موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قال المطران جمال دعيبس، أسقف جيبوتي والمدبّر الرسولي للصومال، إن على المجتمع الدولي ممارسة ضغط دبلوماسي لوقف الاعتداءات والعنف ضد الفلسطينيين في الأرض المقدسة.
وفي حديث إلى فاتيكان نيوز، عقب لقائه البابا لاون الرابع عشر برفقة الأساقفة اللاتين في المناطق العربية، حذّر المطران دعيبس من أن الخوف والعنف يدفعان الفلسطينيين إلى التفكير في مغادرة أرض عاش فيها المسيحيون منذ الأيام الأولى للكنيسة. وقال: "إنها مسألة كرامة إنسانية. إنها مسألة حياة الإنسان. إنها مسألة العيش بحرية".
وبالنسبة للمطران دعيبس، لا يمكن اختزال الصراع في الأرض المقدسة في مطالب سياسية متنافسة، إذ تتمحور القضية، في جوهرها، حول ما إذا كان بإمكان الناس البقاء في وطنهم والعيش فيه بكرامة وأمان وحرية.
وجاء حديث أسقف جيبوتي عقب اللقاء الذي جمع الأب الأقدس بأعضاء مجلس الأساقفة اللاتين في المناطق العربية (CELRA)، الذي يجمع في اجتماعه السنوي أساقفة يخدمون جماعات في الأرض المقدسة والشرق الأوسط والخليج والقرن الأفريقي.
ويأتي هؤلاء الأساقفة من مناطق مختلفة، لكنهم يتشاركون خبرة العيش في مجتمعات ذات غالبية مسلمة، ومرافقة أشخاص متأثرين بالحروب، والتعامل مع قضايا الهجرة والنزوح. أما بالنسبة إلى المطران دعيبس، المولود في مدينة جنين بالضفة الغربية والمنتمي إلى البطريركية اللاتينية في القدس، فإن الوضع في الأرض المقدسة يبقى ملحًا بصورة خاصة.
قال المطران دعيبس إن المسيحيين الفلسطينيين يعانون إلى جانب سائر أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أن الاعتداءات الأخيرة على القرى والبلدات المسيحية أضافت بُعدًا جديدًا إلى الوضع. وقال: "أعتقد أن المسيحيين، مثل سائر الفلسطينيين، يعانون تحت الاحتلال". وأضاف: "لكن في الأسابيع الأخيرة، هناك أمر جديد: هذه الاعتداءات على القرى والبلدات المسيحية من قبل المستوطنين، وبدعم من القادة السياسيين، وغير ذلك".
وأوضح أن الغاية من مثل هذه الاعتداءات هي بث الخوف ودفع السكان في نهاية المطاف إلى الرحيل. وأشار إلى أنه، إلى جانب الاعتداءات الواضحة وتدمير المنازل وبساتين الزيتون والأراضي الزراعية، هناك الضرائب المفروضة على المياه وجميع السلع المستوردة، فضلًا عن القيود التي تعيق العمال عن التنقل إلى المدن والقرى الأخرى، ما يؤدي إلى خنق سبل العيش والقضاء على آمال الناس في المستقبل. وقال: "الهدف هو ترهيب السكان ودفع الناس إلى مغادرة البلاد".
وحذّر من أن تداعيات ذلك باتت ملموسة بالفعل داخل الجماعة المسيحية وخارجها. وقال: "نحن قليلون، كما تعلمون، من حيث العدد. علينا أن نبقى هناك. لكن علينا أن نعيش بكرامة وحرية في هذا البلد، لا أن نعيش تحت الاعتداءات".
ولا يقتصر قلقه على الأمن الآني للجماعات المسيحية، بل يمتد إلى مستقبل وجودها في الأرض التي انطلقت منها المسيحية. وقال: "الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. هناك الكثير من المستوطنات الجديدة، وكثير منها حول القرى والبلدات المسيحية، وهذا أمر خطير بالنسبة إلى المستقبل". كما أشار إلى لافتات وضعها مستوطنون على الطرق تحمل عبارة: "لا مستقبل في فلسطين".
وأضاف: "وهذا أمر خطير. إنهم يريدون أن يصاب الناس باليأس وأن يغادروا البلاد".
إلا أن الرحيل، بحسب المطران دعيبس، ليس الحل بالنسبة إلى المسيحيين الفلسطينيين. وقال: "هذه بلادنا؛ نحن هنا منذ قرون طويلة، منذ يوم العنصرة وحتى اليوم. ونريد أن نستمر، كمسيحيين، في العيش في الأرض المقدسة، وأن نكون الحجارة الحيّة في الأرض المقدسة".
وأعرب المطران دعيبس كذلك عن قلقه إزاء استخدام الكتاب المقدس لتبرير العنف. وقال إن المسيحيين الفلسطينيين يسعون إلى تقديم الكتاب المقدس باعتباره رسالة خلاص، لا تبريرًا دينيًا لممارسة العنف ضد الآخرين.
وأضاف: "ما نحاول القيام به، نحن المسيحيين الفلسطينيين، هو إعلان بالكتاب المقدس باعتباره كلمة الله والبشرى السارّة، لا باعتباره تبريرًا لارتكاب الفظائع والعنف ضد الآخرين". ووصف ما سمّاه الصهيونية الدينية بأنه أمر خطير عندما تُستخدم الأفكار الدينية لتبرير العنف.
ويرى المطران دعيبس أن جانبًا آخر من المشكلة يتمثل في غياب الضغط الدولي الكافي. وقال: "هناك جانب آخر، وهو أنهم يستمرون في ما يفعلونه من دون أي ضغط من العالم، ولذلك يشعرون بأنهم أحرار في فعل ما يريدون"، معتبرًا أن النتيجة هي سيادة "منطق استخدام القوة والعنف".
لذلك، وجّه المطران دعيبس نداءه إلى الكنائس والمجتمع الدولي على حد سواء، قائلًا: "نحن بحاجة إلى تضامن الكنائس، وإلى تضامن المجتمع الدولي، وإلى ممارسة الضغط لكي يتوقف هذا الأمر". وأكد مجددًا: "إن نتيجة هذه الاعتداءات هي الخوف لدى الفلسطينيين، وقد بدأ كثيرون يفكرون في الهجرة ومغادرة الأرض المقدسة، وهذا أمر خطير".
وأشار إلى أن الكنيسة تواصل دعم الجماعات المسيحية، بما في ذلك المسيحيون في غزة، إلا أن القرب الرعوي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يحل محل العمل السياسي. وقال: "أعتقد أن الوقت قد حان لممارسة بعض الضغط، بما في ذلك الضغط الدبلوماسي".
وبالنسبة إلى المطران دعيبس، لا يتعلق الأمر بانحياز سياسي، وإنما بالدفاع عن كرامة الناس الذين يعيشون في الأرض المقدسة وحريتهم. وقال: "إنها مسألة كرامة إنسانية. إنها مسألة حياة الإنسان. إنها مسألة العيش بحرية»، مشيرًا إلى أن المسيحيين يحملون معهم «هذا الكنز الذي هو كلمة الله".
وتكتسب مسألة الأعداد أهمية خاصة بالنسبة إلى الجماعات المسيحية الصغيرة في العالم العربي. ويرى المطران دعيبس أن خبرة الكنيسة الأولى تذكّر بأن حجم الجماعة لا يحدد أهمية رسالتها. وقال: "أنا آتٍ من الأرض المقدسة، ولدينا خبرة هناك، لأننا بدأنا بـ12 شخصًا آمنوا بالمسيح، ثم نشروا البشرى السارّة في العالم كله".
وأضاف: "لذلك، فالأمر لا يتعلق بالأعداد، بل بالأمانة لإنجيل الرب".
وقال المطران دعيبس إنه أحب، خلال اللقاء مع البابا لاون الرابع عشر، تشجيع البابا للحاضرين على ألا يخافوا من قلّة عددهم، كما استذكر شهادة المسيحيين الذين ماتوا بسبب إيمانهم، ومن بينهم الأخت ليونيلا سغورباتي في الصومال، وراهبات مرسلات المحبة اللواتي قُتلن في اليمن. وأضاف: "هذه هي رسالتنا كجماعة مسيحية وككنائس هناك: أن نقدم هذه الشهادة وأن نبقي الرجاء حيًا، ولا سيما في الظروف الصعبة".
وبالنسبة إلى المطران دعيبس، كان من أبرز جوانب اللقاء مع البابا لاون أن يسمع منه مباشرة أن المسيحيين الذين يعيشون في المنطقة ليسوا وحدهم. وقال: "لقد شجّعنا على العودة حاملين معنا الإنجيل والرجاء إلى شعبنا".
وأضاف أن الأساقفة سينقلون إلى المؤمنين "أن الكنيسة الجامعة، بشخص البابا نفسه، تعرف ما يجري، وهي قريبة من المسيحيين هناك". وتابع: "نحن نعرف ذلك بالفعل، لكن لقاءه وسماع هذا الكلام منه مباشرة كان أمرًا مهمًا جدًا جدًا بالنسبة إلينا".
وأضاف: "إنني أبحث عن النص الكامل لكلمته. أريد أن أنقله إلى مؤمنينا".
ولا تقتصر خدمة المطران دعيبس ومسؤولياته على الأرض المقدسة، بل تمتد إلى القرن الأفريقي، حيث يلتقي جماعات تعاني النزاعات والنزوح والهجرة والأزمات الإنسانية. وقال إن أعدادًا كبيرة من الأشخاص في الصومال نزحوا داخل البلاد بسبب الحرب والتوترات والجفاف. وخلال لقائه البابا لاون، أتيحت له الفرصة للحديث عن النازحين الذين تخدمهم الكنيسة من خلال كاريتاس الصومال.
وأعرب عن قلقه من أن الأزمة الإنسانية تحظى باهتمام ومساعدات دولية متناقصة. وعندما سُئل عما إذا كان سكان الصومال يشعرون بأن المجتمع الدولي قد نسيهم، أجاب: "أقول نعم". وأضاف: "لا أحد يتحدث عن الصومال في الأخبار؛ ولا يوجد اهتمام بمساعدتهم".
أما في جيبوتي، فتعمل كاريتاس مع المهاجرين القادمين بصورة رئيسية من إثيوبيا، ومن بينهم أطفال يعيشون في الشوارع. فبعضهم يهرب من النزاعات والجفاف، فيما يسعى آخرون إلى إيجاد فرص عمل في دول الخليج. وتوفر الكنيسة لهم الغذاء والأدوية والتعليم وغيرها من المساعدات الأساسية، كما تساعد بعض المهاجرين الراغبين في العودة إلى إثيوبيا على القيام بذلك بكرامة.
وكشف المطران دعيبس أيضًا أن المدارس الكاثوليكية تعمل في جيبوتي منذ القرن التاسع عشر، وأن السلطات المحلية ممتنة جدًا للعمل القيّم الذي تؤديه. وأكد مجددًا: "حتى وإن كنا قليلين من حيث العدد، فهذا لا يعني أن رسالتنا ليست مهمة".
هناك الكثير مما يمكن قوله عن منطقة غنية بتنوعها، لكنها تعاني في الوقت نفسه أزمات مترابطة. وقال المطران دعيبس إن جيبوتي قد تكون مستقرة، إلا أنها تتأثر بصورة غير مباشرة بالصراعات في الشرق الأوسط، فيما تنعكس التوترات الإقليمية وارتفاع الأسعار على سكانها.
ومع ذلك، تعود أفكاره إلى القدس وإلى مستقبل الوجود المسيحي في الأرض المقدسة. وشدد على أن الهدف يجب أن يكون تمكين الناس من البقاء في وطنهم والعيش فيه بحرية وكرامة، قائلًا: "علينا أن نعيش بكرامة وحرية في بلادنا، وألا نعيش تحت الاعتداءات".
وبالنسبة إلى المسيحيين، أكد المطران دعيبس أن البقاء في الأرض المقدسة هو أيضًا شكل من أشكال الشهادة: "نريد أن نستمر، كمسيحيين، في العيش في الأرض المقدسة، وأن نكون الحجارة الحيّة في الأرض المقدسة".
ويرى المطران دعيبس أن ما يحدث هناك ستكون له تداعيات تتجاوز المنطقة بكثير. وقال: "الأمر يبدأ في القدس، لكنه سينتشر من القدس إلى العالم كله". ولهذا السبب، شدد على أن الانخراط الدولي لا يمكن أن يقتصر على التعبير عن القلق. وختم قائلًا: "إذا استطعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة، فسيكون الشرق الأوسط كله مسالمًا، وسينعكس ذلك بصورة إيجابية على العالم بأسره".