فهو يتحدّث عن معونة الملائكة كمن يتحدّث إلى شخص ضعيف محتاج للعون، ولكنه لم يذكر أنه سيُداس بالأقدام". إستخدم الشَيطان هذه الآية بخدعة لكي يدفع السيّد المسيح ليُجرِّب أباه السماوي ويُفسد رسالته بتجنب حمل الصليب مُهتمَّا باستعراض إمكانيّاته والمجد الباطل، وذلك بطلب الملائكة لتحفظه عِوض الدخول في حياة الألم.
جاءت إجابة يسوع: "لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ" (متى 4: 7). يسوع هو "ابنُ الله" لاقتدائه بأبيه الكلي الرحمة والتواضع (متى 11: 11: 27-29)، وذلك تسليم نفسَه للعناية الإلهيّة وحرصه على ألاّ نضع الله في التَجرِبة لكي نتحقّق من عنايته لنا. نمتحن نحن الله بها، وكأن على الله أنّ يتدخل بإعجازات وأعمال فائقة الطبيعة لينقذ حياتنا. ويمكننا أن نسأل ما هي صورة الله الحقيقية بالنسبة لي؟ فهل هو الإله الّذي يستجيب فقط لطلباتي أمّ هناك علاقة أقوى بشخص إله نعبده ونشكره ونتمثل به ونطلب مشورته وبركته؟
إن هذه التَجرِبة هي التَجرِبة الدائمة التي كان معاصرو يسوع يطرحونها عليه طيلة حياته العلنية: اصنع المعجزات، أعطنا آية من السماء، (لوقا 11: 29) أظهِر لنا بقدرتك ومعجزاك أنك المسيح المنتظَر (يوحنا 2: 18)، انزل عن الصليب! (متى 27: 42). والشَيطان يقول ليسوع الآن "أَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأَسفَل" (متى 4: 6)، ولو فعل يسوع المعجزة بإلقاء نفسه إلى الأسفل فأنه يقع في الكبرياء وآمن به الجميع بسبب هذه المعجزة الخارقة، ولكن يسوع رفض ذلك واظهر انه طريقه هو طريق الصليب.
أراد الشَيطان أن يشكك يسوع في علاقته مع الله أبيه كي يفقد ثقته بالآب! هل الله قادر أن يحميه؟ وكأني بالشَيطان يقول ليسوع: أنت تستطيع فعل كلّ شيء. افعل ما تشاء، وهكذا تجبر الآب على أن يخلّصك، وأن يبادر إلى معونتك إن كان أبا حقيقيا لك! أما موقف يسوع فهو قادر أن يفعل كل شيء، لكن يحافظ على موقفه البنويِّ مع الله الآب مركِّزا على خطته الأبوية " لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم" (تثنية الاشتراع 6: 16).
يجب ألاَّ نستغرب أن نُجَرَّبَ بدورنا بنفس التَجرِبة المأساوية، تَجرِبة فقدان الثقة بالله والإحساس بتخلّي الربّ عنا! وهذه أخطر التجارب؛ إنها تَجرِبة الإلحاد: "فلو كان الله موجودٍا، لما حصل معي هذا!". وأن مشكلة الشر والألم في العالم هي وراء فقدان الثقة بالله، ولكنَّنا نؤمن بأنّ يسوع "معنا"، وأنه كان الأوّل في الانتصار على هذه التَجرِبة ببقائه على الدوام أمينا للربّ حتى وهو "مسمّرٌ على الصليب".
التَجرِبة الثالثة حاجة اجتماعية: "السلطة الأرضية"
الشَيطان هو رئيس هذا العالم، وهو يُغوي المؤمنين بملذات وأمجاد هذا العالم الباطلة التي يملكها ويتحكم فيها، والثمن هو السجود له أي التبعية الكاملة له التي تصل لحد عبادته. إنَّه "كذَّابٌ وأَبو الكَذِب" (يوحنا 44:8)، فهو يغوي المؤمنين بعالم فانٍ زائل. وقد استغل الشَيطان هذه السلطة ليُجرّب يسوع كي يعبده، وبذلك يأمره بالخضوع الكامل له قائلا " وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً" (متى 4: 8 -9). يعلق البابا فرنسيس "كأن الشيطان يقول ليسوع: أنت لست بحاجة إلى أبيك! فلماذا تنتظر عطاياه؟ اتبع معايير العالم، خذ كل شيء بنفسك وستكون قوياً!" (عظة البابا فرنسيس 26/2/2023). حاول الشَيطان أنْ يُطبِّق المثل العامي "حسنة وأنا سيدك". فالشَيطان أبو الكذب ظنّ أنه قادر أن يخدع الرب يسوع " أُعطيكَ هذا كُلَّه " فلا حاجة إلى الصليب كي تُكوّن مملكة من العالم، إنّما يكفي أن تسجد لي. وكان هذا هو طلب اليهود أيضا معاصري يسوع الذين أرادوا منه أن يكون مسيحا سياسيا، "ملِكا لهذا العالم" متزعِّما مع الثوار الغيورين حركة استعادة "السلطة" والمجد من المحتل الروماني، كما جاء في إنجيل يوحنا "وعَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل" (يوحنا 6: 15).
حاول الشَيطان أن يُشكك يسوع في علاقته بالله آبيه السماوي: فهل يرشده الله؟ أجابه يسوع دون تساهل مع الشَيطان مستشهدا في كلمة الله "الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ" (تثنية الاشتراع 6: 13). ولم ينخدع يسوع، لأنَّه يعرف حقيقة سلطان آبيه، وأن ما لآبيه إنّما هو له، كما صرّح "جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي" (يوحنا 17: 10). ويُعلق القديس ايرونيموس "إن إِبليس لا يملك العالم كلّه ليعطي ممالكه، وإنما الله هو الذي يهب الملكوت لكثيرين". ويُثبت يسوع انه "ابنُ الله"، لأنه هو المسيح الملك، كما جاء في المزامير "قالَ لي: أَنتَ اْبني وأَنا اليَومَ وَلَدتُكَ. سَلْني فأُعطيَكَ الأمَمَ ميراثًا وأَقاصِيَ الأَرض مِلْكًا" (مزمور 2: 7-8).
رفض يسوع الملكية الأرضية أو "المسيحانية الأرضية " بما فيها من الشرّ والعنف الموجودين وراءَ سيطرة سياسيّة تعاكس المتطلّبات الإلهيّة، وفضّل يسوع أن يكون ذلك "العبد الفقير المتألّم" كما بيّن ذلك في غسل أقدام تلاميذه (يوحنا 13 :1-20). وجعل من نفسه ضعيفا، واختار "الصليب الذي كان عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين"(1قورنتس 1: 23). إنّ تَجرِبة السلطة هي تجربتنا نحن أيضا؛ إنها تجسّد ميلنا إلى السيطرة وفرض الرأي وتقديم مصلحتنا الخاصة. تتعلق هذه التَجرِبة في العمق بحاجتنا لنكون آلهة، وهي الرغبة الّتي تسكن في قلب الإنسان (التكوين 11: 5). لذا يمكننا أن نسأل عن جوهرية علاقة كل منا بالآخر وبالله؟ فهل نرتدي القناع لنتضامن في الشرّ أمّ لننال تحقيق مصلحتنا فوق الجميع؟ أم نعتمد على أبوة الله سامعين كلمات "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وأياه وَحدَه تَعبُد" (متى4: 10).
واجه يسوع التجارب الثلاثة بكلام الله مستشهدا من سفر تثنية الاشتراع، مبيِّنا أنَّه خادم لله، خاضعا تمام الخضوع لمشيئته الإلهية. بهذا الأمر تغلب يسوع على إِبليس: انه "ربط القوي" لكي يسترجع أمتعته (مرقس 3: 27). فكان انتصار يسوع على المُجَرِّب في البرية استباقا لانتصار الآلام من خلال خضوع محبته البنوية للآب. واثبت يسوع انه ابن الله بطاعته الكاملة وبتغلبه على الشَيطان. جُرّب فعرف ضعفنا، وصار "رئيس كهنة رحيما أمينا" (عبرانيين 2: 17). ولذا رأى صاحب الرسالة إلى العبرانيين في السيّد المسيح ليس مثالًا خارجيًا نتمثل به في وقت التجارب فحسب، إنّما هو المثل الحيّ الذي يفيض علينا بإمكانيّات نصر، كما جاء في رسالته "قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين" (عبرانيين 2: 18). ويُعلق القديس غريغوريوس الكبير "يسوع يغلب تجاربنا بتجارب". في هذه التجارب الثلاث اختار يسوع الاستماع إلى الآب وحده، والثقة به، والطاعة له وعبادته دون غيره.
نستنتج مما سبق أن الشَيطان يُغرينا من خلال أجسادنا وأرواحنا، كما فعل مع يسوع. لكنه يُعلمنا طرق مكره وخبثه، إنه "كذَّابٌ وأَبو الكَذِب " (يوحنا 44:8)، وكثير من وعوده كاذبة؛ ليس لديه سلطة وطاعة. يستخدم كلمة الله، لكنه من دون الله أي من دون سماع صوته تعالى ودون طاعته، وأما يسوع المسيح فهو صاحب القوة والسلطة والحقيقة الذي يفي بوعوده يعرف كلمة الله ويتمِّمها. وهكذا أصبح يسوع نموذجًا للبشرية التي تستجيب بشكل إيجابي للتواصل مع الله ولا تعتمد على ذاتها، بل على الله وفقط عليه.
3) كيف نواجه التَجرِبة
التَجرِبة في حد ذاتها ليست خطيئة، فإننا نخطئ عندما نستسلم للتَجرِبة ونعصي الله. لذلك قال الآباء "ليس الخطأ أن تحوم الطيور حول رؤوسنا، بل الخطأ أن تتخذ الطيور من رؤوسنا أوكارًا لها". وفي الواقع، تدخل التَجرِبة في مخطط الله الذي لا يريدنا أن نسقط، بل ليمتحن حبنا (أيوب 1-2). إنها شرط ضروري للفضيلة المُجَرِّبة "لأَنَّه لابُدَّ مِنَ الشِّقاقِ فيما بَينَكُم لِيَظهَرَ فيكُم ذَوُو الفَضيلةِ المُجَرِّبة" (1 قورنتس 11: 19). ولا يمكنُ أن تخلوَ حياتُنا في غربتِنا الأرضيّةِ هذه من المحنةِ أو التَجرِبة. لأنَّ تقدُّمَنا يتمُّ عن طريقِ التَجرِبة. والتجربة هي فرصة للقاء الإنسان مع نفسه ليفضح الأكاذيب التي تسكن فيه، والإقرار بأوهامه والصورة الخادعة لديه عن الله، فيعرف ذاته وحاجته الشخصية للخلاص بالاعتماد على الله.
التَجرِبة تُمكّـنُ الإنسان من العبور من الحرية المعروضة إلى الحرية المُعاشة، من الاختيار إلى العهد. يسمح الله التجارب ولكنه يُعيننا على الخروج منها مملوئين من الرُّوح القدس، بصورة أكثر قوة وصلابة وخبرة وتواضعاً، إذ نُدرك ضعْفنا واثقين في وعود الله، مختبرين قوته ونصرته على الشَيطان وأسلحته. لذلك لا يمكنُ أن تخلوَ حياتُنا في غربتِنا الأرضيّةِ من التَجرِبة. لأنَّ تقدُّمَنا يتمُّ عن طريقِ التَجرِبة. وفي هذا الصدد يقول القديس أوغسطينوس "لا أحدَ يقدرُ أن يَعرِفَ نفسَه إلا إذا مرَّ بالتَجرِبة، ولا يمكنُ أن يُكلَّلَ بالمجدِ إلا إذا غَلَبَ. ولا يمكنُ أن يَغلِبَ إلا إذا جاهد، ولا يمكنُ أن يجاهدَ إلا إذا تعرّضَ له أعداءٌ وتجارِبُ" (CCL 39، 766). لنتعلم من المسيح كيف نواجه التَجرِبة، فتلميذ المسيح يسير على خطاه، ويقتدي بسيرته وانتصاره.
كيف يمكننا التغلّب على التَجرِبة؟ يمنحنا الربّ يسوع روحه القدّوس كي يعيننا في ضعفنا "فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا" (رومة 8: 26) وكي يكون مرشدنا ومُعزّينا في التجارب والشدائد كما جاء في تعليم بولس الرسول " لم تُصِبْكُمْ تَجرِبة إِلاَّ وهي على مِقدارِ وُسْعِ الإِنسان. إِنَّ اللهَ أَمينٌ فلَن يأذَنَ أَن تُجَرَّبوا بما يفوقُ طاقتَكم، بل يُؤتيكُم مع التَجرِبة وَسيلةَ الخُروجِ مِنها بِالقُدرةِ على تَحَمُّلِها"(1 قورنتس 10: 13). ويعلق القديس أوغسطينوس " فإن جُرِّبْنا مع المسيح، فمعه نحن سوف ننتصرُ على إبليس. كانَ بوِسعِه أن يمنعَ الشَيطان من الاقترابِ منه. ولكنَّه لو لم يُجرَّبْ لمَا علَّمَك كيف تنتصرُ حينَ تُجرَّبُ (القديس أوغسطينوس (CCL 39، 766).
يمنح الربّ النعمة للمتواضعين كي يُقرّوا باعتمادهم عليه "إِنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكَبِّرين ويُنعِمُ على المُتَواضِعين" (يعقوب 4: 6)، وهو يساعدنا في مقاومة الشَيطان، الّذي يريد أن يُدمّرنا " إِنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه، فقاوِموه راسِخينَ في الإِيمان. فإِن إِلهَ كُلِّ نِعمَة، الإِلهَ الَّذي دَعاكم إلى مَجْدِه الأَبَدِيِّ في المسيح، هو الَّذي يُعافيكمَ ويُثَبِّتُكم ويُقَوِّيكم ويَجعَلُكم راسِخين" (1 بطرس 5: 8-10). يريد الربّ لنا أن "نجاهد في الإِيمانِ جِهادًا حَسَنًا " (1 طيموتاوس 6: 12)
تقدم لنا تجارب يسوع مثالا يحتذى به عندما نتعرض للتَجرِبة حيث يسوع واجه التَجرِبة ولكنه لم يستسلم لها، بل تغلّب عليها من أجلنا، كما يصرِّح كاتب الرسالة إلى العبرانيين " فلَيسَ لَنا عَظيمُ كَهَنَةٍ لا يَستَطيعُ أَن يَرثِيَ لِضُعفِنا: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة" (عبرانيين 4: 15). ويعرف يسوع معرفة كاملة ما نتعرض نحن له، وهو قادر وعلى استعداد أن يُعيننا في تجاربنا، فعلينا أن نطلب منه القوة عندما نتعرض للتَجرِبة ونتمثل به. واجه يسوع المُجَرِّب كما يواجه كل واحد منا، وذلك بامتلائه بالرُّوح القدس واستعمال سلاح كلمة الله والصلاة والصوم والتواضع. وبهذا علمنا كيف يجب أن نقاوم تجارب الأرواح الشريرة بالرغم انه هو نفسه لم يكن بحاجة إلى هذه الأمور لأنه هو الله.
ا) التسلح بالرُّوح القدس:
يروي لنا لوقا الإنجيلي " رَجَعَ يسوعُ مِنَ الأُردُنّ، وهو مُمتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، فكانَ يَقودُه الرُّوحُ في البرِّيَّةِ" (لوقا 4، 1) ويؤكد ذلك متى الإنجيلي بقوله "وسارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس" (متى 4: 1). فاستطاع يسوع أن يواجه إبليس وتجاربه وينتصر عليها بقوة الرُّوح. لذلك يُوصينا بولس الرسول: "تَسلَّحوا بِسِلاحِ الله لِتَستَطيعوا مُقاوَمةَ مَكايدِ إبليس " (أفسس 6: 10-12). وهذا السلاح هو " دِرْع البر وخوذَةَ الخَلاصِ، ورداء الغيرة وترس القداسة"(أشعيا 59: 17).
الرُّوح القدس هو قوة رادعة للشَيطان، والمسيح أرسل لنا الرُّوح القدس للتغلب على الشَيطان ودحره. فالشَيطان قوي ومغرياته قوية، لكننا بالرُّوح القدس الذي فينا نكتشف ألاعيبه ونهزمه ونرفض عروضه ومغرياته الخبيثة. إنه يُعيننا في ضعفنا، كما جاء في تعليم بولس الرسول "فإِنَّ الرُّوحَ يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا "(رومية 8، 26)، ويكون مرشدنا ومُعزّينا في التجارب والشدائد (1 قورنتس 10، 13) ويساعدنا في الوقوف في وجه تجارب الشَيطان، الّذي يريد أن يُدمّرن كما يصرّح بطرس الرسول " إِنَّ إِبليس خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه"(1 بطرس 5، 8).
من هنا جاءت توصية بولس الرسول "اسلُكوا سَبيلَ الرُّوح فَلا تَقْضوا شَهوَةَ الجَسَد، لأَنَّ الجَسَدَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الرُّوح، والرُّوحَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الجَسَد: كِلاهُما يُقاوِمُ الآخَرَ" (غلاطية 5: 16-17). فالنعمة التي وهبها الله لنا أعظم وأقوى على مغريات التجربة وقادرة أن تتغلب على شهوات الإنسان الخاطئة (يعقوب 4: 6). ولا ننسى أنَّنا في رتبة المعمودية عندما يحلّ علينا الرُّوح القدس نكفر بالشَيطان، مبدا الخطيئة والشر، وهذا معناه أن المؤمن منذ معموديته يدخل في تحدٍ مع الشَيطان ورفضه ورفض أعماله وإغراءاته وأباطيله.
ب) التسلح بالكتاب المقدس:
عاد يسوع إلى الكتاب المقدس تلاث مرات في دحضه تجارب الشَيطان الثلاث. كان كل مرّة يجابهه قائلا "مكتوبٌ " (متى 4: 3-10). ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين "إِنَّ كَلامَ اللهِ حَيٌّ ناجع، أَمْضى مِن كُلِّ سَيفٍ ذي حَدَّين" (عبرانيين 4: 12). ولذلك فإن تلميذ المسيح عليه أنْ يدحر المُجَرِّب مثلما دحره المسيح مستعينا بكلمة الله لكي يختبر ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة، كما جاء في تعليم بولس الرسول “لِتَتَبيَّنوا ما هي مَشيئَةُ الله، أَي ما هو صالِحٌ وما هو مَرْضِيٌّ وما هو كامِل"(رومة 12: 2)؛ والوعد في اختبار كلمة الله لمن له الإيمان كما ورد في المزامير " إِنِّي أعَلِّمُكَ وأُرشِدُكَ في الطَّريقِ الَّذي تَسلُكُه وأكون ناصِحًا لَكَ" (مزمور 32: 8).
كلمة الله هي وسيلتنا للتغلب على الشَيطان وتجاربه. فلم يتردَّد بولس الرسول أن يدعونا للتسلح بكلمة الله لنَستَطيعَ مُقاومة مَكايِدِ إبليس: " تَسلَّحوا بِسِلاحِ الله لِتَستَطيعوا مُقاوَمةَ مَكايدِ إِبليس ...واحمِلوا تُرْسَ الإِيمانِ في كُلِّ حال، فبِه تَستَطيعونَ أَن تُخمِدوا جَميعَ سِهامِ الشِّرِّيرِ المُشتَعِلَة. واتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله" (أفسس 6: 11-17). ويُعلق القدّيس أنطونيوس على كلمات يسوع الرب قائلاً: "اذهب يا شَيطان". إنها مِنحة يقدّمها السيّد لمؤمنيه، يستطيعون كمن لهم سلطان أن ينطقوا بالمسيح الذي فيهم ذات الكلمات، إذ يقول: ليخزى الشَيطان بواسطتنا، لأن ما يقوله الرب إنّما هو لأجلنا، لأنه عندما تسمع الشيّاطين منّا كلمات كهذه تهرب خلال الرب الذي انتهارها بهذه الكلمات". ويضيف البابا فرنسيس " لم يتحاور يسوع مع الشيطان، ولم يتفاوض معه، بل رفض تلميحاته بالكلمات النافعة في الكتاب المقدس. إنها دعوة لنا أيضًا: لا جدال مع الشيطان! لا يمكننا أن نهزمه من خلال التفاوض معه، وإنما بمعارضته بالكلمة الإلهية" (عظة البابا فرنسيس 26/2/2023). ما هو مكان كلمة الله في حياتنا؟ وهل نلجأ إليها في صراعاتنا الروحية؟
ج) الالتجاء إلى الصوم:
استعد يسوع لمجابهة تجارب إِبليس بالصوم "صامَ يسوع أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً" ((متى 4: 3). يُعلمنا يسوع هنا أننا لا نستطيع أن نَقوى على التَجرِبة وننتَصِرَ عليها إلاّ بالصوم، لأننا في هذه الحياة " فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات" (أفسس 6: 12-13).
أن العدوّ يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن. بالصوم ننزع من إِبليس رئيس هذا العالم سلاحه الذي هو ملذات العالم، لان الصوم هو الزهد عن ملذات هذا العالم. وكما صام يسوع قبل مواجهته التَجرِبة هكذا علينا أن نصوم. الصوم هو من أقوى الأسلحة التي بها نقاوم الشَيطان، كما جاء في تعليم يسوع المسيح "وهذا الجِنسُ مِنَ الشَيطان لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم "(متى21:17). ويُعلق القديس أوغسطينوس "عندما يوجد صراع متزايد من المُجَرِّب يلزمنا أن نصوم، حتى يقوم الجسد بالواجب المسيحي في حربه ضدّ (شهوات) العالم". فالصوم يرفع وعينا الرُّوحي، ونتيجة لذلك، يُنشط الرُّوح القدس حياتنا. ويُشدِّد البابا فرنسيس في رسالته لعام 2017 على الصوم " إنَّ الصوم هو الزمن المناسب لنتجدّد في لقائنا بالمسيح الحيّ في كلمته، والأسرار والقريب". فالصوم هو إنكار للذات. فهل نقدِّم بعض التضحيات وإنكار الذات في صيامنا؟ وهل نفرض على أنفسنا بعض الإماتات الطوعية للتغلب على مغريات إبليس؟
د) التمسك بالصلاة:
يُعلمنا يسوع أنَّ الصلاة ضرورية لمجابهة تجارب إِبليس "إِسهَروا وصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَجرِبة"(متى 26: 41). يسبر الله غور القلوب ويختبرها (1 تسالونيقي 2: 4) ويسمح فقط بالتَجرِبة (1 قورنتس 10: 13) التي يثيرها المُجَرِّب (أعمال الرسل 5:3) من خلال العالم الذي "هُو كُلُّه تَحتَ وَطْأَةِ الشِّرِّير" (1 يوحنا 5: 19) وخصوصا خلال المال (1 طيموتاوس 6: 9). ولذلك نطلب من أبينا السماوي ألاَّ ندخل في التَجرِبة، كما علمنا يسوع في الصلاة الربانية "ولا تَترُكْنا نَتَعرَّضُ لِلتَجرِبة بل نَجِّنا مِنَ الشِّرِّير" (متى 6: 12). فالصلاة هي شركة واتحاد مع الله، لذا فهي تُعد من أقوى الأسلحة لمقاومة الشَيطان، إذ تربطنا بالله الذي يُرعب الشياطين، كما جاء في تعليم يسوع المسيح " وهذا الجِنسُ مِنَ الشَيطان لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم"(متى21:17). التجأ يسوع نفسه إلى الصلاة في أقسى تجاربه في أُورشَليم، سيما تلك التَجرِبة المأساوية التي فيها تمنّى لو يتخلّص من الموت فقال: " يا أَبتِ، إِن شِئْتَ فَاصرِفْ عَنِّي هذِه الكَأس… ولكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ!" (لوقا 22: 42).
ه) السهر للحذر:
يوصينا يسوع أن نكون دائما على حذر من هجمات الشَيطان كما أوصانا يسوع " فاحذَروا أَن يُثقِلَ قُلوبَكُمُ السُّكْرُ والقُصوفُ وهُمومُ الحَياةِ الدُّنيا، فَيُباغِتَكم ذلِكَ اليَومُ كأَنَّه الفَخّ " (لوقا 21: 34-35). ويلفت بولس الرسول إنظارنا إلى أهمية الحذر "حَذارِ أَنتَ مِن نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجرَّبَ أَنتَ أَيضًا " (غلاطية 6: 1). ويؤكد ذلك متى الإنجيلي أنَّ التَجرِبة آتية، لذا يوصي بان نكون متيقظين مستعدين لها حتى لا تغلبنا "الرُّوحُ مُندَفع وأَمَّا الجَسدُ فضَعيف" (متى 26: 41). هل نكرّس ربع ساعة في الأسبوع للصلاة والتأمل والتفكير على خطى السيد المسيح؟ وقت الصلاة هو أيضا وقت "التَجرِبة والاختبار"، يختبر الإنسان نفسه، كي يكتشف قدراته الحقيقية، وقت الصلاة هي أفضل وقت لنصلي صلاة أبانا طالبين أن " لا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير" كي لا ندع التجارب تنتصر علينا وتخضعنا للشرير بل ننتصر عليها.
باختصار، المسيح هو الطريق، ففيه اعتمدنا وفيه نلنا قوة الرُّوح القدس وفيه نصوم ونزهد في العالم، وفيه نُقْتاد إلى التجارب غير هيَّابين، وفيه نغلب ونخرج من التجارب منتصرين. لذلك يجب على كل تلميذ ليسوع أن ينتظر مجابهة مماثلة لمجابهة يسوع للتَجرِبة، وان يتمتع بغلبة مماثلة. فنحن في حرْبنا ضد الشَيطان وتجاربه لسنا نحارب بقوتنا بل بقوة المسيح المنتصر. أنه حطّم أسلحة إِبليس وقوته لحساب الإنسان الجديد والخليقة الجديدة التي هو رأسها، كما وعدنا "تُعانونَ الشِدَّةَ في العالَم ولكن ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم " (يوحنا 16: 33). ويُعلق القديس أوغسطينوس "ومع المسيحِ أنتَ جُرِّبْتَ، لأنَّ المسيحَ منكَ أخذَ لذاتِه جسدًا، ومن ذاتِه وهبَ لك الخلاص. منكَ له التَجرِبة، ومنه كان لك النصر". فإن جُرِّبْنا معه، فمعه نحن سوف ننتصرُ على إِبليس. وقد ربط متى الإنجيلي التَجرِبة بالعماد (متى 3: 13 –4: 1-11). ليدل على أن المؤمن هو ابن الله الذي انتصر على إِبليس منذ عماده. فلا يبقى له إلاَّ أن يجعل الانتصار واقعا ملموسا بربنا يسوع وقوة صليبه المنقذ وموته المُحيي وقيامته المجيدة.
الخلاصة
كانت تجارب يسوع من قِبل إبليس في بدء خدمته على الأرض إغراءً له، لكن يسوع انتصر على قوات الجحيم واسترد الفردوس الذي فقده آدم الأول. ويلخص التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية تجرب يسوع بقوله "التَجرِبة في الصحراء تظهر يسوع مسيحا متواضعا يتغلب على إِبليس بانصياعه الكلي لتصميم الخلاص الذي أراده الآب (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 566).
اقترح الشَيطان علي يسوع في الصحراء كلّ شيء: الحياة والسلطة والنجاح. ولكن التَجرِبة تكمن في توليّ يسوع بنفسه السلطة دون اللجوء إلى الآب السماوي المانح الحياة وموزِّع المواهب. يريد الشَيطان أن يستقل يسوع عن أبيه السماوي ويفصله. فقاوم يسوع هذه التجارب باللجوء إلى الطاعة لله الذي يهب كل شيء، كما يشهد على ذلك كاتب الرسالة إلى العبرانيين "أَيَّدَته شهادةُ اللهِ بِآياتٍ وأَعاجيبَ ومُعجِزاتٍ مُختَلِفَة وبِما يُوَزِّعُ الرُّوحُ القُدُسُ مِن مَواهِبَ كَما يَشاء" (عبرانيين 2: 4).
ما إجابات يسوع على المُجرِّب الشرير إلّا اقتباسات من نصوص تمّ سردها من أحداث عاشها شعب بين إسرائيل أثناء عبوره للصحراء للأرض الّتي وعد الله بها: عطيّة المَنّ (تثنية الاشتراع 8: 3)، عطيّة الماء بخروجه من صخر الصحراء (تثنية الاشتراع 6: 16؛)، عبادة العجل الذهبي (تثنية الاشتراع 6: 3؛ خر 16).
لم تكن تجارب يسوع في البَريَّة إلاّ البداية! إذ سيُجرَّب يسوع من جديد في أُورشَليم؛ لانَّ المجابهة الحقيقية ستحصل هناك، ساعة الآلام، إذ "دَخَلَ الشَيطان في يَهوذا المَعْروفِ بِالإِسْخَرْيوطِيّ، وهو مِن جُملَةِ الاِثَنيْ عَشَر" (لوقا 22: 3). وتَجرِبة يسوع، هي تَجرِبة البشرية كلها، وهي تجربتنا نحن أيضا؛ إذ ما زلنا نحن أيضا نشكّ في الربّ، لأنَّه لا يُظهِر لنا ذاته، وبالتالي نضع ثقتنا في "آخرين"! أمّا جواب يسوع فكان مختصرا وقاطعا: "لا أحد سوى الله!".
إن هدف تَجرِبة الشَيطان، منذ بداية التاريخ المقدس، هو أن يوحي للإنسان أن هناك إلهًا مختلفًا عن الإله الّذي كشف عن ذاته كأب. فيحاول يُجرِّب الإنسان بإله غير مُحبّ، ولا يقدّم كلّ شيء، ولا يمكن الثقة به تماماً، ولذلك يجب أن نقوم بتدبير أنفسنا بأنفسنا، ويجب أن نُخلّص أنفسنا بأنفسنا وننفصل ونستقل عنه ومن هنا جاء كلام يسوع " لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حياتَه يَفقِدُها. وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَه في سَبيلي فإِنَّه يُخَلِّصُها" (لوقا 9: 24). يدعونا انتصار يسوع على التجارب أن نسير على خطاه، كما يقل اللاهوتيّ كلود تاسّين، إنها "التجارب المَثَل للمسيحي". نحن لا نريد نعبد أو أن نضع ثقتنا لا في المال، ولا في اللذة، ولا في السلطة، ولا في النظريات السياسية، ولا في هذا العالم، إنما نريد لِلرَّبِّ إِلهِنا تَسجُد وإيَّاهُ وَحدَه تَعبُد على خطى يشوع بنون في عهده مع الله " أَمَّا أَنا وبَيتي فنَعبُدُ الرَّبّ".
دعاء
أيها الآب السماوي، إملاءنا بروحك القدّوس كي تكون لديّنا الثقة الكاملة بك وبعمل مشيئتك، ونبذ كل ما هو نقيض لها، وامنحنا القوّة في مقاومة التجارب والانتصار عليها، فنبقى أبناء أمناء لك على مثال ابنك الذي كان أمينا منذ بداية رسالته حتى نهايتها وهو "مسمّرٌ على الصليب" ونحيا بكل كلمة تخرج من فم الله. آمين".
قصة الملك يوشافاط والتَجرِبة
هناك قصة من العهد القديم تشرح فكرة التجارب. فقد جاء يوشافاط كملك قديس على يهوذا، فأثارت قداسته ثائرة إِبليس فأهاج الأعداء ضده واجتمع عليه جيش عظيم. إذًا سمح الله بتَجرِبة هذا الملك القديس. فماذا فعل يوشافاط؟ نجده يصلي ويسبح ويصرخ لله، ونجد الله يتدخل ويزيل العدو من أمامه، ويعود يوشافاط وشعبه ومعهم غنائم كثيرة، عادوا أعظم من منتصرين (2 أخبار الأيام 1:20-30)؛ لم ينتصر يوشافاط فقط بل عاد وشعبه ومعهم غنائم. والمسيح أتى ليفتتح ملكوت الله في صميم العالم وهذا معناه اقتحام سلطة الشَيطان رئيس هذا العالم ونهب داره أولًا، داره الذي سلَّحه بأسلحة الخطيئة المتعددة من شهوات وملذات العالم (متى 28:12-29).