موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ليس من السهل أن تكون شاباً في الشرق الأوسط اليوم، أن تبحث عن هويتك بين صور الآخرين، وأن تحاول قبول ذاتك أمام مقارنات لا تنتهي تصنعها شاشات التواصل الاجتماعي، وأن تحمل أسئلة المستقبل في قلب أثقلته الصدمات والخيبات والخوف. ولا تقف الأزمة عند نظرتنا إلى ذواتنا، بل تمتد إلى علاقاتنا، فنحن بحاجة إلى عواطف صادقة وقرب إنساني حقيقي، مهما بلغت قدرة التكنولوجيا على تقليد التعاطف، فإنها لا تعوّض إنساناً يصغي إلينا ويقترب منا. لكن ما معنى هذا الواقع بالنسبة إلينا؟ وهل نحن أول من عرف الشك وعدم اليقين والخوف؟
في رسالته لليوم العالمي الحادي والأربعين للشبيبة، يعيدنا البابا لاون الرابع عشر إلى التلاميذ الذين عرفوا بدورهم الخوف والاضطراب. وفي عالم يبدو أن الخوف صار لغته اليومية، يدعونا إلى شجاعة تنبع من الثقة بيسوع الذي يقترب منا وسط العواصف تحديدا عند قوله: "أنا هو، لا تخافوا". فالمسيح يبدأ البحث عنا قبل أن نبحث عنه، والشجاعة المسيحية لا تأتي أولاً من قوتنا، بل من حضوره هو. وهنا تُطرح مسؤولية الكنيسة بوضوح أكبر: كيف يختبر الشباب هذا الحضور إن لم تكن جماعات الكنيسة نفسها وسيلة للقاء به؟ فلا يكفي أن يطلب من الشبيبة الخدمة والحضور، وثم تبقى على هامش المبادرة والمسؤولية والقرار، فالكنيسة التي لا تفسح لشبيبتها مجالاً للمشاركة هي كنيسة لا تعيش معنى رسالة المسيح القائم!
فالمسيح لم يعش حياة خالية من الألم والقلق والعواطف، ولم يعدنا بعالم بلا عواصف، لكنه بالمقابل يجعل حضوره مصدر قوتنا في أزماتنا. ومن هنا تبدأ مسيرة تسليمه طرقنا الشخصية والجماعية، واكتشاف معنى الشجاعة التي لا تزول ويشير قداسة البابا في رسالته إلى أن المسيح لم يقل: "ستغلبون العالم"، بل قال: "ثِقوا إني قد غلبت العالم". لقد سبقنا إلى هذه الغلبة بموته وقيامته. والمقصود بالعالم هنا ليس الخليقة التي أحبها الله، بل عالم الظلمات المقاوم له، بما يحمله من فوضى وعنف ويأس وأزمات هوية وغموض. لذلك لا تنبع شجاعتنا من قوة شخصياتنا فحسب، بل من الثقة بالمسيح الذي يتقدمنا.
وهذه ليست شجاعة ضد أحد، بل هي من أجل الحياة والحقيقة والحرية والعدل. وهنا دعوة الشبيبة إلى تجاوز أسر الألم والانغلاق على الذات نحو الجماعة والآخر، لا بإنكار الجراح، بل برفض أن تكون نهايتنا. فالمسيح لم يدعنا إلى الهروب من العالم، بل إلى رؤيته بعينيه ولمسه بمحبته الشافية، لقد أحب الإنسان من قرب، ودخل واقعه واتضع حتى الصليب. وفي ذلك دعوتنا إلى تواضع يكتشف فرح التضحية والمحبة.
نحن شبيبة شرق يتوق إلى السلام ويواجه العنف والعزلة. لذلك نحتاج إلى شجاعة الوداعة: أن نحب حين تبدو القسوة أسهل، ونطلب السلام حين يبدو الصدام أنفع، ونحفظ الرجاء حين يغري الانتقام. ففي بلداننا، حيث تتصاعد الصراعات وتجرّنا الانقسامات والاصطفافات، يكثر الحديث عن الانتصارات. لكن انتصارات العقلية السائدة تقيس القوة بفرض الذات، أما انتصار المسيح فيظهر في صورة العبد المتضع، حيث ينكشف قلبه الإلهي المملوء حباً واهباً للحياة. إنه انتصار المحبة التي تبذل ذاتها بلا حساب. وحين ندرك ذلك، لا نخفي ضعفنا وشكوكنا ومحدوديتنا، بل نكون صادقين أمام الله والآخرين. فقلبنا خُلق من أجل الله، لنحبه ونجيب عن محبته بمحبة الآخرين، ونهب ذواتنا لخيرهم وتعزيتهم وفرحهم. هذا هو إبداع المحبة المعطاءة.
وتكتمل شجاعة التواضع بالقيامة: بالنهوض. فالمسيح لم يقم تمجيداً لذاته، بل بعطية الآب وقوة الروح القدس. إنها شجاعة القبول، أن ننهض بضعفنا ونكون أصدقاء المسيح القائم، عوضاً عن الاستسلام لعقلية تطالبنا بفعل كل شيء وحدنا. فنترك له أن يغيرنا، ففتح القلب لا يعني فقدان الذات، بل اكتشاف هويتنا بعمق في نظر الله. وحيث في أعماقنا يعمل الروح القدس على تجديد حياتنا اليومية، رغم الألم والحواجز التي نبنيها.
إننا نشبه التلاميذ في العلية: خائفين، وأبوابنا مغلقة، مثقلين بالخيبة والنكران والخيانة. لكن المسيح القائم دخل إليهم وقال: "السلام عليكم". لم ينتظر زوال خوفهم، بل منحهم سلامه وغفرانه. وهذه الأبواب قد تكون مغلقة أيضاً في جماعاتنا، فالكنيسة التي تخشى أسئلة شبيبتها ومبادراتها، أو تبقيها على الهامش، تناقض دعوتها إلى التجدد.
مع التحضير للقاء سيول، لا تقتصر الدعوة على تهيئة ترتيبات الرحلة، بل تبدأ بتهيئة القلوب. أن تحمل الشبيبة إلى المسيح أسئلتها وجراحها وآلام بلادها، وما يمزق مجتمعاتها ويدفع بلدانها إلى الصراع، إلى جانب أفراحها وآمالها. لكن ماذا عن الذين لن يتمكنوا من السفر؟ وعن الذين يتوقون إلى لقاء المسيح ولم يجدوا بعد من يفتح لهم الطريق إليه؟
هنا تُدعى الكنائس المحلية في شرقنا إلى أن تفتح هي أيضًا قلبها وأبوابها، فلا تنتظر من الشباب أن يأتوا إليها دائمًا، بل تذهب إليهم، وتقترب منهم بتواضع، وتفسح لهم مكاناً في حياتها. فكم من شاب ينتظر فرصة، وكم من قلب يمكن الوصول إليه لو امتلكنا شجاعة الاقتراب!
لا ننتظر الكمال أو الظروف المثالية كي نبدأ، فالمسيح يأتي للقائنا كما نحن. واللقاء في سيول ليس محطة سفر فحسب، بل مسيرة تغيير تبدأ اليوم، من واقعنا وكنائسنا. فالمسيح الذي دخل من الأبواب المغلقة لا يزال يأتي إلى وسطنا ويسبقنا في الطريق. ومهما أثقلت جراحنا مسيرتنا، يبقى وعده: "ثِقوا إني قد غلبت العالم". ونحن شهود هذه الغلبة في العالم، بمحبة تبذل ذاتها وتمنح الحياة كشهادة رجاء للجميع.