موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
وصلت إلى قطاع غزة، في الأيام الأخيرة، أول قافلة مساعدات إنسانية لعام 2026 خصّصتها البطريركية اللاتينية في القدس لدعم سكان القطاع المنهكين جرّاء الحرب وتداعياتها. وأوضح الأب دافيدي ميلي، أمين سرّ البطريركية اللاتينية، أنّ القصف توقّف، غير أنّ نحو مليوني شخص باتوا بلا مأوى وبلا خدمات أساسية، ويعيشون في مساحة تقلّصت إلى ما يقارب النصف بفعل الحدود التي فرضها وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وجاءت تصريحات الأب ميلي خلال لقائه صحفيين وعاملين رعويين زاروا الأرض المقدسة ضمن برنامج «أوبرا رومانا بيليجريناجي» الخاص برعوية الحج. وأشار إلى أنّ الكنيسة اللاتينية تُعدّ من المؤسسات القليلة التي يُسمح لها بدخول قطاع غزة، وإرسال مساعدات إنسانية بشكل دوري كل 15 يومًا، وقد اضطلعت بدور أساسي في تنسيق هذه الجهود منذ بداية الحرب.
وأوضح الأب ميلي أنّ التدخّل الإغاثي الأول للبطريركية تمثّل في إدخال نحو ألفي طن من المواد الأساسية، من فاكهة وخضار وفيتامينات، للحد من المخاطر الصحية الخطيرة الناتجة عن نقص الغذاء، لا سيّما لدى الأطفال. وأضاف أنّ هذه المواد باتت متوافرة حاليًا في الأسواق، مع تراجع كلفة النقل، إلا أنّ الحاجة الملحّة اليوم تتمثّل في توفير الخيام والبطانيات. ولفت إلى أنّه، رغم مرور ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار، لا يزال الوضع بعيدًا عن الاستقرار، إذ لم تبدأ المرحلة الثانية ولا إعادة الإعمار، في ظل غياب شبكات الصرف الصحي والكهرباء، وتدمير أماكن العمل والمدارس.
وفي ما يتعلّق بقطاع التعليم، أشار الأب ميلي إلى أنّ خمس مدارس مسيحية كانت تعمل في غزة قبل الحرب، اثنتان منها تابعتان مباشرة للبطريركية اللاتينية، ولم يتبقَّ اليوم سوى مدرسة واحدة تعمل، هي مدرسة رعية العائلة المقدسة، حيث يتابع الدراسة ما بين 160 و180 طفلًا من أصل نحو 400 شخص لجأوا إلى الرعية. وشدّد على أنّ الاستثمار في التربية هو استثمار في المستقبل، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنّ القطاع الصحي يعاني نقصًا حادًا، إذ بات المستشفى الأنغليكاني يفتقر حتى إلى المستلزمات الأساسية، ولم يعد بالإمكان تشخيص أمراض خطيرة كالسرطان في وقت مبكر.
وعلى صعيد القدس، عرض الأب رامي عساكرية، كاهن رعية دير المخلّص في القدس، برامج الدعم التي طوّرتها البطريركية اللاتينية للجماعة المسيحية في المدينة، والتي يتجاوز عدد أفرادها 6000 شخص. وأكّد أنّ العائلات تمرّ بمرحلة صعبة للغاية نتيجة الحرب، أشدّ وطأة من فترة جائحة كورونا، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، ولا سيّما الإيجارات التي قد تصل إلى 1800 يورو شهريًا، ما يستهلك نحو 70 في المئة من دخل الأسرة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأقساط المدارس.
وأوضح الكاهن الفرنسيسكاني أنّه في غرض حماية هويتهم والحفاظ عليها، تفضل الجماعة ارتياد المدارس المسيحية الغالية بدلًا من المدارس الحكومية اليهودية. ولهذا السبب، توفر حراسة الأراضي المقدسة والبطريركية مساكن بإيجارات معتدلة.
من جهتها، لفتت ديما كلك من القسم الاجتماعي إلى أنّ امتلاك منزل بات حلمًا صعب المنال، ما يؤخّر الزواج لدى الشباب. وفي السياق نفسه، حذّر أسامة سلمان، الباحث في دراسات الجماعات، من تراجع ديمغرافي مقلق في صفوف المسيحيين في القدس، مشيرًا إلى أنّ عدد الوفيات يفوق عدد الولادات، الأمر الذي قد يهدّد باندثار الجماعة خلال العقود المقبلة، إذا لم تُعالج التحديات القائمة، مؤكدًا أنّ التربية تبقى المفتاح الأساسي للحفاظ على الهوية المسيحية وضمان استمراريتها.