موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأخوات والإخوة في المسيح،
نجتمع هذا المساء في يوم الصلاة من أجل وحدة المسيحيين، وحدتنا نحن، مستجيبين لنداء السيد المسيح يسوع الذي صلّى قائلًا: «ليكونوا جميعًا واحدًا، كما أنّك أنت، أيها الآب، فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا فينا» (يوحنا 17: 21). هذه الصلاة ليست مجرد كلمات، بل هي قلب رسالة الإنجيل، لأن الانقسامات تجرح شهادة الكنيسة أمام العالم الذي يتوق إلى نور الرجاء
فهذه الآية هي واحدة من أعمق كلمات السيد المسيح في صلاته الكهنوتية: «ليكونوا هم أيضًا فينا». إنها ليست فقط عبارة لاهوتية، بل صرخة قلب، من قلب الابن نحو الآب، لأجل كل واحد فينا. في تلك الليلة، ليلة الألم والخيانة، كان بإمكان المسيح أن يصلّي من أجل نفسه، من أجل قوته، من أجل سلامته… لكنه اختار أن يصلّي من أجلنا. اختار أن يحملنا في قلبه أمام الآب. لم يطلب لنا نجاحًا أرضيًا، ولا حماية من الصعوبات، بل طلب لنا أعظم عطية: أن نكون في الله. هذا هو قلب المسيح: لا يكتفي بأن نعرفه، أو نسمع تعليمه، أو نتبع وصاياه… بل يريد أن نسكن فيه، وأن يسكن فينا.
في الزمن القديم كانت علاقة الإنسان بالله تعتمد على المسافة: الله في السماء… والإنسان على الأرض. لكن في المسيح تغيّر كل شيء، فصار الله عمانوئيل، الساكن معنا وفينا.
أن نكون «فيه» تعني:
أن نستنشق سلامه حين يُثقلنا العالم،
أن نستند إلى حنانه حين تخوننا القلوب،
أن نأخذ من حكمته حين تتيه طرقنا،
أن نتجذّر في محبته حين تهاجمنا المخاوف.
هذا هو سرّ الحياة المسيحية:
لسنا نعبد إلهًا بعيدًا… بل نعيش اتحادًا مع الله الحي. فعندما يقول يسوع المسيح: «ليكونوا واحدًا كما نحن واحد… ليكونوا هم أيضًا فينا». فالوحدة التي يطلبها المسيح ليست تفاهمًا عابرًا، ولا مصالح مشتركة، ولا توافقات اجتماعية… إنها وحدة نابعة من قلب ممتلئ بالله.
حين أسمح لله أن يسكن داخلي، حين أجد محبته تغسل قلبي من الأنانية والغيرة والخصومات، عندها فقط أستطيع أن أحب الآخرين كما يحبني هو. الوحدة ليست مشروعًا بشريًا، بل ثمرة حضور الله في الإنسان: كل قلب يسكنه الله يصبح قادرًا أن يضمّ الآخرين بمحبة صادقة.
حين نصير «فيه»، نتبدّل:
نظرتنا للحياة تتغيّر.
نزاعاتنا وتجاذباتنا تهدأ.
كلماتنا تصير نعمة.
حياتنا تصير شهادة.
إذًا، كيف نعيش «فيه»، في الله، في واقعنا؟
هناك ثلاثة مفاتيح بسيطة وعميقة:
• الثبات في الصلاة: ليس بكثرة الكلمات، بل بخفض الرأس أمام الله وتركه يلمس القلب.
• الانغماس في كلمة الله: الإنجيل ليس كتابًا تاريخيًا، بل هو صوت الحبيب يتكلّم معنا.
• المحبة العملية: كل فعل محبة صادق هو خطوة دخول إلى قلب الله.
أيها الأحبّة، العالم يحتاج إلى مسيحيين «في المسيح»، لا إلى مؤمنين بالاسم فقط. الكنيسة تحتاج إلى قلوب متّحدة بالله، لتشهد لوحدة السماء على الأرض. الوحدة ليست تشابهًا في كل شيء، بل هي محبة تحتضن التنوّع وتحوّله إلى غنى روحي.
يقول بولس الرسول: «احْتَمِلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ، مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم» (أفسس 4: 2-3). ويقول القديس أغسطينوس: «في الأمور الجوهرية الوحدة، وفي الأمور الثانوية الحرية، وفي كل شيء المحبة». ويضيف القديس يوحنا الذهبي الفم: «حيث توجد المحبة، هناك الله؛ وحيث يوجد الانقسام، هناك غياب النعمة». أما القديس كبريانوس فيقول: «لا يمكن أن يكون الله أبًا من لا تكون الكنيسة له أمًّا؛ ومن يفصل نفسه عن وحدة الكنيسة يفصل نفسه عن حياة المسيح».
إذًا، لماذا نفشل أحيانًا في الوحدة؟
الخوف والأنانية هما من أكبر العوائق أمام الوحدة.
• الخوف يجعلنا نغلق قلوبنا، لأننا نخشى فقدان هويتنا أو تقاليدنا. لكن الحقيقة أن الوحدة لا تلغي التنوّع، بل تحتضنه. يقول الكتاب: «المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج» (1 يوحنا 4: 18). ويقول القديس باسيليوس الكبير: «الخوف يقيّد النفس، أما المحبة فتطلقها نحو الله والآخرين».
• الأنانية تجعلنا نتمسّك بمصالحنا الضيقة، ونرفض الحوار البنّاء. الأنانية تقول: «أنا أولًا»، بينما المسيح يقول: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا» (متى 20: 26). ويقول القديس إيريناوس: «حيث توجد الأنانية، هناك موت؛ وحيث توجد الشركة، هناك حياة».
أيها الأخوات والإخوة، العالم اليوم ممزّق بالحروب والكراهية، وهو ينتظر أن يرى فينا نورًا مشتركًا. فلنكن نحن ذلك النور. يقول يسوع: «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حب بعضكم لبعض» (يوحنا 13: 35). الوحدة ليست خيارًا، بل شهادة حيّة للمسيح أمام العالم.
صلاة:
يا سيدي يسوع المسيح، الذي صلّيت من أجل أن نكون واحدًا، اجعلنا اليوم نخطو نحو هذه الوحدة بقلوب متواضعة ومحبّة. اغسل جراح الانقسام، وأزل الكبرياء والخوف من قلوبنا، وأرسل روحك القدوس ليقودنا في طريق السلام. علّمنا أن نرى في الآخر أخًا، وأن نخدم معًا، وأن نشهد للعالم أن محبتك أقوى من كل انقسام. لك المجد إلى الأبد. آمين.