موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٥ مايو / أيار ٢٠٢٦
كرادلة وأساقفة يركعون أمام مزارعي البيرو طالبين المغفرة بعد فضائح سوداليتسيو

أبونا :

 

ركع كرادلة وأساقفة وكاهن موفد من الفاتيكان أمام المزارعين، في علامة طلب للمغفرة والمصالحة جاءت متأخرة. وقد شكّل هذا التصرف لفتة رمزية عميقة ومؤثرة، جرت في 23 أيار أمام مذبح رعية القديس يوحنا المعمدان في كاتاكاوس، البلدة الواقعة على بعد كيلومترات قليلة من مدينة بيورا شمالي البيرو.

 

وتلقّى مزارعو شعب تالّان الأصلي علامة ملموسة على رغبة ممثلي الكنيسة في جبر الضرر، بعدما طالبوا لسنوات طويلة بالإصغاء إليهم وتحقيق العدالة، عقب أكثر من عقد من الانتهاكات التي تعرّضوا لها من قبل جمعية «سوداليتسيو».

 

وتأسست الجمعية العلمانية Sodalitium Christianae Vitae عام 1971 كإحدى الجمعيات الكاثوليكية العديدة التي نشأت كرد فعل على حركة لاهوت التحرير اليسارية التي اجتاحت أمريكا اللاتينية في ستينيات القرن الماضي. وقد بلغ عدد أعضاء الجمعية في أوج قوتها حوالي 20 ألف عضو في أمريكا الجنوبية والولايات المتحدة، وكان لها نفوذ كبير في بيرو.

 

في عام 2011، تقدّم أعضاء سابقون في الجمعية بشكوى إلى أبرشية ليما، عاصمة بيرو، بشأن انتهاكات تورط فيها مؤسسوها وقيادتها العليا، شملت اعتداءات جنسية، واضطهاد، واستيلاء على أراضٍ، ومضايقات، وانتهاك الحقوق الاجتماعية والعمالية. لكن لم تتخذ الكنيسة المحلية ولا الكرسي الرسولي أي إجراء ملموس حتى قام أحد الضحايا وصحفي بتأليف كتاب عام 2015.

 

وقد أرسل البابا فرنسيس اثنين من أكثر محققيه ثقة للتحقيق في مزاعم الانتهاكات داخل الجمعية. وكشف التقرير عن انتهاكات إدارية وروحية، وتجاوزات مالية في إدارة الأموال، إضافة إلى مضايقة منتقدي الجمعية، ما دفع البابا فرنسيس إلى حلّها رسميًا في 14 نيسان 2025.

 

وشكّل هذا القرار الحاسم أحد آخر الإجراءات الكبرى التي اتخذها البابا الراحل فرنسيس قبل وفاته، إذ جاء قبل نحو شهر من انتخاب روبرت فرنسيس بريفوست، وهو الذي خدم لسنوات طويلة مرسلًا وأسقفًا في البيرو، وعُرف بدعمه للضحايا ومساندته للتحقيقات في قضية «سوداليتسيو».

 

 

كان يجب أن نأتي قبل عشرين عامًا

 

وجاءت طلبات المغفرة التي قُدّمت على الركبتين خلال قداس إلهي أُقيم في 23 أيار، استجابةً للنداءات التي وجّهها المزارعون إلى الأب جوردي بيرتوميو من دائرة عقيدة الإيمان، والذي أُرسل قبل أكثر من عام إلى البيرو بصفته مفوضًا رسوليًا مسؤولًا عن مرحلة حلّ الجماعة.

 

وكان الأب بيرتوميو، الذي سبق أن شارك في الإصغاء إلى شهادات الضحايا داخل السفارة البابوية في البيرو، قد شارك في القداس إلى جانب رئيس أساقفة ليما الكاردينال كارلوس كاستيو ماتاسوليو، وعدد من الأساقفة وممثلين عن السلطات والسلك الدبلوماسي، والأهم من ذلك المزارعون المتضررون.

 

وفي عظته، تحدّث الكاردينال ماتاسوليو عن الالتزام بـ«مسيرة التجدد»، وعن «علامة رجاء حقيقية للبشرية»، بعد «المأساة» التي تسببت بها «مجموعة داخل الكنيسة ألقت للأسف بظلالها عليها». وقال: «نريد اليوم أن نتجاوز هذا العار»، وأن نتابع «طريق المصالحة» الذي بدأه البابا فرنسيس ويواصله البابا لاون الرابع عشر، الذي كان قد تعامل مرارًا مع القضية عندما كان أسقفًا في البيرو، وساند المتضررين.

 

وأضاف: «نأتي كعلامة تضامن، مستعدين لا لطلب المغفرة باسم الكنيسة فحسب -لأن مجموعة داخل الكنيسة هي التي تسببت بهذه المشكلة، وما زلتم حتى اليوم تعانون من نتائجها- بل أيضًا للالتزام بتجديد الكنيسة ومواصلة مسيرة الإصلاح التي رسمها البابوان الأخيران».

 

وتابع: «لا يمكن أن ننسى، ولا يجوز لنا أن ننسى، لكن علينا أن نتعلّم كيف نتذكّر لكي نُصلح. ليس فقط لنُصلح أنفسنا، لأننا جميعًا خطأة، بل أيضًا لكي نساعد أولئك الذين يظنون أنفسهم غير قابلين للتغيير، والذين يعتبرون أنفسهم آلهة. فنحن لسنا آلهة، بل بشر خطأة قادرون ويجب عليهم أن يتغيّروا ويصبحوا أفضل».

 

ودعا الكاردينال بعد ذلك إلى السلام «المُجرَّد من السلاح والذي يُجرِّد من السلاح»، وهو التعبير الذي جعله البابا لاون الرابع عشر برنامجًا لحبريته. سلامٌ يتحقق «ليس بالسلاح»، بل «بالكلمة» و«باللفتة»، ومن خلال الشعب البسيط «المدعو لأن يكون بطلًا» و«ليبني معًا»، كما يحدث «في جميع الحركات الشعبية في العالم، التي تبدو خفية لكنها تستيقظ وتقنع الجميع بأننا بحاجة إلى نهضة إنسانية».

 

 

التزام البابا لاون الرابع عشر ونداء البابا فرنسيس

 

وقال الكاردينال: «إذا كان السلام يُبنى بالسلام، وبالحوار، وبالاعتراف بقيمة كل شخص، فإنه يصبح سلامًا دائمًا»، مستشهدًا مجددًا بكلمات البابا لاون الرابع عشر. كما استذكر «أمرًا كان البابا فرنسيس يحب أن يكرره كثيرًا»، وهو أنه «كان يحبكم كثيرًا»، وأنه «احتفظ بذكرى خاصة عن معاناة أبناء الطبقة العاملة الذين يتألمون كثيرًا، لكنهم لا يجب أن يفقدوا الرجاء أبدًا».

 

وروى الكاردينال إحدى آخر محادثاته مع البابا الأرجنتيني قبل وفاته، قائلًا: «كنت أتحدث مع الأب الأقدس عن الحركات الشعبية التي لا تحظى بالشهرة»، فأجابه البابا فرنسيس: «نعم، لكنها حركات تحمل البذور الأولى، مثل الزرع، وهي موجودة في كل مكان. إنها خفية الآن، لكنها ستظهر».

 

ودعا رئيس أساقفة ليما إلى نشر رسالة الرجاء، «التي تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى»، في مواجهة «الأقوياء الذين يريدون تدمير العالم». لكنه شدد على أن العالم «يعود إلى الله ويعود إلى الجميع، ولذلك فلنعمل بما يقوله إنجيل اليوم: عندما نغفر، نعترف بقيمة الآخر». وختم الكاردينال كلمته موجّهًا الشكر إلى المزارعين المجتمعين في الرعية قائلًا: «شكرًا لأنكم ساعدتمونا».