موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ٢٢ فبراير / شباط ٢٠٢٦
السماح بالسمك ومنع اللحوم في زمن الصوم: الخلفية التاريخية والروحية

أبونا :

 

يُثير موضوع تناول السمك خلال الزمن الأربعيني جدلاً سنويًا، حيث يتساءل الكثيرون عن سبب الامتناع عن اللحوم في حين يُسمح بالسمك. وفي الحقيقة، يجب أن ندرك أن هذه الممارسة ليست جزءًا من العقيدة نفسها، بل هي تقليد وضعته الكنيسة لتذكير المؤمنين بالتقشف والانضباط النفسي والروحي.

 

الصوم ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بل هو زمن للتوبة والتأمل، وللمشاركة الروحية في آلام السيد المسيح، ولهذا كانت الكنيسة ترى في الامتناع عن اللحوم أيام الجمعة أو في أوقات الصوم التقليدي ممارسة تربوية تساعد المؤمن على تقوية إرادته والانفتاح على البعد الروحي للصوم.

 

 

الأصل التاريخي لتقليد الامتناع عن اللحوم

 

تعود جذور الامتناع عن اللحوم (ليس فقط خلال الزمن الأربعيني، بل كل يوم جمعة على مدار العام) إلى القرون الأولى للمسيحية، حيث خصص المؤمنون هذا اليوم للتأمل في آلام المسيح على الصليب والاتحاد مع تضحيته. وقد كان الامتناع عن اللحوم يُنظر إليه على أنه شكل من أشكال التضحية والتقشف، إذ كانت اللحوم مرتبطة بالولائم والمناسبات الاحتفالية.

 

في العصور القديمة، شمل الصوم أحيانًا جميع المنتجات الحيوانية، مثل الحليب والبيض والأجبان، كممارسة للتقشف بعد انتهاء عصر الاستشهاد، ومشاركةً رمزية في آلام المسيح وذبيحته العظمى. وقد نصّت قوانين الكنسية اللاتينية، مثل القواعد 1251-1252، على وجوب الامتناع عن تناول اللحوم أيام الجمعة تكريمًا لذبيحة المسيح، ولتأكيد البعد التربوي والروحي لهذا التقليد.

 

 

لماذا يُسمح بالسمك؟

 

إلا أن السمك استُثني من هذا الامتناع، وله عدة أسباب تاريخية ورمزية:

 

أولاً، من الناحية العملية والاقتصادية، كان السمك غذاءً  شائعًا بين الفقراء وسهل الحصول عليه، كما يُعتبر أقل دسامة مقارنة باللحوم. لذلك، لم يُعتبر تناول السمك في الماضي وجبة احتفالية، بل كان يُنظر إليه كنوع من التقشف، مما جعله مناسبًا للصوم دون انتهاك روح الامتناع عن العطام.

 

أما في ثقافتنا الحالية، فقد تغيّر الوضع، إذ أصبحت اللحوم غالبًا الخيار الأرخص على قوائم الطعام ولم تعد مرتبطة بالمناسبات والاحتفالات كما في السابق، وهذا يربك كثيرين عند محاولة فهم هذه القوانين، خصوصًا محبي السمك الذين لا يرونه شكلاً من أشكال التقشف.

 

ثانيًا، من الناحية الرمزية، كان عدد من رسل المسيح صيادي سمك قبل دعوتهم ليصبحوا "صيادي بشر"، وقد استخدم المسيح السمك في معجزاته، مثل إطعام الآلاف، وبعد قيامته أطعم الرسل السمك المشوي على شاطئ بحيرة طبريا، مما أضفى عليه بعدًا مقدسًا ورمزيًا في حياة المؤمنين.

 

ثالثًا، في البعد الثقافي والتاريخي، كانت السمكة في القرون الأولى وسيلة سرية للتعرّف بين المسيحيين في أوقات الاضطهاد، كما أن كلمة السمكة باليونانية (ΙΧΘΥΣ) كانت اختصارًا لعبارة "يسوع المسيح ابن الله المخلّص"، مما جعلها رمزًا للحماية والتواصل بين المؤمنين.

 

رابعًأ، من الناحية القانونية واللاهوتية، أوضح القديس توما الأكويني، معلّم الكنيسة، أن الصوم وُضع للسيطرة على شهوات الجسد ومنع الأطعمة التي تثير اللذة والمتعة، ومن ضمنها لحوم الحيوانات التي تمشي على الأرض أو تطير في السماء، من دون أن يتطرّق إلى الأسماك.

 

ويجد هذا التمييز جذوره في الكتاب المقدس، حيث يقول الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتوس: "لَيسَتِ الأَجسامُ كُلُّها سَواء، فلِلنَّاسِ جِسْمٌ ولِلماشِيَةِ جِسْمٌ آخَر، ولِلطَّيرِ جِسْمٌ ولِلسَّمَكِ جِسْمٌ آخَر" (15: 39). هذا التمييز البيولوجي يعكس النظام الذي كان يُستخدم في تصنيف الأطعمة، حيث تُصنّف اللحوم ضمن فئة الحيوانات البرية والطيور، بينما تُعد الأسماك والخضار والحبوب فئة منفصلة، مما يفسّر استثناء السمك من الامتناع.

 

 

الجوهر الحقيقي

 

يبقى البعد الروحي هو الجوهر الحقيقي وراء الامتناع عن اللحوم. فالامتناع ليس مجرد قاعدة غذائية بل ممارسة روحية لتقديم تضحية لله والانضمام بروح المؤمن إلى آلام المسيح. الهدف من هذا التقليد هو تطهير النفس والابتعاد عن الترف والمتع المادية، وتوجيه المؤمن نحو الانضباط الداخلي، بحيث تصبح النية الصادقة والهدف الروحي هما المقياس، وليس مجرد الامتناع عن نوع معين من الطعام.

 

وفي الختام، يظهر أن الامتناع عن اللحوم أيام الجمعة على مدار العام وأيام الزمن الأربعيني هو تقليد كنسي لتذكير المؤمن بالتقشف والإماتة، وأن استثناء السمك له جذور عملية، رمزية، ثقافية، ولاهوتية. الهدف الأساسي من الصوم هو التركيز على الجوهر الروحي والغرض النبيل من هذه الممارسة، وليس الدخول في جدالات حول نوع الطعام. والمهم للمؤمن هو أن يتبع ما يمليه عليه ضميره ونية قلبه، متذكرًا أن الصوم يدعو إلى الانضباط، والتضحية، والانفتاح على الاتحاد بروح المسيح وذبيحته العظمى. في النهاية، الأهم هو النية الصادقة والتقشف، أكثر من أي قاعدة غذائية خارجية.