موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، وجّه مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة رسالة إلى الطلبة والأهالي والمربين والعاملين في المدارس الكنسية، حملت هذا العام نبرة خاصة في ظل الحرب والعنف والتهجير اللذين حرما أطفالًا في المنطقة حتى من أبسط حقوقهم: العودة إلى المدرسة.
وجاءت الرسالة بتوقيع رئيس المجلس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، حيث أشار إلى الأجواء التي ترافق الأيام الأخيرة من شهر آب، حيث تستعد المدارس لاستقبال عام جديد، وتُجهّز الصفوف والساحات، فيما تنشغل العائلات بإعداد الحقائب والكتب والزي المدرسي، استعدادًا لعودة عشرات الآلاف من الطلبة إلى مدارسهم المسيحية.
لكن هذه الفرحة، بحسب الرسالة، لا تشمل الجميع. وقال: «غير أن فرحتنا بهذه البداية لا تنسينا أن أطفالًا في أنحاء مختلفة من الأرض المقدسة قد فقدوا حتى حقهم البديهي في العودة إلى مقاعد الدراسة»، مضيفًا: «فبعضهم لم يعد يجد صفًا يعود إليه، وبعض الجماعات يطغى فيها الموت والتهجير والدمار على بهجة العام الجديد. هؤلاء أيضًا أبناؤنا».
وأعرب عن الرجاء بأن تحمل بداية العام الدراسي رسالة إلى هؤلاء الأطفال بأن واقعهم الحالي لن يكون النهاية، مؤكدًا أن «الدمار لن يقول الكلمة الأخيرة»، وأن يومًا سيأتي يستطيعون فيه العودة بأمان إلى مدارسهم وإلى حياة طبيعية وكريمة.
وتولي الرسالة أهمية خاصة لدور المدارس المسيحية في الأرض المقدسة، ليس فقط بوصفها مؤسسات للتعليم، وإنما باعتبارها جزءًا أساسيًا من رسالة الكنيسة وحضورها في المنطقة. فالمدارس المسيحية تستقبل أبناء عائلات تنتمي إلى تقاليد دينية مختلفة، وتؤدي دورًا في تنشئة الأجيال الجديدة على العيش المشترك والاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وفي الوقت نفسه، شددت الرسالة على أن هذا الانفتاح لا يعني التخلي عن الهوية المسيحية للمدارس، بل يجب أن يظهر طابعها المسيحي بوضوح في القيم والرموز والتقاليد وفي تفاصيل الحياة التربوية اليومية. وأكد بيتسابالا أن الحفاظ على هذه الهوية، وسط الضغوط والتحديات المختلفة التي تواجه المدارس، يحتاج إلى «الصبر والثبات والشجاعة»، وهو مسؤولية مشتركة بين الإدارات والمعلمين وسائر مكونات الجماعة الكنسية.
وتوقفت الرسالة بصورة خاصة عند التربية الدينية للطلبة، مشددة على ضرورة ألا تقتصر على نقل المعلومات أو حفظ الصلوات والتعاليم. فليس كافيًا، بحسب الرسالة، أن يتمكن الطالب المسيحي من ترديد الصلوات أو تسمية الأسرار من دون فهم معناها، بل ينبغي أن تقوده التربية الدينية إلى معرفة «حية وشخصية» بالإيمان.
كما شدد الكاردينال بيتسابالا على خصوصية أن يكون الإنسان مسيحيًا في الأرض المقدسة، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بمجرد انتماء جغرافي، وإنما بعلاقة عميقة مع أرض الإنجيل، وبالتعرف إلى أسرار الإيمان من خلال الأماكن التي شهدت أحداث التاريخ الخلاصي.
ومن هذا المنطلق، دعت الرسالة إلى أن تكون زيارة الأماكن المقدسة جزءًا أساسيًا من التنشئة الدينية للطلبة. وفي الحالات التي تحول فيها المسافات أو الحدود أو القيود دون وصول الطلاب جسديًا إلى هذه الأماكن، تقع على المدارس مسؤولية إيجاد وسائل أخرى لتقريبهم من التراث الروحي للأرض المقدسة، من خلال الكتاب المقدس والدراسة والوسائل البصرية وغيرها.
وأكدت الرسالة ضرورة إعداد معلمي التربية الدينية إعدادًا راسخًا ومستمرًا، بحيث يكونون متجذرين في إيمانهم وقادرين على نقله بشغف إلى الأجيال الجديدة. وقالت إن مهمة هؤلاء المعلمين لا ينبغي أن تقتصر على تقديم المعلومات، بل أن تساعد الطلبة على الوصول إلى «لقاء حي بالكتاب المقدس وبالتراث الروحي لهذه الأرض».
وفي واحدة من أبرز عبارات الرسالة، توجّه الكاردينال بيتسابالا إلى المربين في المدارس المسيحية قائلًا: «إنكم بعملكم اليومي تحفظون معجزة هادئة ومتواصلة: بقاء الحضور المسيحي حيًا وفاعلًا في الأرض المقدسة».
كما توجّه إلى الأهالي، معتبرًا إياهم الشركاء الأولين والأساسيين في هذه الرسالة، ومؤكدًا أن المدارس لا تستطيع أداء مهمتها من دون ثقتهم ودعمهم ومشاركتهم الفاعلة. أما الطلبة، فتمنى لهم عامًا يوقظ فيهم شغف المعرفة، ويقوي عزيمتهم، ويساعدهم على تحقيق نمو حقيقي ومثمر.
واختتم مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية رسالته بالصلاة من أجل عام دراسي آمن ومثمر وناجح، ومن أجل جميع أطفال الأرض المقدسة، «ولا سيما الذين سلبهم العنف الأمان والتعليم»، معربًا عن الرجاء في أن تبقى المدارس المسيحية «بيوتًا للإيمان، والمعرفة واللقاء والرجاء».