موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
هل هناك في كل هذا المشرق، ببلاده وممالكه وحكامه وأنظمته وأحزابه ونخبه، من يؤمن حقا، من كل قلبه، بأن الإنسان، كل إنسان، هو هدف أسمى وهو متساو في الكرامة، وله حريات في الإيمان - أو عدمه - والمواطنة والضمير والفكر والعقيدة والسعي إلى حياة أفضل، وبأن القوميات والإثنيات والأديان والطوائف والعقائد لها الحق المطلق أيضا بالمشاركة في السياسة والحكم، وألا تُعامل كدرجة ثانية، ولا كأقلية، وألا تُفرض أي ديانة أو قومية أو لغة أو رأي على أحد.
سؤال الهوية: من أنت؟ من يقول من أنت؟ ما هي حقوقك؟ إن التنوع والتعدد سمة العصر - أصلا كل بلاد الدنيا متنوعة في العالم: ٢٠٠ دولة وأكثر من ٥٠٠٠ قومية وإثنية ولغة - وأيضا الأغلبية في وطن قد تكون أقلية في غيره، وهو في صميم أزمات الشرق الذي ينام على مجزرة ويستيقظ على تهجير، وتزخر تقريبا كل التقاويم بذكرى إبادات ومجازر محفورة في تراث شعوب! كيف نغير العقل والفكر؟ كيف نحترم الآخر، كل آخر، من صلب قناعاتنا، لا تحت ضغط غربي ولا بإرادة الخارج؟
هل بقي هناك من يظن أنه قادر أو مكلف أن يلغي شعبا أو طائفة، أن يقمعه، أن يهجره، أن يهمشه، أن يقصيه؟ نعم، اقرأ وتابع يوميا، والعالم يتفرج على محو حضارات!
لا أحد يهتم إذا انتهى الحضور المسيحي من الشرق، إذا فرغت أور أو نينوى أو الخابور أو جبل لبنان، إذا ذُبح أو اختُطف مطارنة، أو اختفت الإيزيدية أو الشركس أو الدروز أو العلويون أو البهائيون أو غيرهم. تعلمنا من لحمنا والدم أن الغرب لديه المصالح والنفط وضمان تفوق إسرائيل، وأن العرب ليسوا على أعتاب نهضة أو ثورة نحو تثبيت قيم الديموقراطيات والحقوق، بل ما زال الإرهاب والتطرف يفرخ في ديارهم!
بكل الأحوال، مع زلزال ترامب والتغيير المذهل في موازين القوى، نحن أمام عالم جديد، وتُطرح بقوة نظريات متعددة حول المصير والخرائط وإعادة تشكيل المنطقة. لكن حذار من صندوق پاندورا ومما قد يخبئه القدر.
أسوأ ما يحصل أن لا يُنظر إلى التنوع على أنه مستقبل شعوب، أصيلة أصلية، وأن تُعامل على أنها أرقام، أعداد، نسب، أقليات، أو أنها بقايا تاريخ تُدرس في متاحف، أو الأخطر أنها مشاريع للتقسيم أو التفتيت أو حتى وقود.
وأحيانا تستسهل قوى أن تُستعمل من الخارج لأجندات، أو أن تغرق بخفة في لعبة الأمم والحدود والجغرافيا، في منطقة شديدة الحساسية وأنظمة مركزية قوية قادرة على الهيمنة بسهولة، وتسمح أن لا تكون لاعبا بل أحجار شطرنج.
يستمر التجاذب في تصرف المكونات بين الذمية والخنوع من أجل مكاسب رخيصة - وتصبح أنت الآخر - وبين الانصهار وإلغاء الذات والهوية تماهيا مع الأغلبية والحكم - وتذوب - وبين المناداة بالخصومة والعداء للآخر - على قاعدة لا يمكننا العيش معا والانفصال وتصبح عدوا - وبين الفكر الواعي الملتزم بحق كل إنسان وكل جماعة بالحرية والمواطنة - وهو منطق الحداثة، صعب لكنه ليس مستحيلا!
كل هذا، والنزيف قاتل. الأقليات في الشرق ليست بحثا أكاديميا، بل هي مصير. الهجرة، التهجير، الاقتلاع، المذابح، التكفير جزء من تراثنا، من تاريخنا. لم نصل بعد إلى رفض العنف، إلى الوعي، إلى النهضة التي دونها لا حلول إلا مزيدا من دماء.
مبارك للمحامي جوزف موصللي، المستشار القانوني للرابطة السريانية والعضو السابق لقيادتها، هذا الكتاب، هذا البحث الرصين الجاد: "الأقليات والتعددية مصدر وحدة أم تقسيم: حالتا لبنان والعراق"، على طريق إلقاء الضوء على مأساة وعلى نضال لتثبيت شعوبنا، من بقي منها، في كل الشرق. قضية قد نكون خسرناها بسبب تفتتنا وضياع الشرق وخبث الغرب، أو قد نكون على آخر رمق ننتظر أعجوبة ما.
لم يبق لنا ترف الوقت، الأعداد خطيرة، النزيف مؤلم. إلى السويد وألمانيا وأميركا وأوستراليا وكندا، لا أمل، لا رجاء، لا ضوء. يحمل المشرقي وجع وثقل التاريخ ويمضي مفكرا برجليه ليكسب أي جواز سفر في بلد يحترمه، يُنتخب منه وزراء ونواب وقيادات، ويتميز بشهادات ورغد عيش وأمان كانت شبه مستحيلة في بلاده. هناك أنت بشر، هنا نحن شهود على فنائنا. ومع كل التحدي، لا استراتيجيات، تخبط وقصر نظر وخصومات صغيرة - على تسميات، على مواقع - وأوهام كبيرة وطموحات دونكيشوتية واصطفافات مع مشاريع الغير.
ثم يبقى لبنان، معلقا كما على خشبة. عرف العيش الواحد وأيضا حروب الكل ضد الكل. واحة ما، نموذجا ما. رغم أن نظامه تعثر وتجمد، وفيه عنصرية وتراتبية انتماء، إلا أن رسالة الحريات فيه وسر الحياة الضاجة بالفرح والمشاركة الفعلية في صناعة القرار الوطني تسمح له أن يدعي صدارة في حقوق الإنسان والحريات الدينية وحوار الأديان، وملاذا روحيا وربما عمليا لكل المضطهدين في الشرق.
إنه الميثاق، أي إرادة العيش الواحد المتساوي دون تكفير، دون منة. وكرامة الإنسان وحرياته هي أساس. أما بأي صيغة - مركزية أو لا مركزية، فدرالية أو كونفدرالية، أمن ذاتي أو حكم ذاتي أو حتى الطائف أو ٤٣ - فقابلة لحوار جدي دائم في كل وطن حسب تاريخه ومكوناته.
قل لي كيف ندير التنوع، أقل لك أي مستقبل للشرق!
أخيرا، أنا أدعو لشرق جديد لا صراع آلهة فيه ولا تفضيل أنبياء، ولا حقوق إلهية لأحد ولا صكوك عقارية مكرسة من فوق. شرق من روح الإنسان المتجدد، من مفاهيم كرامته وفرادته. لقد جربنا العقائد الشمولية والهيمنات الإيديولوجية والأحزاب القائدة والزعامات الكلية والسيطرة باسم القومية الواحدة والدين الواحد والمذهب الواحد واحتكار كل الحقيقة، وفشلت كلها. تعالوا إلى عصر التفاهمات، إلى شرق يتسع لكل مكوناته. إنها قضية تستحق بعد نضالا، عاصمته لبنان.