موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في قلب المسيحية النابض، وبين جدران الدائرة الفاتيكانية للحوار بين الأديان المليئة بعبق التاريخ، عُقد لقاءٌ يمثّل خطوةً جوهرية في مسيرة الأخوّة الإنسانية الشاملة. وبدعوة كريمة للانضمام إلى وفد الفاتيكان، نلتُ شرف المشاركة في حوار رفيع المستوى تحت عنوان: »الرأفة والتعاطف الإنساني في العصر الحديث«.
تكمن القوة الحقيقية لهذا اللقاء في جمال تنوعه؛ إذ اجتمع تحت سقف واحد ثلاثون مندوباً من آفاق جغرافية شتى: من الأردن إلى مصر، ومن لبنان إلى العراق، ومن أبوظبي إلى فرنسا. وقد أعطى حضور شخصيات رفيعة، كصاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال، وصاحب النيافة الكاردينال جورج كوفاكاد، إشارة قوية بأن الحوار ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو ضرورة حيوية للبقاء. كما جاءت مشاركة سيادة المطران إياد الطوال لتؤكد على عمق وثبات العلاقة المثمرة بين الكنيسة والمؤسسات الحكومية.
بالنسبة لي، كانت المشاركة بوصفي أردنية ضمن وفد الفاتيكان تجربة فريدة؛ كما برزت المشاركة القيمة للسيدة ريتا مسلّم، العضو في حركة الفوكولاري، وهي لبنانية خدمت في الأردن لأكثر من عشرين عامًا، وقد عيَّنها قداسة البابا لاون الرابع عشر مؤخرًا مستشارة لدائرة الحوار بين الأديان.
خلال جلسات العمل، تجلّى بوضوح جمال الأردن؛ تلك الأرض التي جعلت من "الضيافة" شعارًا لها. فهو ليس مجرد ملاذٍ للاجئين، بل هو مثالٌ للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين. وفي منطقة غالبًا ما تمزقها النزاعات، يثبت الأردن أن التنوع ليس تهديدًا، بل هو كنزٌ يجب صونه.
لم يتوقف الحوار عند حدود النظريات الأكاديمية، بل شدد كل المتحدثين على حقيقة جوهرية: وهي أن التعاطف والرأفة ليسا "خيارًا ثانويًا" أو مشاعر عابرة، بل هما الركيزة الأساسية لعيش الإيمان في المسيحية والإسلام على حد سواء. وكما أكد الأمير الحسن بحكمة: »لا يمكننا أبدًا أن ننسى الجانب الروحاني، فهو الجوهر الأهم في حياتنا«. وهذه الروحانية يجب أن تتجسد في أفعال ملموسة تُنصف الفقراء وتواسي ضحايا أهوال الحروب.
لقد كانت المقابلة مع البابا لاون الرابع عشر مفعمة بالمشاعر، حيث شدد قداسته على رسالة الأردن، مقدمًا كلمات تشجيع عميقة للمستقبل، قال فيها: »في هذا السياق، فإن المسيحيين والمسلمين، ومن خلال استقائهم من غنى تقاليدهم، مدعوون لمهمة مشتركة: إحياء الإنسانية حيثما بردت، وإعطاء صوتٍ لمن يعانون، وتحويل اللامبالاة إلى تضامن. إن التعاطف والرأفة هما أدواتنا، فلديهما القوة لاستعادة كرامة الآخر. وإن رجائي أن يواصل الأردن كونه شاهداً حيّاً على هذا النوع من التعاطف، وعلامة للحوار والتضامن والرجاء في منطقةٍ مثقلة بالمحن».