موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قبل مئة وأحد عشر عامًا، وعلى طرقات أرمينيا الغربية التاريخية، لم يكن أحد يتخيّل أن الدم المسفوك في صمت سيغدو بعد أكثر من قرن لغةً تتكلم بها الكنيسة الجامعة. ففي تلك الأيام العصيبة من عام 1915، كانت القوافل تُساق نحو المجهول، وكانت الأرض ترتوي بدموع الأبرياء ودماء الشهداء، فيما بدا وكأن التاريخ يكتب فصلًا جديدًا من فصول الظلم الإنساني، وكما أن أصوات الضحايا ستضيع إلى الأبد بين غبار الطرقات وصمت الصحراء.
غير أن الحقيقة تكتب أحيانًا سطورها الأجمل بالحبر الذي يظنه البشر نهاية.
ومن بين تلك الصفحات الدامية ارتفع اسم الشهيد القديس إغناطيوس مالويان، رئيس أساقفة ماردين وتوابعها للأرمن الكاثوليك، لا كضحية من ضحايا زمن مضطرب، بل كشاهد أمين بقي ثابتًا حتى الرمق الأخير، حارسًا للوديعة التي اؤتمن عليها، وراعيًا رفض أن يترك شعبه ساعة المحنة.
واليوم، فيما تحتفل الكنيسة بالعيد الأول لهذا القديس بعد إعلان قداسته، لا تقرع الأجراس تكريمًا لرجل من الماضي فحسب، بل احتفاءً بغلبة الأمانة على الخوف، والضمير على القهر، والإيمان على الموت.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز حدود التاريخ: ما الذي جعل رجلًا خسر كل شيء في زمنه ينتصر بعد أكثر من قرن على التاريخ نفسه؟ ومتى يصبح الإنسان شهيدًا حقًا؟ أهو عندما تُسفك دماؤه، أم عندما يرفض أن يساوم على الحقيقة، ويختار أن يبقى أمينًا مهما كان الثمن؟
لقد عرف التاريخ قادة كثيرين، وامتلأت صفحاته بأسماء الملوك وأصحاب النفوذ، لكن التاريخ نفسه لا يحتفظ إلا بالقليل منهم. أما الذين يتركون أثرًا خالدًا في ضمير البشرية فهم أولئك الذين انتصروا على ذواتهم قبل أن ينتصروا على الظروف المحيطة بهم.. ببساطة كان إغناطيوس مالويان واحدا منهم.
لم يكن قائدًا سياسيًا، ولم يكن صاحب مشروع دنيوي أو ثورة بشرية. لم يحمل سلاحًا، ولم يدعُ إلى عنف، ولم يبحث عن مجد شخصي. كان رجل إيمان آمن بأن مكان الراعي هو بين شعبه، وأن الأمانة للدعوة ليست شعارًا يُرفع في أوقات السلام، بل عهدًا يُختبر في ساعات المحنة، وعندما حلّ الامتحان، بقي، وهنا تكمن عظمة هذا القديس.
فالبقاء أحيانًا أصعب من الرحيل، والثبات أصعب من الكلام، والأمانة أصعب من البطولة العابرة. لقد كان بإمكانه أن يبحث عن النجاة، أو أن يختار طريقًا أقل ألمًا، لكنه أدرك أن الراعي لا يترك قطيعه عندما تتلبد السماء بالظلام، وأن الرسالة لا تُقاس سوى بصدق الشهادة لها.
ولهذا لم تكن شهادة مالويان مجرد حدث تاريخي استثنائي، بل كانت ثمرة حياة كاملة من الوفاء.
وفي عالم يميل إلى تمجيد القوة الظاهرة، يقدّم لنا هذا الشهيد صورة مختلفة تمامًا للقوة. قوة لا تقوم على الغلبة، بل على الثبات. قوة لا تُقاس بما يملكه الإنسان من نفوذ، بل بما يحمله في قلبه من حق. قوة تعرف أن الضمير الحر قد يُضطهد، لكنه لا يُهزم.
لقد امتلأ التاريخ بالشهداء، لكن ما يجعل شهادة مالويان متألقة على نحو خاص هو أنها لم تتحول إلى كراهية. فلم يمت وهو يدعو إلى الانتقام، ولم يغادر هذا العالم وهو يحمل الحقد في قلبه. بل بقي أمينًا لرسالته حتى النهاية، محتفظًا بحريته الداخلية التي لا تستطيع أي قوة أرضية أن تنتزعها.
وهنا يلامس مالويان جوهر الرسالة المسيحية نفسها.
فالمجد في المسيحية ليس أن ينتصر الإنسان على خصومه، بل أن يبقى أمينًا للحقيقة عندما يخسر كل شيء. وليس أن يفرض إرادته على الآخرين، بل أن يحفظ محبته لشعبه حتى في أكثر اللحظات قسوة.
وربما لهذا السبب يبدو إغناطيوس مالويان قريبًا من عالمنا اليوم أكثر مما كان قريبًا من زمنه.
فقد يتساءل البعض: لماذا احتاجت الكنيسة إلى أكثر من قرن لتعلن قداسة هذا الشهيد؟ ولماذا يبدو هذا الإعلان اليوم ذا معنى خاص؟
الجواب لا يكمن في الزمن الذي مضى، بل في الزمن الذي نعيشه.
فعالمنا المعاصر يعيش أزمات هوية عميقة، وصراعات متجددة، وضغوطًا متواصلة على الضمير الإنساني. وفي كل يوم يواجه الإنسان أشكالًا جديدة من المساومة على المبادئ والقيم والحقيقة. لذلك يأتي هذا التقديس كعلامة رجاء، وكصوت يذكّر العالم بأن الأمانة ما زالت ممكنة، وأن القداسة ليست ذكرى بعيدة تخص الماضي، بل دعوة حية تتجدد في كل عصر.
فالاستشهاد في ذاته حدث تاريخي عظيم، أما القداسة فهي قراءة الكنيسة لهذا الحدث في ضوء الإيمان.
وكأن الكنيسة، عندما ترفع اسم مالويان إلى مجد المذابح، تقول للعالم إن الدم الذي سُفك لم يكن نهاية، بل بداية. وإن الألم الذي بدا هزيمة في نظر البشر صار شهادة في نظر الله. وإن الشهادة التي كُتبت بالدم أثمرت قداسة ما زالت تنير الطريق للأجيال.
إن إعلان قداسته اليوم ليس مجرد تكريم لشخصه، بل شهادة لحقيقة أعمق: أن الإيمان حين يُعاش بأمانة كاملة يصبح أقوى من العنف، وأرسخ من تقلبات التاريخ، ليصبح عنوان مسيرة تقود إلى سلام المسيح الداخلي المستمر.
لقد حاول التاريخ مرارًا أن يطوي صفحات الشهداء، لكن ما كُتب بالدم لا يُمحى. وان حاولت قوى الأرض أن تسكت شهادة تلك الأصوات، فإذا بأصدائها تعود بعد أكثر من قرن لتُعلن أن الشهادة لم تكن نهاية قصة، بل بداية حضور جديد في حياة الكنيسة ورسالة قيامة متجددة.
واليوم، لم يعد السؤال ماذا جرى للقديس إغناطيوس مالويان عام 1915، فالتاريخ أجاب عن ذلك منذ زمن. بل السؤال الحقيقي هو: ماذا سنفعل نحن بالإرث الذي تركه لنا؟
هل تبقى القداسة ذكرى نحتفل بها مرة في السنة، أم تتحول إلى أسلوب حياة؟ هل تبقى الشهادة صفحة من الماضي، أم تصبح دعوة متجددة إلى الأمانة والرجاء والثبات؟
لقد أورثنا الشهداء أكثر من الذكريات. أورثونا مسؤولية. أورثونا إيمانًا صُقل بالنار، ورجاءً عَبَرَ الموت، وأمانةً لم تنحنِ أمام الخوف.
ومن ماردين التي شهدت آلامه، إلى الكنيسة الجامعة التي أعلنت قداسته في روما، يبقى صوت القديس إغناطيوس مالويان يتردد عبر الأجيال كنداء لا يخبو: "ابقوا أمناء".
فالأمم قد تُبنى بالقوة، وقد تُحفظ بالسياسة، وقد تزدهر بالاقتصاد، أما الكنيسة فلا تُبنى إلا بالأمانة.
وهكذا، بعد أكثر من قرن، ما زالت دماء الشهداء تُثمر، وما زالت الشهادة تُنبت قداسة، وما زال القديس إغناطيوس مالويان شاهدًا حيًا على أن نور الإيمان أقوى من ظلمة التاريخ، وأن الأمانة لله وللرسالة وللكنيسة هي الطريق الذي لا يشيخ، مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الوجوه.