موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٢٧ فبراير / شباط ٢٠٢٦
محبّة الفقراء: في ضوء الإرشاد الرّسوليّ ”لقد أَحبَبتُكَ“

الأب جورج أيوب - الفاتيكان :

 

المسيحيّ مدعوٌّ إلى أن يتأمّل في سرّ المسيح، الّذي تجسّد، وصار فقيرًا وعاش بيننا، ومات وقام من بين الأموات من أجل خلاصنا، ليعلّمنا أنّ الطّريق إلى الله يمرّ عبر المحبّة العمليّة والاهتمام بالآخرين، خاصّة بالمحتاجين وأشدّ النّاس فقرًا.[1] لننظر إلى الفقراء ليس على أنّهم مجرّد مشكلة اجتماعيّة، بل هم نداء شخصيّ وروحيّ موجَّه إلى كلّ واحد منّا، لتكون محبّة القلب والجسد والرّوح حاضرة في كلّ أعمالنا. لذلك، "يُطلب منّا أن نخصِّصَ وقتًا للفقراء، وأن نلتفت إليهم بمودَّة، وأن نصغي إليهم باهتمام، وأن نرافقهم في أوقاتهم الصّعبة، ونختار أن نشاركهم في حياتهم ساعات أو أسابيع أو سنوات من حياتنا، ونسعى، انطلاقًا من واقعهم، لتغيير وضعهم"[2].

 

كانت الكنيسة دائمًا، منذ بداياتها، منارة تهدي المؤمنين إلى الالتزام بالفقراء. فمحبّة الفقراء ليست عملًا اختياريًّا، بل هي جزء من جسد المسيح الحَيّ، الّذي يظهر في وجوه المحتاجين والمتألّمين.[3] في الواقع، "كلّ تجديد في الكنيسة كان دائمًا من أولويّاته هذا الاهتمام التّفضيليّ بالفقراء، وهو يختلف، بدوافعه وأسلوبه، عن عمل أيّة منظّمة إنسانيّة أخرى"[4]. فالكنيسة تشعر بحياة الفقراء وكأنّهم الجزء المُشرِق والمضيء فيها، ودعوتنا المسيحيّة هي أن نرى في كلّ فقير فرصة للقاء الرّبّ يسوع الّذي "صار إنسانًا يجوع، ويعطش، ويمرض، ويُسجَن"[5]، فنعيش معه خبرة الرّحمة الإلهيّة. إنّ محبّة الكنيسة للفقراء "هي أمرٌ جوهريٌّ وجزءٌ من تراثها الرّاسخ"[6].

 

لكن الطّريق إلى المحبّة الفعليّة ليس سهلًا. الثّقافة المعاصرة، أحيانًا، تغرينا باللامبالاة، فتدفعنا إلى أن نترك الفقراء لمصيرهم، أو أن نعتبرهم مجرّد عبء علينا، أو أن نقول إنّهم مشكلة يجب على السّياسيّين أن يحلُّوها.[7] هنا يأتينا مثل السّامري الرّحيم، الّذي يُبَيِّنُ لنا كيف يجب أن يكون قلب المؤمن: قلب لا ينغلق على ذاته، بل ينفتح على الألم والحاجة، ويختار أن يرافق ويشارك ويحبّ.[8] ففي كلّ فقير متروك أو محتاج، نجد دعوة لنتواضع، ونكتشف من جديد قيمنا الإنسانيّة والرّوحيّة، فنعمل بها كما طلب يسوع، عندما قال: "اذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضًا مِثْلَ ذلك" (لوقا 10، 37).

 

أهَمّ مساعدة نقدّمها للفقير هي مساعدته بتوفير عمل له. لأنّه بالعمل يستطيع أن يثبِّت شخصيّته وكرامته، وتزدهر إنسانيّته، ويشارك في خلق الله الّذي يستمرّ كلّ يوم. وإذا لم تتوفّر إمكانيّة تقديم عمل للفقير ليعيش بكرامة، يجب ألّا نتركه وحده.[9] "ولذلك تبقى الصّدقة لحظة ضروريّة من اللقاء، والتّواصل، والتّعاطف مع حال الآخر"[10]. والصّدقة، حتّى لو كانت صغيرة، هي عمل محبّة ملموس يمسّ قلب الإنسان الآخر،[11] والله يبارك المعطي كما يقول سفر الأمثال: "الصَّالِحُ العينِ يُبارَك لِأَنَّه أَعْطى مِن خُبزِه لِلفَقير" (الأمثال 22، 9).

 

قال القدّيس غريغوريوس النّزيانزي في ختام إحدى خطبه الشّهيرة: "إن كنتم تستمعون إليَّ، أنتم خُدَّام المسيح، إخوته وورثته، ما زال الوقت مناسبًا، زوروا المسيح، واعتَنوا بالمسيح، وأطعِموا المسيح، وألبِسوا المسيح، ورَحِّبوا بالمسيح، وكَرِّموا المسيح: ليس فقط بوليمة كما فعل البعض، ولا بالأطياب مثل مريم، ولا بتقديم قبر له، مثل يوسُف الرَّاميّ، وليس فقط بالقيام بواجبات الدّفن، مثل نيقوديموس، الّذي أحبّ المسيح حبًّا جزئيًّا، وليس فقط بالذّهب والبخور والمرّ، مثل المجوس، لكن بما أنّ الرّبّ يريد الرّحمة لا الذّبيحة [...] فلنقدِّم له هذا في رحمتنا للفقراء، حتّى إذا غادرنا هذه الأرض استقبلونا في الدّيار الأبديّة"[12].

 

نحن مدعوُّون اليوم إلى أن نتعلّم من الفقراء، من ضعفهم وصبرهم، ومن صمتهم وصراخهم الخفيّ. نحن مدعوُّون إلى أن نكون مسيحيّين حقيقيّين: مسيحيّين يختارون الرّحمة، ويزرعون العدالة، ويعيشون المحبّة كلّ يوم.[13] لنصغِ إلى قلب الكنيسة الّذي ينبض مع الفقراء والمستبعدين،[14] ولنعمل شيئًا أفضل دائمًا مِن ألَّا نعمل "لكي نلمس جسد الفقراء المتألّم"[15]. إذّاك نصير حقًّا شهودًا للمسيح، شهودَ محبّة ورحمة.

 

 

[1] راجع لاوُن الرّابع عشر، الإرشاد الرّسوليّ، لقد أَحبَبتُكَ، رقم 103-104؛ راجع متّى 25، 35-40.

[2] المرجع نفسه، رقم 104.

[3] راجع المرجع نفسه، رقم 103.

[4] المرجع نفسه.

[5] المرجع نفسه، رقم 110.

[6] المرجع نفسه.

[7] راجع المرجع نفسه، رقم 105-107.

[8] راجع المرجع نفسه، رقم 105-106؛ راجع لوقا 10، 25-37.

[9] راجع المرجع نفسه، رقم 115.

[10] المرجع نفسه.

[11] راجع المرجع نفسه، رقم 116.

[12] المرجع نفسه، رقم 118؛ القدّيس غريغوريوس النّازيانزي، الخطبة 14، 40: مجموعة المؤلّفات لآباء الكنيسة اليونانيّة 35، باريس 1886، 910.

[13] راجع المرجع نفسه، رقم 121.

[14] راجع المرجع نفسه، رقم 111.

[15] المرجع نفسه، رقم 119.