موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أيها الأحباء في المسيح،
تدعونا الكنيسة اليوم للاحتفال بعيد عماد سيدنا يسوع المسيح، الذي يكشف لنا وجه الله الحقيقي: محبة بلا حدود، محبة لا تعرف التمييز ولا الحواجز. في الميلاد، الله هو الذي يأتي إلينا في وداعة طفل، وفي عيد الظهور الإلهي، الإنسان هو الذي يبحث عن الله. واليوم، في عماد يسوع المسيح في نهر الأردن من هنا، نرى الله يفتح لنا الطريق لنصبح أبناءه الأحباء، ونكتشف جوهره في المحبة وفي الثالوث.
عندما انفتحت السماء وسمعنا صوت الآب يقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت" (متى 3: 17)، لم يكن هذا الإعلان موجّهًا ليسوع وحده، بل هو وعد لنا جميعًا. في العماد، ندخل في هذه البنوة الإلهية، نصبح أبناءً محبوبين، لا لأننا كاملون أو مستحقون، بل لأن محبة الله تشمل الجميع بلا استثناء. كما يقول بولس الرسول: "لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع" (غلاطية 3: 26).
هذه هي الرسالة التي حملها لنا الميلاد والظهور الإلهي: لا توجد مسافة تبعدنا عن الله، المهم هو القلب الباحث، القلب الذي يسعى بصدق إلى اللقاء به. كما أن المجوس والرعاة كانوا أول من اختبر هذه المحبة واللقاء، رغم أنهم كانوا مرفوضين اجتماعيًا، كذلك نحن مدعوون أن نقترب بثقة، مهما كان ماضينا أو ضعفنا. فالمجوس، قد رأوا النور من بعيد، وانطلقوا مثقلين بالشكوك، مثل إبراهيم، أبي الإيمان.
لأن الإيمان ليس وجهة محددة، بل هو مسيرة. العماد هو بداية هذه المسيرة، دعوة للثبات في الإيمان، حتى لو لم نفهم كل شيء دفعة واحدة. المهم هو الرغبة في اللقاء الشخصي مع يسوع المسيح والسعي إليه، لأن هذا اللقاء يغيّر حياتنا.
العماد ليس مجرد طقس خارجي، بل هو بداية رحلة الإيمان، رحلة السير وراء النجم، وراء كلمة الله وروحه، حتى نبلغ اللقاء الشخصي مع المسيح ونستمر ونسير. هذه الرحلة ليست سهلة، مليئة بالشكوك والتحديات، لكنها الطريق إلى الحياة، لأن الرب يقول لنا: الثبات هو الذي يخلصنا. "الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (متى 24: 13).
في الميلاد، كانت العلامة نجمًا، وفي العماد العلامة هي الروح القدس النازل بشكل حمامة. كلاهما يشير إلى حضور الله الذي يقودنا. الله لا يتركنا بلا إشارات، بل يضع في حياتنا علامات: في كلمته، في الأسرار المقدسة، وفي الأشخاص الذين نلتقي بهم. المهم أن نفتح أعيننا وقلوبنا، لأن الخطر الأكبر هو أن نكون قريبين جدًا من الله، لكننا لا نراه، كما حدث مع هيرودس والكهنة والكتبة. كانوا يعرفون الكتب، يصلّون، لكنهم لم يدركوا أن الله كان بينهم. وفي العماد، كان صوت الله لكل الجموع والحشود كما كانت المعجزات الكثيرة. ويمكن أن يحدث معنا بكل سهولة، أن نكون قريبين جدًا وبعيدين في الوقت نفسه: مؤمنين بالوراثة، مؤمنين اجتماعيًا، أو حتى يمكن أن نواظب على الصلاة خارجيًا، وأعضاء فاعلين في نشاطاتنا الرعوية، ولكننا لم نلتق شخصيًا وفي العمق مع يسوع المسيح، لأننا لم نكتشفه حقًا في قلوبنا وفي عقولنا.
ولكن كيف نعرف أننا بلغنا هذا اللقاء الشخصي مع يسوع المسيح؟
أول علامة هي الفرح الداخلي، الذي اختبره الرعاة والمجوس. فإذا فاض قلبنا سلامًا وثقةً، فهذا يعني أن المسيح حاضر في حياتنا. ومن هذا الفرح ندرك أن حياتنا لم تعد مجرد رغبة عاطفية أو منطقية، بل أصبحت حياة مليئة بالمعنى، بحضور الله الذي يملأ قلوبنا وعقولنا. وثاني علامة على اللقاء الشخصي، كما في العماد، هي التوبة والارتداد.
أيها الأحباء، العماد هو إعلان أن محبة الله بلا حدود، وأن السماء مفتوحة لنا. فلنسر في دروب حياتنا واثقين في إيماننا، ثابتين في محبتنا، أقوياء في رجائنا، فتصبح حياتنا خبرة ومغامرة محبة بين اللقاء الشخصي والحي مع السيد المسيح حتى نبلغ اللقاء الذي يعطينا السعادة الأبدية.
وكل عام وأنتم بالخير والبركة.