موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في قلب كاتدرائية نوتردام في باريس، ترأس عميد دائرة الكنائس الشرقية في الفاتيكان، الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، قداسًا احتفاليًا بمناسبة مرور 170 عامًا على تأسيس جمعية «عمل الشرق»، في لحظة جمعت بين البعد الكنسي والبعد الإنساني لمسيرة طويلة من الدعم للمسيحيين الشرقيين.
وفي احتفال لا يقتصر على الطقس الديني، بل يستحضر أكثر من قرن ونصف من العمل المتواصل، تبرز أرقام تعكس حجم هذا الحضور: نشاط في 23 دولة، نحو 1200 مشروع، ودعم 400 جماعة دينية. مؤشرات تختصر شبكة واسعة من العلاقات التي نسجتها الجمعية مع مسيحيي الشرق بتنوّعهم عبر العقود.
منذ تأسيسها قبل 170 عامًا، تعمل الجمعية على تمكين الرعايا والمؤسسات الدينية في بلدانهم من أداء رسالتهم التربوية والصحية والاجتماعية. وتقوم فلسفتها على «تنمية صداقة بين الكنائس اللاتينية والشرقية، والتعرّف إليها وزيارتها ومساندتها ماديًا»، بحسب هيوغ دو ويلمون، مديرها العام منذ عام 2025، خلفًا لباسكال غولنيش الذي قاد عملية إعادة هيكلة واسعة خلال السنوات الماضية.
تعود البدايات إلى عام 1856، حين أسسها أكاديميون وعلمانيون في سياق ما بعد حرب القرم، حيث برزت فرنسا كحامية للمسيحيين داخل الدولة العثمانية. وحملت الجمعية حتى عام 1931 اسم «جمعية مدارس الشرق»، إذ ركّزت في بدايتها على دعم المدارس الفرنكوفونية في لبنان وسط ظروف محلية صعبة. لكن نطاق عملها اتسع تدريجيًا، كما تشرح إغلانتين غاباي-هيالي، مسؤولة المشاريع في الجمعية، «على وقع أحداث مفصلية شكّلت تحولًا في طبيعة رسالتها».
وتشير إلى دور الكاردينال لافيجيري الذي أعطى دفعًا كبيرًا للجمعية، قبل أن تتوسع مهامها بعد زيارته لدمشق، حيث أطلقت مبادرات لدعم مسيحيين تعرضوا للاضطهاد. لاحقًا، حظيت الجمعية باعتراف كنسي رسمي، وتولى إدارتها تقليديًا أساقفة فرنسيون، من بينهم المونسنيور فيليكس شيرمِتان الذي كان من أوائل من نبّهوا إلى مجازر حميدية أواخر القرن التاسع عشر، في إنذار مبكر لما سيُعرف لاحقًا بالإبادة الأرمنية.
ورغم غياب بعض الأرشيف خلال الحرب العالمية الثانية، شكّل سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 نقطة تحوّل جديدة، أتاحت استئناف التواصل مع الكنائس في أوروبا الشرقية، ودعم ترميم كنائس ومؤسسات دينية متضررة.
مثّلت أحداث العراق في العقد الأخير، ولا سيما تفجير كاتدرائية سيدة النجاة عام 2010، ثم صعود تنظيم داعش، لحظة مفصلية في وعي الرأي العام الفرنسي بوجود المسيحيين الشرقيين. ومع موجات النزوح من الموصل وسهل نينوى عام 2014، إلى جانب مأساة الإيزيديين، تعززت الحاجة إلى تدخل مباشر. ويقول فينسان غيلو، مدير مكتب الجمعية في لبنان وسوريا: «وجدنا أنفسنا مضطرين إلى الانخراط في العمل الإنساني العاجل بفعل الأزمات المتتالية».
ويعدد أبرز المحطات: انفجار مرفأ بيروت عام 2020، زلزال الحدود السورية التركية عام 2023، والتوترات المستمرة في جنوب لبنان. ويضيف: «رغم أن الإغاثة لم تكن في صلب هوية الجمعية، إلا أن حضورنا الميداني مكّننا من الاستجابة السريعة وإيصال المساعدات».
من جهته، يؤكد هيوغ دو ويلمون أن «المسيحيين الشرقيين لا يطلبون الشفقة، بل عدم النسيان»، مشددًا على أنهم «يقدّمون شهادة حية على الصبر والإيمان والرجاء».
منذ عام 2015، ومع تصاعد الأزمات في المنطقة، شهدت الجمعية توسعًا كبيرًا في حجم عملها. وتوضح غاباي-هيالي أن «روح القرب لم تتغير، لكن العمل أصبح أكثر مأسسة واحترافًا». فقد ارتفع عدد الموظفين من 6 إلى 53 خلال سنوات قليلة، إلى جانب نحو 300 متطوع في فرنسا، و80 متطوعًا في مهام ميدانية تمتد من 6 أشهر إلى سنتين في بلدان مختلفة.
كما تولي الجمعية أهمية متزايدة للإعلام والتواصل، عبر نشر تقارير دورية وشهادات ميدانية وتحليلات جيوسياسية، تصل إلى نحو 76 ألف متبرع منتظم، فيما يستمر الدعم المالي في الارتفاع رغم الأزمات العالمية.
تعمل الجمعية أيضًا على تعزيز حضورها الدولي عبر استقبال وفود دبلوماسية وإعلامية، والمشاركة في المنابر الدولية، خصوصًا في الأمم المتحدة والمؤسسات الأوروبية، بهدف التوعية بقضايا المسيحيين الشرقيين.
كما تستثمر في مجال التعليم والفرنكوفونية، عبر دعم نحو 400 مدرسة في الشرق الأوسط، حيث يتعلم قرابة 300 ألف طالب اللغة الفرنسية في بيئات تجمع بين المسيحيين والمسلمين. وتؤكد غاباي-هيالي أن «هذا الوجود يشكّل عنصر توازن ثقافي وروحي في المنطقة».
وبمناسبة الذكرى الـ170 لتأسيسها، نظمت الجمعية لقاءات في باريس بين 9 و11 أيار، بمشاركة نحو 150 شخصية مسيحية شرقية، لتجديد التأكيد على أن «المسيحيين الشرقيين يتطلعون إلى السلام والأمان»، وأن «حماية المدنيين واحترام القانون الدولي يبقيان ضرورة أساسية».