موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٤ مارس / آذار ٢٠٢٥

"التجليّ الإلهي والأزمة البشريّة!" بين كاتبي سفرُ التكويّن والإنجيل الثالث

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تك 15: 5- 18؛ لو 9: 28- 36)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تك 15: 5- 18؛ لو 9: 28- 36)

 

الأحدُ الثاني من الزمن الأربعينيّ (ج)

 

مُقدّمة 

 

بدأنا مسيرتنا بالزّمن الأربعينيّ والّتي إنطلقنا فيها من الخطوة الروحيّة الأولى وهي"إيماننا وإيمان الرّبّ". اليّوم، نخطو الخطوة الثانية الروحيّة من هذا الزّمن. من خلال مقالنا الّذي أعطيناه عنوانًا "التجليّ الإلهي والأزمة البشريّة". هل يتجلى الرّبّ في وقت أزماتنا البشريّة أم يتركنا نصارع بمفردنا؟ ما هو شكل هذا التجلي وكيف نميّزه وقت آلامنا؟ سنجد إجابات من العهد الاوّل، بسفر التكويّن وهو أحد بل وأهم التجليات الإلهيّة للرّبّ لأَبرام، الّذي لم يتغير بعد إسمه لإبراهيم (15: 5- 18) حيث يدعونا الرّبّ من خلال البطريرك الـمستقبلي إلى تبعيّة أمره النابعة من الإيمان به وليس من ذاواتنا. ثمّ سنناقش بالعهد الثاني، الحدث الشهير لتجليّ يسوع أمام تلاميذه ومعه موسى وإيليا، بحسب البشارة اللُوقاويّة (9: 28-36). لفظ التجلي، حتى لو كان بعيدًا عن لُغتنا المشتركة اليّوم، إلّا إنّه لفظ أساسيّ في حياتنا الكتابيّة والـمسيحيّة، لا ينبغي أنّ يغيب عن قاموسنا الإيمانيّ والروحيّ. سنتعرف، بمقالنا هذا، على أهميّة لفظ التجلي كلفظ جوهري في مُفرداتنا الـمسيحيّة وصداه في حياتنا اليوميّة. من الجدير بالذكر، أنّ تتكرر قرائتنا لهذا الحدث، في كلّ زّمن أربعينيّ سنويّا، ليساعدنا على إعادة اكتشاف شفافيّة سرّ تجليّ الرّبّ بحياتنا وهذا ما يدعونا من جديد، أن نتنبه جديًّا لتجلي الرّبّ خاصة وقت التجارب والأزمات الحياتيّة.

 

 

1. النظر إلى خارج الذات (تك 15: 5-18)

 

يُدهشنا كاتب سفر التكويّن بسرد الحوار الّذي دار بين الرّبّ وأبرام في وقت أزمته البشريّة، إذ ليس له نسل بعد بعد مرور فترة من الوعد الإلهي بنسل. هذا الوقت إبرام يمثل كلاً منا، ففي وقت الـمعاناة بالتحديد، فقط الله يقترب منا مُتجليًا لنا في وقت شدتنا قائداً إيانّا للخارج، ليس فقط جغرافيًا بل خارج فكرنا وأزمتنا. وها نحن نسمع، مع أبرام، صوت الرّبّ بعد أنّ: «أَخرَجَه إِلى خارِجٍ [الخيمة] وقال: "اُنْظُرْ إِلى السَّماء وأَحْصِ الكَواكِبَ إِنِ استَطَعتَ أَن تُحصِيَها [...] هكذا يَكونُ نَسْلُك". فآمَنَ بِالرَّبّ، فحَسَبَ لَه ذلك بِرّاً» (تك 15: 5- 6). يدعونا الرّبّ بالخروج من دائرة ذاوتنا الـمُغلقة، وقت أزمتنا البشريّة، مما يجعلنا ننفتح على ما هو للرّبّ وعلى خطته العجيبة الّتي فيها الحلول لاّتي تُخرجنا من أزمتنا. وهنا ردّ فعل أبرام بالطاعة للأمر الإلهيّ، ما هو إلّا بداية لمسيرة إيمانيّة ميّزت علاقته بالرّبّ. ويستمر الرّبّ في تجلّيه لأبرام مُحاوراً إياه قائلاً: «خُذْ لي عِجلَةً في سَنَتِها الثَّالِثة وعَنزَةً في سَنَتِها الثَّالِثة وكبْشًا في سَنَتِه الثَّالِثة ويَمامةً وجَوزَلاً» (تك 15: 9). هنا يبدأ تجلي الله العملي من خلال مشاركة خطته لأبرام ولنا كشعب ينتمي له. من خلال نعمة العهدّ، الّذي هو ثمرة التجلي الإلهي، ستصير علاقتنا بالرّبّ من خلال هذا الـعهدّ بداية ليس لخروج أبرام من أزمته فقط بل لوضع جذور إيمانيّة أكثر عمقًا بالرّبّ حتى يومنا هذا بناء على العهدّ كما يصف كاتب سفر التكويّن: «فلَمَّا غابَتِ الشَّمْسُ وخَيَّمَ الظَّلام، إِذا بَتنُّورِ دُخانٍ ومِشعَل نارٍ يَسيرانِ بَينَ تِلكَ القِطَع. في ذلِك اليَوم قَطَعَ الرَّبُّ معَ أَبْرامَ عَهْدًا» (تك 17- 18).

 

بهذا الفعل الخارق والغير مُنتظر دخل الرّبّ بتجليّه في ظلام أبرام وظلامنا يواجه الرّبّ بذاته، عنا جميعًا، كلّ أزاماتنا وما نواجهه من تحديات فصار الـمُستحيل لدينا غير مستحيل لديّه. مدعوين بأنّ نطيع ونثق أكثر ونؤمن بالرّبّ فيتجلى بحياتنا الضعيفة ولن تكون الكلمة الأخيرة لأزمتنا بل لكلمة العهدّ. هذا ما تمّ مع أبرام ولكن في حياة يسوع البشريّة نجد التجلي الإلهي كاملاً في شخص يسوع الّذي يُجسد، بحسب لوقا هذا التجليّ الفريد من نوعه، كإستباق لسرّ قيامته تُفاجئنا طاعة يسوع الإبن بإستمرارية عهدّ االله الآب فيه.

 

 

2. مُعاينة ملكوت الله! (لو 9: 28-36)

 

عاش يسوع حدث التجلي، كتجربة فريدة، إذ بعد مرور ثماني أيّام على ختام حواره مع الجمع وتلاميذه بقوله: «في جُملَةِ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ الـمَوتَ حتَّى يُشاهِدوا مَلكوتَ الله» (لو 8: 28). ما هو الـملكوت ومَن هم الّذين لا يموتون قبل أنّ يعاينوه؟ ترك يسوع القضيّة مفتوحة ولم يعلن عن إجابة مباشرة على هذه الأسئلة. بالتدريج نجد يسوع بحسب لوقا، يقود تلاميذه إلى الجبل لفترة خلوة وصلاة وصمت (راج لو 9: 1). ها نحن في اليوم الثامن لقوله هذا، مما يشير ليّوم قيامة يسوع بحسب لوقا 24. بحضور فعلي لثلاثة من تلاميذ يسوع، جماعته الحميمة، وهم بطرس ويعقوب ويوحنّا، بحسب شهادة الأناجيل الإزائية الثّلاث، متى ومرقس ولوقا، قبل رحلته نحو أورشليم. يخبرنا لوقا بحقيقة أساسية عن طريقة عمل الله في عالـمنا، حيث يكشف الله عن ذاته دون تدمير وفناء العالم، وأيضًا دون إزالة الإنسان بل من خلال تجليّه كإله وإنسان أمام تلاميذه الثلاث، بحسب سرد الكاتب بقوله في 9: 29-32: بَينَما هو [يسوع] يُصَلِّي، تَبَدَّلَ مَنظَرُ وَجهه، وصارَت ثِيابه بِيضاً تَتَلألأُ كَالبَرْق. وإِذا رَجُلانِ يُكَلِّمانِه، وهُما مُوسى وإِيلِيَّا، قد تَراءَيا في الـمَجد، وأَخَذا يَتَكلَّمانِ على رَحيلِه الَّذي سَيتِمُّ في أُورَشَليم. وكان بُطرُسُ واللَّذانِ معَه قد أَثقَلَهُمُ النُّعاس. ولكِنَّهُمُ استَيقَظوا فَعايَنوا مَجدَه والرَّجُلَينِ القائميَنِ مَعَه.

 

 

3. تظليل الغمام (لو 9: 33- 35)

 

مُعاينة الثلاث تلاميذ ملكوت ومجد يسوع، بحدث التجلي، من على الأرض من خلال ما يعيشوه وما يحدث في إنسانيّة وإلوهيته يسوع. في هذا الحدث الـمُعاش من خبرة التجليّ، ما هو إلّا إستباق عن حدث قيامته المجيدة. ففي جسد يسوع البشريّ، ومن خلال لغة رمزية ساميّة، كشف لنا كاتب الإنجيل الثالث عن مجد الله الـمُعلن لنا في شخص يسوع أثناء الصّلاة. إنّ إنسانية يسوع لم تُلغى، ولكن من خلالها بالتحديد يكشف لنا الله عن ذاته، ويروي الآب هويته الحقيقيّة (راج يو 1: 18). في حدث التجلي تمّ الكشف عن حقيقة يسوع الجوهريّة وهي أنّ الإنسان، نصبح الـمكان الّذي يستطيع الإلهي أنّ يتواصل فيه لكي يجعل الله ذاته مُتألقًا في حقائقنا الإنسانية دون إلغائها، حتى نتمكن نحن البشر من العثور في الله على أعمق حقيقة لذاواتنا.

 

تجلى الله في حياة إبرام ولكن ردّ فعله البشري كان ضروري من خلال الإيمان، النابع من أمانته لله، وطاعته له. شجعته هذه الخطوات لمواجهة أزمته بل للدخول في العهدّ الّذي هو إنطلاقة جديدة وأساسها هو الإستمرار في العلاقة بالرّبّ إله العهد. نعم الله ليس ببعيد، تجليات الله لأبرام ومروراً بتلاميذ يسوع وحتى يومنا هذا لّازالت مستمرة بل يتجلى بعمق، في الوقت الّذي نعتقد إنّه بعيد وغائب ثم يأتي كاشفًأ عن خطته الساميّة الّتي تتحقق فيها الوعود. وهنا ما ينقصنا حقًا هو الإيمان بإله العهدّ في كلّ الأوقات وليس في أوقات البهجة والإستقرار فقط. مدعوين لنتعلم أنّ نبارك الرّبّ في وقت أزمتنا أكثر من وقت الطمأنينة، في وقت البطالة أكثر من وقت العمل ... لأنه من قلب الأزمة يتجلى ويجدد عهد حبه من جديد معي ومعك.

 

حقيقة سرّ التجلي لا تخص يسوع وحده؛ حتى وإنّ كان هو البطل الحقيقي. ففي سرّه ككلمة الله المتجسدة، نأخذ كبشر ضعفاء سرّ من نّوره الحقيقيّ. نعم إنّ سرّ التجلي يهمنا نحن أيضًا. لهذا السبب، تضع الكنيسة حدث التجلي الإلهيّ، كخطوة أساسيّة، من مسيرة الزّمن الأربعينيّ. يسوع يتجلى أمامنا وفي حضورنا، ما كان صحيحًا بالنسبة ليسوع هو حقًا صحيحًا حتى فينا. يستطيع الله أن يُظهِر مجده ويتجلى دون أنّ يُلغينا كبشر بحسب سرد لوقا القائل:

حتَّى إِذا هَمَّا [موسى وإيليا] بِالانصِرافِ عَنه قالَ بُطرُسُ لِيَسوع: "يا مُعَلِّم حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا. فلَو نَصَبنا ثَلاثَ خِيَم، واحِدَةً لَكَ وواحدةً لِموسى وواحِدةً لإِيليَّا!" ولم يَكُنْ يَدري ما يَقول. وبَينَما هو يَتَكَلَّم، ظهَرَ غَمامٌ ظَلَّلهُم، فلمَّا دَخَلوا في الغَمام خافَ التَّلاميذ» (لو 9: 33- 34). 

 

يظلل الغمام التلاميذ، إذ دخلوا في الغمام، هذا الغمام ما هو إلّا رمز وعلامة كتابيّة تشير للمجد الإلهي. يسوع الـمتجليّ أمام تلاميذه ليس ليقوم بعمل عرض أمامهم بل ليشملهم في هذ المجد. هذا هو نوع من مُعاينة البشر ملكوت الله. ففي كل مرة، نترك ذواتنا أمام المجد الإلهي لنتأمل يسوع في مجده يُنزع عنا الخوف ويحررنا لندخل في المخطط الحيّ الّذي يكشفه لنا الآب في أبنه سواء بالرمز أم بالقول.

 

في مرحلة تالية، ينشق غمام السماء وينفتح وينطلق صوت الله الآب الّذي يشهد ليسوع الابن الإلهي قائلاً لي ولك: «هذا هوَ ابنِيَ الَّذي اختَرتُه، فلَه اسمَعوا» (لو 9: 35). يشهد الآب أمامنا اليّوم بهويّة ابنه الّذي سيُتمم رسالته الخلاصيّة وهي فدائنا. ثمّ يطلب الآب، بصوته الّذي شق الغمام، مني ومنك، ماطلبه مع أبرام سابقًا وهو الإصغاء الّذي هو أساس الإيمان. لنسمع ونصغي بكل قلوبنا للآب الّذي أعطانا كلمة الحياة وهي يسوع الـّذي يتجلى بحياتنا. مدعوين للإصغاء للأفعال الإلهيّة الّتي تتم بحياتنا ولنتفحصها حتى نرى تجليات الرّبّ بحياتنا الفرديّة.

 

 

4. بقاء يسوع (لو 9: 36)

 

يختتم لوقا سرد هذا حدث التجليّ الإلهي مشيراً إلى عنصر لّاهوتي في غايّة الأهميّة: «بَينما الصَّوتُ [صوت الآب] يَنطَلِق، بَقِيَ يَسوعُ وَحدَهُ، فالتَزَموا [التلاميذ] الصَّمْتَ ولم يُخبِروا أَحداً في تِلكَ الأَيَّامِ بِشَيءٍ ممَّا رَأَوا» (لو 9: 36). في الواقع، يروي لنا هذا الحدث، سرّ تجلي يسوع كنقطة أساسيّة وهو "باقي معنا" حتى هذا اليّوم. نعم بالرغم من عبور يسوع من الموت للقيامة وصعوده بحسب لوقا إلى مجده إلّا إنّه كشف لنا أنّ حياتنا يمكن أنّ تصبح إنعاكسًا وشفافيّة لمجدُ الله، ليس بإلغاء إنسانيتنا، بل حينما نكتشف حقيقتها من جديد على ضوء وجود يسوع الباقي معنا. يدعونا هذا الزّمن الأربعينيّ إفساح المجال لله، بحياتنا وبالأخص وقت أزمتنا. وهذا لا يعني التخلي عن إنسانيتنا، بل إعادة اكتشافها، مُلتحفة بالنور الإلهيّ من خلال حدث التجلي الـمُعاش في حياتنا. التجلي الإلهيّ هو طّريق الإنسان للمجد وهو في نفس الوقت الطّريق السامي لتجلي إنسانيّة يسوع الإله. هذا هو معنى معموديتنا وكلّ عمل لله في حياتنا الله. في أزمتنا نتجلى حيث يُغيّر الله حياتنا، ولا يمحوها، بل يجعلها تنمو وتتحول وتشع بالـمجد الإلهيّ. إنّ سرّ التجلي يحتوي في داخله على سرّ علاقتنا بالله، بدءاً من إنسانيّة الابن الـمُتجليّ. على جبل التجلي يطلب منا الصوت السماوي أن نستمع إلى الابن – "اسمعوا له!" - لأنه باتباع خطواته يمكننا أن نصبح أيضًا شفافية لمجد الله، مما يجعل إنسانيتنا مدعوة بالخروج من إطار الذات الّتي لا تساعدنا للإنفتاح عى تدبير الرّبّ الصالح لنا.

 

 

الخلّاصة

 

ناقشنا في هذه الخطوة الثانية من مسيرتنا الكتابيّة بالزّمن الأربعينيّ، موضوع حيوي نحياه يوميًا إذ وجدنا إجابات لأسئلتنا الّتي ترافق حياتنا خاصة وقت أزماتنا كأبرام (تك 15: 5- 18) الّذي عانى من عدم وجود نسل له بعد مرور وقت لوعد الله له. إلّا إنه بالصبر والطاعة للرّبّ نجح في نمو إيمانه بالله بل أهلّه ليعبر لـمرحلة سامية وهي التنعم بأوّل التجليّات الإلهيّة وقطع العهدّ مع الرّبّ نيابة عن كلّ البشرية. أزمة أبرام بالماضي هي سبب نعمة وخير لكل اليهود والمسيحيين اليّوم، إذ بعلاقة العهدّ ننتمي لله وهو ينتمي إلينا. ثمّ ناقشنا حدث تجليّ يسوع بحسب لوقا (9:  28- 36)، نعاين معًا الـملكوت في شخص يسوع الّذي إستبق مجد قيامته بمجد تجليّه أمام جماعته الحميمة من التلاميذ. مَن يعاني الأزمة هو مَن ينتمي للجماعة الحميمة ليسوع، وفي هذا الوقت يتجلى له الرّبّ ويظهر بشدة عن هويته الإلهيّة في أحداث حياته حتى وإنّ كانت مُتأزمة. وهنا أيضًا سمعنا صوت الآب الّذي يرجونا بالإصغاء ليسوع الابن. ماذا يقول لك يسوع الآن؟ هل تكتشف تجلياته بحياتك وبأزماتك الّتي يعبرها هو معك؟ مدعوين بالخروج من دائرة الذات الّتي قد تكون فخ عدو الخير لتفصلنا عن يسوع الـمُتجلي والّذي يبقى هو وحده بحياتنا سيّد وإله ورفيق. دُمتم في الخروج من دائرة الذات ورفع النظر للسماء لرؤية يسوع الّذي يتجلي يوميّا.