موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في سياقٍ مليء بالتحديات، يبرز صوت المطران يوسف متّى، رئيس أساقفة أبرشية عكّا للروم الملكيين الكاثوليك في الجليل، كصوت رجاء للجماعة المسيحية في الأرض المقدّسة. ومنذ عام 2019، يتولى المطران متّى رعاية أبرشيته، في مواجهة الصعوبات اليومية التي يعيشها المؤمنون في منطقة تتّسم بالتوترات والصراعات.
يبدأ المطران حديثه مع Emiliano Eusepi بوصف واقع الجماعة التي يخدمها قائلاً: «الجزء الإسرائيلي من أبرشيتنا متجذّر بشكل أساسي في الجليل، حيث الحضور المسيحي عريق، نابض بالحياة، ومرتبط ارتباطًا عميقًا بأرض المسيح. أولويتنا الأولى دائمًا هي إبقاء المسيح في مركز حياة شعبنا».
ومن هذا الواقع تنبع المهام الرعوية الأساسية، مؤكّدًا أن هذا الارتباط بالمسيح هو القوة الوحيدة التي تمكّن المؤمنين من الثبات في هذه الأرض، وهو المصدر الذي يستقون منه رغم الصعوبات. لكن التحدّي الأكبر، بحسب المطران متّى، هو الخوف وعدم اليقين الذي يعيشه الناس، إذ يقول: «ما يثقل عليّ أكثر هو الخوف وعدم اليقين والتعب الذي تحمله العديد من العائلات في هذه الأوقات الصعبة».
ومع ذلك، يؤكّد المطران يوسف متّى صمود الإيمان لدى الشعب الموكول إليه: «ما يمنحني أكبر فرح هو أن أرى أنه رغم كل شيء، لا يزال الإيمان حيًّا، والصلاة مستمرة في الارتفاع، وشعبنا يبقى أمينًا للكنيسة وللربّ».
أحد المحاور الأساسية في الحوار هو هوية الشباب المسيحيين وانتماؤهم في الأرض المقدسة، وهي قضية حسّاسة تتطلب عناية خاصة، إذ يشعر العديد منهم بإغراء الهجرة بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
ويعترف المطران قائلاً: «هذه القضية تحمل مسؤولية كبيرة، إذ تعني حمل مهمة دقيقة ومقدسة تجاه الشباب. يجب أن تكون الكنيسة دائمًا صوت الحق والمصالحة والكرامة الإنسانية». ويؤكّد الدور الجوهري للكنيسة في دعم الشباب وتعزيز شعور الانتماء، قائلاً: «نحن مدعوون إلى خدمة مؤمنينا بحكمة وكرامة وشجاعة، مع البقاء أوفياء لهويتنا وإرثنا ورسالتنا الإنجيلية».
يرى المطران متّى أن وضع الجليل يحمل تحديات جدّية، وإن كانت تختلف عن مناطق أخرى من الأرض المقدسة. ويقول: «كل مكان له جراحه وأثقاله. في الجليل قد يختلف الوضع ظاهريًا، لكن الناس يحملون قلقًا عميقًا على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والروحية. لذلك لا يمكن القول إنه أسهل، بل إن شعبنا هنا أيضًا بحاجة إلى القوة والاستقرار والقرب الرعوي».
ويضيف أن الكنيسة مدعوّة لمرافقة العائلات عبر مبادرات ملموسة، مثل فرص العمل والسكن الميسّر، لتجنّب هجرة العائلات المسيحية من الأرض المقدسة، موضحًا: «كل عائلة تغادر ليست مجرد رقم يُفقد، بل حجر حي يُنتزع من كنيسة هذه الأرض».
ويشدّد المطران يوسف متّى على حساسية موضوع الهوية وتعقيداته، قائلاً: «قبل أي تعريف اجتماعي أو سياسي، نحن مسيحيون: هذه هي أعمق هويتنا. العلاقات بين الكنائس ليست دائمًا خالية من الصعوبات، لأننا بشر ولكل كنيسة تاريخها ومسيرتها الرعوية». ومع ذلك، يؤكد أن الأساس هو الأخوّة: «في جوهرها، هذه العلاقات أخوية، ونحن نعلم أن شهادة المسيحيين اليوم يجب أن تكون شهادة شركة واحترام ومسؤولية مشتركة أمام العالم».
يرى المطران أن الجماعة المسيحية في الجليل هي فسيفساء متنوّع من القصص والثقافات والتقاليد، ويؤكد ضرورة وحدة الرسالة الكنسية في إعلان الرجاء والمصالحة. ويقول: «لكل واحد دوره: الشباب في المجتمع والجامعات، والعائلات في بيئات حياتهم وعملهم»، داعيًا الجميع إلى التعبير عن إيمانهم بالرّب.
وعند النظر إلى المستقبل، يعبّر المطران عن قلقه من استمرار الوجود المسيحي في الجليل خلال العشرين سنة القادمة، قائلاً: «المستقبل سيعتمد بشكل كبير على مدى ثباتنا على الإيمان والوحدة والحيوية الروحية. إذا استمرت الدعوات الكهنوتية، ووجد الشباب معنى ورجاءً، فإن الحضور المسيحي سيبقى حيًّا ومثمرًا رغم الصعوبات». ويؤكد ذلك بعزم وثبات، ورؤيته جلية: «لن يتمكن مسيحيو الأرض المقدسة من اجتياز "البحر الهائج" في هذه الفترة إلا إذا بقيت العائلات متجذّرة في المسيح».
ويختتم المطران برسالة إلى العالم: «لا تنسوا مسيحيي الأرض المقدسة، ولا تسمحوا بأن يتحوّل الإيمان إلى مجرد ذكرى أو هوية ثقافية. يجب أن يبقى الإنجيل حيًّا في القلب وفي العائلة وفي المجتمع». ويضيف نداءه البسيط والعميق: «صلّوا من أجلنا، وسيروا معنا، وابقوا أمناء للمسيح».
ويختم رئيس أساقفة أبرشية عكا للروم الملكيين الكاثوليك في الجليل قائلاً: «يجب على الكنيسة أن ترافقهم بحكمة كبيرة وعناية أبوية. دعونا لا نمحو تعقيد الهوية، بل أن نساعد المؤمنين على عيشها بنضج وسلام وحرية داخلية، دائمًا في نور الإنجيل».