موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في رسالته إلى أبرشية القدس بعنوان "رَجَعوا إِلى أُورَشَليم وهُم في فَرَحٍ عَظيم"، يقدّم الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا بطريرك القدس للاتين، مسارًا مزدوجًا: يبدأ بتشخيص الواقع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون والمجتمع الكنسي في ظل الحرب والانقسام، ثم ينتقل إلى رسم رؤية روحية متجذّرة في الكتاب المقدس، تجعل من أُورَشَليم أيقونة جامعة للهوية الكنسية ورسالة رجاء وسط الصراع. هذا الانتقال من الألم إلى الرجاء، من الحرب إلى أُورَشَليم السماوية، هو قلب الرسالة، وهو ما يمنحها طابعًا رعويًا لاهوتيًا يتجاوز التحليل السياسي ليقدّم للناس أفقًا إيمانيًا جديدًا.
الحرب كعبادة وثنية
في القسم الأول، يصف البطريرك الحرب بأنها "عبادة وثنية". ليست مجرد وسيلة اضطرارية، بل غاية في ذاتها، طقس جماعي تُستثمر فيه الطاقات البشرية والاقتصادية والإعلامية، ويُقدَّم فيه الإنسان كذبيحة على مذبح المصالح. بهذا التشخيص، يضع الكنيسة أمام مسؤولية أن تكشف زيف هذه الثقافة، وأن تعلن أن الإنسان صورة الله، لا أداة في صراع لا ينتهي. المدنيون، الذين أصبحوا في قلب المواجهة، هم الشهادة الحيّة على أن الحرب فقدت أي بُعد أخلاقي، وأنها تحوّلت إلى ممارسة تُقدَّس فيها القوة وتُهمَّش فيها القيم الإنسانية.
الواقع الفلسطيني: الألم وفقدان الثقة
الرسالة لا تنفصل عن السياق المحلي. فهي تذكّر بأن الفلسطينيين يعيشون تحت وطأة البطالة والهجرة وفقدان الثقة، وأن الشباب يفكّرون بالرحيل بحثًا عن مستقبل أفضل. هنا يصبح صوت الكنيسة دعوة للبقاء والصمود، شهادة حيّة على أن الوجود المسيحي في الأرض المقدسة ليس عبثًا، بل أمانة تاريخية وروحية. المؤسسات الكنسية – مدارس، رعايا، جمعيات – مدعوة لأن تكون منصات للرجاء، وأدوات لتثبيت الناس في أرضهم، حتى وسط الأزمات اليومية.
أُورَشَليم كأيقونة روحية
في القسم الثاني، ينتقل البطريرك من تشخيص الواقع إلى تقديم أيقونة أُورَشَليم كمرجع روحي جامع. أُورَشَليم ليست مجرد جغرافيا، بل رمز للعيش المشترك وللهوية الجامعة. في الكتاب المقدس، هي موضع الفداء، وهي القلب الذي يحفظ هوية الكنيسة. بهذا المعنى، تصبح أُورَشَليم أكثر من مدينة؛ إنها أيقونة روحية تعكس وحدة الكنيسة رغم تنوعها، وتمنحها القدرة على مواجهة الانقسامات السياسية والاجتماعية. بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين، هذا الرمز يذكّرهم بأنهم جزء من جماعة أوسع، وأن حضورهم المحلي مرتبط برسالة كونية.
هوية الكنيسة الجامعة والمتجذّرة
الرسالة تؤكد أن كنيسة القدس، رغم تجذّرها في السياق العربي، هي كنيسة جامعة تحتضن الجميع. هذا البعد المزدوج؛ الجذور المحلية والانفتاح الكوني، يمنح الكنيسة قوة خاصة. فهي من جهة متأصلة في الثقافة العربية، ومن جهة أخرى تحمل رسالة شمولية تتجاوز الحدود. هذا التوازن ضروري في زمن الانقسام، إذ يذكّر المؤمنين بأن هويتهم ليست محصورة في الانتماء الوطني أو السياسي، بل في الانتماء إلى جماعة إيمانية أوسع.
الرجاء كفعل مقاومة
أحد أبرز محاور الرسالة هو الرجاء. البطريرك يرفض أن يكون مجرد شعور داخلي، بل يقدّمه كفعل مقاومة روحية واجتماعية. الرجاء يتجلى في الاعتراف بإنسانية الآخر، وفي بناء جسور العيش المشترك حتى وسط الصراع. بهذا المعنى، الرجاء يصبح شهادة مضادة للواقع القاتم، إعلانًا أن الحياة أقوى من الموت، وأن الكرامة الإنسانية لا يمكن محوها. بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين، الرجاء هو القوة التي تمنحهم القدرة على البقاء والصمود.
أُورَشَليم بين الأرض والسماء
البطريرك يستند إلى سفر الرؤيا ليؤكد أن أُورَشَليم ليست مجرد حدود سياسية، بل مكان إعلان الله. أُورَشَليم الجديدة تنزل من السماء كعطيّة، لا كغنيمة. هذه المدينة ليست ملكًا للبشر، بل هبة إلهية، تُبنى على علاقة حميمة مع الله وعلى انفتاح على الآخر. في رؤيا يوحنا، لا يوجد هيكل في أُورَشَليم الجديدة، لأن الله نفسه والحمل يسكنان بين الناس. هذا الدرس يحمل رسالة قوية للواقع الأرضي: المقدّس ليس في السيطرة على الأماكن، بل في بناء العلاقات.
"سيراج الحمل": رؤية جديدة للواقع
المدينة لا تحتاج إلى الشمس أو القمر، لأن "سِراجُها هو الحمل". هذا النور الفصحي يعلّمنا أن نرى الحياة حتى وسط الموت والدمار. إنه دعوة لتغيير طريقة النظر إلى الآخر: لا بخوف أو ازدراء، بل بثقة ومحبة. بهذا النور، تصبح أُورَشَليم الأرضية قادرة على أن تعكس أُورَشَليم السماوية، وتقدّم للعالم شهادة حيّة عن إمكانية العيش المشترك.
أُورَشَليم كرمز للمقاومة الروحية
اختيارها كأيقونة ليس صدفة. فهي مدينة تحمل تاريخًا من الألم والانقسام، لكنها أيضًا رمز للوحدة والرجاء. أُورَشَليم الأرضية تصبح رمزًا لمسيرة نحو أُورَشَليم السماوية، حيث يتحقق السلام الكامل. بهذا البعد اللاهوتي، يمنح البطريرك المؤمنين أفقًا يتجاوز الواقع، ويذكّرهم بأن شهادتهم في الأرض المقدسة مرتبطة بمسيرة أوسع نحو ملكوت الله.
رسالة البطريرك بيتسابالا، في جزأيها، هي دعوة مزدوجة: أن نقرأ الواقع بجرأة، وأن نرفع أنظارنا نحو السماء بعمق. الحرب كعبادة وثنية تكشف زيف ثقافة الموت، وأُورَشَليم كأيقونة روحية تفتح أفق الرجاء. الكنيسة مدعوة لأن تكون علامة رجاء وسط الحرب، وأن توحّد هويتها الجامعة والمتجذّرة في السياق العربي، لتمنح المؤمنين إطارًا لفهم رسالتهم وسط الصراع. الرجاء هنا ليس مجرد شعور، بل فعل مقاومة روحية واجتماعية، يترجم في الاعتراف بإنسانية الآخر وبناء جسور العيش المشترك. بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين، هذه الرؤية هي دعوة للبقاء والصمود، ولأن يكونوا شهودًا للرجاء في قلب الأرض المقدسة، حيث تتقاطع الأرض والسماء، ويُبنى التاريخ على "نور الحمل" الذي ينير كل إنسان.