موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ١١ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
الكشفية الكاثوليكية ورسالتها التربوية في ضوء فكر الأب جاك سيفان: مقاربة رعوية علمية

الأب إبراهيم شوملي :

 

ملخّص

 

تسعى هذه الدّراسة إلى تحليل الدّور التّربويّ والرّوحيّ للكشفيّة الكاثوليكيّة في ضوء فكر الأب جاك سيفان اليسوعيّ (1882–1951)، أحد أبرز مؤسّسي الكشفيّة المسيحيّة في القرن العشرين. وتُقدّم — استكمالًا للقسم الأوّل — رؤية رعويّة علميّة حول كيفيّة دمج الكشفيّة في الحياة الكنسيّة المعاصرة، بالاستناد إلى مصادر رسميّة من الكرسيّ الرّسوليّ ودائرة العلمانيّين والعائلة والحياة، والمؤتمر الكاثوليكيّ الدّوليّ للكشفيّة (ICCS).

 

 

مقدّمة

 

تُعدّ الحركة الكشفيّة إحدى أهمّ الحركات التّربويّة العالميّة، وقد اكتسبت بُعدًا مسيحيًّا عميقًا بفضل إسهامات الأب جاك سيفان، الّذي يُعدّ «أبا الكشفيّة الكاثوليكيّة». تُظهر السّيرة الرّسميّة المنشورة على موقع المؤتمر الكاثوليكيّ الدّوليّ للكشفيّة أنّ سيفان شارك سنة 1920 في تأسيس Scouts de France (كشّافة فرنسا)، ثمّ أسّس سنة 1944 رهبانيّة الصّليب المقدّس في أورشليم (Sœurs de la Sainte-Croix de Jérusalem)، كما ساهم في تأسيس المكتب الدّوليّ للكشّافة الكاثوليك الّذي أصبح اليوم المؤتمر الكاثوليكيّ الدّوليّ للكشفيّة (International Catholic Conference of Scouting [ICCS], n.d.).

 

 

أوّلًا: الكشفيّة كمسار تلمذة مسيحيّة

 

تُعرّف الكشفيّة الكاثوليكيّة بأنّها «إلهام الشّباب ليعيشوا الإنجيل في حياتهم اليوميّة» (ICCS, n.d.). هذا التّعريف يضع الكشفيّة في قلب التّلمذة المسيحيّة، حيث يتعلّم الشّابّ اكتشاف حضور الله في الطّبيعة والجماعة والخدمة. أمّا الأب سيفان، فتُظهر سيرته أنّه استلهم روحانيّته من القدّيس إغناطيوس دي لويولا، ومن القدّيستَين تريزا الطّفل يسوع وتريزا الأفيليّة، ما جعل الكشفيّة بالنّسبة إليه طريقًا روحيًّا متكاملًا (Société de Jésus, n.d.).

 

والكشفيّة ليست مجرّد لقاء أسبوعيّ، بل مسار تلمذة يُساعد الشّابّ على اكتشاف المسيح في الطّبيعة، وفي الصّمت، وفي العمل الجماعيّ. ويتعلّم الكشّاف أن يعيش الإنجيل بفرح وبساطة، وأن يرى يد الله في كلّ ما يُحيط به. وهكذا تتحوّل الكشفيّة إلى مدرسة روحيّة تُنبت قلوبًا قادرة على الإصغاء والدّعوة. وقد لخّص سيفان رؤيته بقوله: «القداسة مغامرة، بل هي المغامرة الوحيدة» (Sevin, 1922).

 

ويتّسق هذا الفهم مع ما أكّده البابا فرنسيس في إرشاده الرّسوليّ Christus Vivit: «إنّ شبابك ليس وقتًا في البَين بَين. أنتم الآن لله، وهو يريدكم أن تُثمروا» (Francis, 2019, §178).

 

فكرة مبتكرة: إنشاء «مدرسة تلمذة كشفيّة» تجمع بين التّأمّل الرّوحيّ والممارسة الكشفيّة، تستلهم نصوص سيفان وتُطبّق منهج «الخبرة–الرّمز–المفهوم».

 

 

ثانيًا: الكشفيّة والعناية بالخليقة في ضوء Laudato Si'

 

تُطلق ICCS مبادرات بيئيّة متعدّدة، أبرزها برنامج «أصدقاء الأرض» (Friends of the Earth Programme) الّذي أُطلق رسميًّا في مؤتمر القاهرة العالميّ للـICCS بين 11 و14 آب/أغسطس 2024، تحت شعار «أتركوا هذا العالم أفضل ممّا وجدتموه»، وهو مستوحى من Laudato Si' ويُلائم أهداف التّنمية المستدامة الأمميّة (ICCS, 2024).

 

ينسجم هذا البرنامج مع رؤية البابا فرنسيس في رسالته العامّة Laudato Si' الّتي تُعلن أنّ «الشّباب يطالبون بالتّغيير، ويتساءلون كيف يُمكن لأحد أن يدّعي بناء مستقبل أفضل من دون التّفكير في الأزمة البيئيّة ومعاناة المهمَّشين» (Francis, 2015b, §13). ويُضيف البابا أنّ «الله كتب كتابًا ثمينًا، حروفه هي تعدّد الأشياء المخلوقة الحاضرة في الكون» (Francis, 2015b, §85)، ما يجعل الطّبيعة الّتي يعيش فيها الكشّاف نصًّا إلهيًّا يُقرَأ بالحواسّ والقلب.

 

ويدعو البابا فرنسيس إلى «ارتداد بيئيّ» يُترجَم عيشًا يوميًّا، إذ يُعلن أنّ «الشّباب جميعًا يحتاجون إلى ارتداد بيئيّ، يُصبح فيه أثر اللّقاء مع يسوع المسيح ظاهرًا في علاقتهم مع العالم من حولهم» (Francis, 2015b, §217). ويُؤسّس هذا الارتداد على رؤية ثالوثيّة: «الأقانيم الإلهيّة هي علاقات قائمة بذاتها، والعالم، إذ خُلق على المثال الإلهيّ، هو شبكة من العلاقات» (Francis, 2015b, §240).

 

والحياة في الطّبيعة، والمخيّمات، والمسيرات، كلّها فرص لتعليم الشّباب احترام الأرض كعطيّة من الله. وقد أكّد البابا فرنسيس هذا الرّابط صراحة في إرشاده الرّسوليّ: «هذه هي الحال مع الحركة الكشفيّة والمجموعات الأخرى الّتي تُشجّع على القرب من الطّبيعة والمخيّمات والرّحلات والحملات لتحسين البيئة. على روح القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، يمكن لهذه الخبرات أن تكون مدرسة حقيقيّة للأخوّة الكونيّة والصّلاة التّأمّليّة» (Francis, 2019, §228).

 

ويُضيف البابا لاون الرّابع عشر، في خطابه بمناسبة الذّكرى العاشرة لرسالة Laudato Si': «بالعودة إلى القلب وحدها يُمكن أن يحدث ارتداد بيئيّ حقيقيّ. علينا أن ننتقل من جمع البيانات إلى الاعتناء، ومن الخطاب البيئيّ إلى ارتداد بيئيّ يُحوّل أنماط الحياة الشّخصيّة والجماعيّة» (Leo XIV, 2025).

 

فكرة مبتكرة: تأسيس «مختبر رعويّ بيئيّ» يقوده الكشّافون في الرّعيّة، يجمع بين العلم والإيمان، ويُترجم بنود Laudato Si' إلى مشاريع ميدانيّة محدّدة.

 

 

ثالثًا: الكشفيّة جسرًا بين الرّعيّة والمجتمع

 

تُؤكّد دائرة العلمانيّين والعائلة والحياة أنّ ICCS تعمل على «ضمان الحضور الفاعل للكشّافة الكاثوليك في الكنيسة والمجتمع» (Dicastery for the Laity, the Family and Life, n.d.). هذا يجعل الكشّاف رسولًا يحمل قيم الإنجيل إلى المجتمع من خلال الخدمة والمبادرات الإنسانيّة.

 

والكشّاف الكاثوليكيّ هو سفير الرّعيّة في المجتمع، يحمل قيم الإنجيل إلى الشّارع والمدرسة والحيّ. ومن خلال مبادرات الخدمة، كزيارة المرضى أو دعم المحتاجين، يُصبح الشّابّ علامة محبّة ملموسة. وهكذا تتحوّل الرّعيّة إلى «كنيسة خارجة» كما يدعو البابا فرنسيس في إرشاده Evangelii Gaudium، الّذي يدعو فيه إلى «دفعة إرساليّة قادرة على تحويل كلّ شيء، بحيث تُوجَّه عادات الكنيسة وأساليبها ومواعيدها ولغتها وبُناها توجيهًا ملائمًا لتبشير عالم اليوم» (Francis, 2013, §27).

 

ويُضيف البابا أنّ الجماعة المُبشِّرة «تتدخّل بالكلمة والفعل في حياة النّاس اليوميّة، وتُقرّب المسافات، وتتواضع إن لزم الأمر، وتحتضن الحياة البشريّة، ملامسةً جسد المسيح المتألّم في الآخرين» (Francis, 2013, §24). والكشّاف، إذ يخدم القريب يوميًّا («الحسنة اليوميّة»)، يُمارس عمليًّا هذه الجماعة المُبشِّرة في صورتها الشّبابيّة.

 

وقد قال البابا فرنسيس مخاطبًا الكشّافة الإيطاليّين: «ابنوا جسورًا — ابنوا جسورًا في هذا المجتمع الّذي يميل إلى بناء الجدران» (Francis, 2015a).

 

فكرة مبتكرة: إطلاق مبادرة «سفراء الرّعيّة الشّباب» تُكلّف فِرَق الكشّافة بمشاريع تواصل مع البعيدين عن الكنيسة والمحتاجين في الحيّ.

 

 

رابعًا: قراءة روحيّة في كتابات الأب جاك سيفان

 

تجمع روحانيّة الأب سيفان بين ثلاثة منابع رئيسة: الرّوحانيّة اليسوعيّة، وروحانيّة تريزا الطّفل يسوع، وروحانيّة تريزا الأفيليّة، إضافة إلى روحانيّة الكشفيّة بوصفها مسارًا تربويًّا روحيًّا أصيلًا (Société de Jésus, n.d.). وتظهر هذه الرّوحانيّة في كتابيه الأساسيّين: Le Scoutisme: étude documentaire et applications الّذي صدر سنة 1922، ثمّ في طبعته الثّانية المعدَّلة سنة 1930 مع مقدّمة الكاردينال لويس-إرنست دوبوا رئيس أساقفة باريس (Sevin, 1930)؛ ومجلَّدَي Méditations scoutes sur l'Évangile (تأمّلات كشفيّة في الإنجيل) الصّادرَين سنتَي 1923 و1932 (Sevin, 1923, 1932).

 

وقد ترك الأب سيفان تراثًا روحيًّا غنيًّا يُمكن أن يُشكّل مادّة للقاءات التّكوين الرّوحيّ للكشّافة. ومن أبرز نصوصه:

«شريعة الكشّاف مقدّسة، والكتاب المقدّس عطرها؛ شريعة الكشّاف هي شريعة ربّنا يسوع المسيح» (Sevin, 1922).

 

«الكشفيّة تكميل للتّربية. أساسها الدّين — ولنا الدّين الكاثوليكيّ — ومنهجها المميّز هو دراسة الطّبيعة، يُمارَس في إطار أخوّة المخيّمين» (Sevin, 1934).

 

«أن تستهلك ذاتك خير من أن تتعفّن، فإنّك لست كشّافًا لذاتك وحدك، بل للآخرين» (Sevin, 1930, p. 206).

«ما لا تستغني عنه كشفيّة إرساليّة، وما يُثمر عملها، هو رصيدها فوق الطّبيعيّ، وعمق إيمانها، وغنى محبّتها — أي بهاء قداستها» (Sevin, 1930).

 

«لا إنجيل بأسعار مخفّضة» (نقلًا عن مجلّة Le Chef).

 

ولا بدّ من ملحوظة دقيقة بشأن «صلاة الكشّاف» الشّهيرة («يا ربّي يسوع، علّمنا أن نكون كرماء…»): فهي في الأصل صلاة يسوعيّة قديمة تُعرف بـ«صلاة الكرم» منسوبة بشكل تقليديّ إلى القدّيس إغناطيوس، وكان مطلعها بصيغة المفرد. وقد تبنّاها سيفان وكيّفها في 1 آذار/مارس 1920، فبدّل المطلع إلى «يا ربّي يسوع»، ولحّنها، وجعلها الصّلاة الرّسميّة لكشّافة فرنسا. ثمّ حوّلها الأب فوريستييه (الكاهن العامّ) إلى صيغة الجمع خلال الحرب العالميّة الثّانية على غرار «أبانا الّذي» (Société de Jésus, n.d.). فالصّلاة هي خلاصة منطق Suscipe الإغناطيّ — مغامرة الـmagis، واللّامبالاة المقدّسة، والتّوافق مع المشيئة الإلهيّة.

 

ومن المُلفت أنّ الأب سيفان عاش لقاءَين روحيَّين شخصيَّين مع القدّيستَي الكرمل: ففي تشرين الأوّل/أكتوبر 1897، بعد خمسة عشر يومًا من رحيل تريزا الصّغيرة وفي عيد تريزا الأفيليّة، نال «نعمة حاسمة» وهو في الخامسة عشرة من عمره. ومنذ ذلك الحين، رافقت تريزا الطّفل يسوع فِرَقه (سمّى إحداها باسمها سنة 1921)، وقام برحلة حجّ مشيًا من ليل إلى ليزييه سنة 1924، وأودَع مستقبل «نظامه الكشفيّ» شفاعتها قبل وفاته بأشهر (Société de Jésus, n.d.).

 

فكرة مبتكرة: إعداد «مدرسة روحيّة كشفيّة» تعتمد على نصوص سيفان، تتضمّن لقاءات شهريّة بعنوان «نقرأ ونُصلّي مع الأب سيفان»، مع تأمّلات في Méditations scoutes sur l'Évangile.

 

 

خامسًا: الكشفيّة كمدرسة قيادة مسيحيّة

 

تُؤكّد ICCS أنّ الكشفيّة الكاثوليكيّة تهدف إلى «التّربية الشّاملة للشّباب من خلال المنهج الكشفيّ المستنير بالإيمان الكاثوليكيّ» (ICCS, n.d.). وتمنح الكشفيّة للشّابّ فرصًا حقيقيّة لتحمّل المسؤوليّة وتنمية مهارات القيادة. لكنّ القيادة هنا ليست سلطة، بل خدمة على مثال المسيح الّذي «جاء ليَخدم» (مرقس 10/ 45).

 

ويستند هذا الفهم إلى أربعة محاور إنجيليّة: قول المسيح في إنجيل مرقس إنّه جاء «ليَخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مرقس 10/ 45)؛ ومشهد غسل الأرجل في إنجيل يوحنّا (يوحنّا 13/ 1-17) مع وصيّته «وأنتم أيضًا فاغسلوا أرجل بعضكم بعضًا»؛ ونشيد التّخلّي في رسالة فيليبّي (فيليبّي 2/ 5-11) حيث «أخلى ذاته آخذًا صورة عبد»؛ والتّمييز في إنجيل متّى بين سلطة الأمم وروح الخدمة في الكنيسة (متّى 20/ 25-28).

 

وقد لخّص الدّستور العقائديّ Lumen Gentium هذه الرّوح بقوله إنّ الواجب الّذي عهد به الرّبّ إلى رعاة شعبه «هو خدمة حقيقيّة، تُسمّى في الكتب المقدّسة «دياكونيا» (diakonia)، أي خدمة» (Second Vatican Council, 1964, §24). ويُضيف الدّستور أنّ الأسقف يقود أبرشيّته «ليس بصفته مسيطرًا، بل بصفته خادمًا» (Second Vatican Council, 1964, §27).

 

وتنعكس هذه الرّوح في نظام الطّليعة الكشفيّة، حيث يتعلّم الشّابّ القيادة بصفتها خدمة لإخوته. وقد قال بادن باول نفسه: «لو كان لي أن أختار منصبًا في الكشفيّة، لطلبت أن أُعيَّن قائد طليعة». ويُرتّل قادة الطّلائع في فرنسا وبلجيكا ولبنان «صلاة قائد الطّليعة» الّتي تبدأ: «يا ربّي يسوع المسيح، الّذي اخترتني — رغم ضعفي — قائدًا وحارسًا لإخوتي الكشّافة…».

 

ويُؤكّد البابا فرنسيس هذه الدّعوة الشّبابيّة إلى المسؤوليّة الإنجيليّة: «جميع المعمَّدين، أيًّا كان موقعهم في الكنيسة أو مستوى تعليمهم في الإيمان، هم فاعلون في التّبشير» (Francis, 2013, §120). وفي Christus Vivit يُحدّد أنّ «الشّباب أنفسهم هم فاعلو خدمة الشّباب» (Francis, 2019, §203)، وأنّ «الشّباب يريدون أن يكونوا أبطال التّغيير» (Francis, 2019, §174).

 

فكرة مبتكرة: برنامج تكوينيّ بعنوان «قائد على مثال المسيح» يستند إلى يوحنّا 13 ومرقس 10، ويُمارَس عمليًّا في خبرات الفرقة والمخيّم.

 

 

سادسًا: البُعد اللّيتورجيّ في الحياة الكشفيّة

 

تُذكر دائرة العلمانيّين والعائلة والحياة أنّ ICCS تُنظّم «ندوات حول البُعد الرّوحيّ للتّربية الكشفيّة والتّعليم في الإيمان» (Dicastery for the Laity, the Family and Life, n.d.). وهذا يُشجّع على دمج اللّيتورجيا في الحياة الكشفيّة من خلال صلوات ورُتَب وتأمّلات تتلاءم مع البيئة الكشفيّة.

 

ويُؤسّس هذا الدّمج على الدّستور المجمعيّ Sacrosanctum Concilium، الّذي يدعو إلى أن تكون مشاركة المؤمنين في اللّيتورجيا «واعية وفاعلة وكاملة» (Second Vatican Council, 1963, §14)، ويُجيز التّكييف اللّيتورجيّ بحسب «العمر والحالة… ونمط الحياة… ومستوى الثّقافة الدّينيّة» (Second Vatican Council, 1963, §19). كما يُعرّف الأسرار الصّغرى (sacramentalia) بأنّها «علامات مقدّسة تُشبه الأسرار، يُهيَّأ بها النّاس لقبول الأثر الرّئيس للأسرار، وتُقدَّس بها مختلف ظروف الحياة» (Second Vatican Council, 1963, §60).

 

وقدّ مارس الأب سيفان نفسه هذا التّكييف في مخيّم شامارَّاند المدرسيّ (1923)، حيث كان يُحتفل بالقدّاس يوميًّا في الهواء الطّلق تحت ملجأ مفتوح، وحيث وضع لحن صلاة الكشّاف وأعاد صياغة الشّريعة والوعد الكشفيَّين بصيغة كاثوليكيّة (Sevin, 1930).

 

ويُمكن - بل ينبغي - تطوير صلوات وأناشيد ورُتَب بسيطة مستوحاة من روحانيّة الأب سيفان: لحظات الصّمت، الصّلاة في الطّبيعة، رُتبة التّوبة الكشفيّة، وَعِيّة الأسلحة قبل الوعد… كلّها تُساعد الشّباب على عيش الإيمان بعمق. ويتّسق ذلك مع نداء البابا فرنسيس في Christus Vivit إلى «فرص للصّلاة واحتفالات سرّيّة قادرة على مخاطبة حياتهم اليوميّة من خلال ليتورجيا منعشة وأصيلة ومُفرحة» (Francis, 2019, §224)، ومع تأكيده في رسالته الرّسوليّة Desiderio Desideravi أنّ «الاحتفال الّذي لا يُبشِّر ليس احتفالًا أصيلًا» (Francis, 2022, §41).

 

ويُذكر أنّ الوعد الكشفيّ نفسه يعمل بمنطق سرّ صغير (sacramentale) بحسب Sacrosanctum Concilium §60: علامة مقدّسة تُمدّد نعمة المعموديّة في مسار حياة. ولذلك يبدأ وعد الأشبال بصيغة «أمينًا لمعموديّتي…»، وتُمارَس وَعِيّة الأسلحة (veillée d'armes) بوصفها استعدادًا تدريجيًّا للوعد على غرار التّحضير الموعوظيّ للأسرار.

 

فكرة مبتكرة — اقتراحات رُتَب كشفيّة كاثوليكيّة:

رُتبة «نور المخيّم»: صلاة مسائيّة حول النّار، تستلهم رمزيّة عمود النّار في الخروج وحضور المسيح «النّور الّذي يُضيء كلّ إنسان» (يوحنّا 1/ 9).

رُتبة «مسيرة الصّمت»: سير جماعيّ صامت يستلهم تلميذَي عمّاوس (لوقا 24/ 13-35).

«قدّاس المخيّم» في الهواء الطّلق وفقًا لتعاليم Redemptionis Sacramentum §108 الّتي تترك التّقدير للأسقف الأبرشيّ في كلّ حالة على حدة (Congregation for Divine Worship, 2004).

 

 

سابعًا: الكشفيّة كمساحة لاكتشاف الدّعوات

 

تُظهر سيرة الأب سيفان أنّه أسّس جماعة رهبانيّة مكرَّسة لتربية الشّباب — راهبات الصّليب المقدّس في أورشليم سنة 1944 — ما يدلّ على ارتباط الكشفيّة بالدّعوات (Société de Jésus, n.d.). كما تُشارك ICCS في الأيّام العالميّة للشّباب وفي مؤتمرات كنسيّة كبرى، وهي مساحات خصبة لاكتشاف الدّعوة.

 

ويُقدّم البابا فرنسيس في الفصل الثّامن من Christus Vivit إطارًا لاهوتيًّا غنيًّا للدّعوة. فهو يُوسِّع مفهومها: «يمكن فهم كلمة «دعوة» بمعنى واسع، باعتبارها نداءً من الله، ويتضمّن نداء الحياة، ونداء الصّداقة معه، ونداء القداسة، وما إلى ذلك» (Francis, 2019, §248). ويُؤسّسها على الصّداقة مع المسيح: «يسوع يُريد أن يكون صديقًا لكلّ شابّ. هذا التّمييز هو أساس كلّ شيء آخر» (Francis, 2019, §250). ويُحوّل السّؤال الجوهريّ من «من أنا؟» إلى «من أجل من أنا؟» (Francis, 2019, §286).

 

ويُكرِّس البابا الفصل التّاسع كاملًا للتّمييز الرّوحيّ، مُحدِّدًا ثلاث «حسّاسيّات» للمرافقة الدّعويّة: الإصغاء للشّخص ذاته (§292)، والتّمييز بين الأرواح (§293)، والإصغاء إلى الدّوافع العميقة الّتي تُعطي الحياة معناها (§294). ويختم بقوله: «إن أردتَ أن ترافق آخرين في هذا الطّريق، فعليك أن تكون أوّل من يسلكه» (Francis, 2019, §298).

 

ومن خلال الخدمة، والجماعة، والصّلاة، يكتشف الشّابّ الكشّاف دعوته في الحياة. وقد تكون دعوة للزّواج المسيحيّ (Francis, 2019, §§259-266)، أو لخدمة الحياة الواحدة (§267)، أو للعمل المهنيّ (§§268-273)، أو للحياة المكرَّسة أو الكهنوتيّة (§§274-277). والرّعيّة مدعوّة لمرافقة الكشّافة في هذا المسار التّمييزيّ وفقًا لـ«فنّ المرافقة» الّذي وصفه البابا فرنسيس في Evangelii Gaudium: «على الكنيسة أن تُبادر إلى تعليم الجميع — كهنة ورهبانًا وعلمانيّين — هذا «فنّ المرافقة» الّذي يُعلّمنا أن نخلع أحذيتنا أمام الأرض المقدّسة للآخر» (Francis, 2013, §169).

 

فكرة مبتكرة: «أسبوع الدّعوات الكشفيّ» يُنظَّم سنويًّا في رعايانا، يجمع بين شهادات لقادة كشّافة سابقين في مختلف الدّعوات (آباء عائلة، كهنة، رهبان وراهبات، علمانيّون مكرَّسون)، ولقاءات تمييز روحيّ مع مرشد روحيّ.

 

 

خاتمة

 

تُظهر الوثائق الكنسيّة الرّسميّة أنّ الكشفيّة الكاثوليكيّة ليست نشاطًا شبابيًّا فحسب، بل مدرسة روحيّة شاملة تُسهم في بناء جيل جديد من الشّباب المؤمنين والفاعلين. والأب جاك سيفان، الّذي عاش الكشفيّة طريق قداسة وأُعلن «مكرَّمًا» سنة 2012، يُذكّرنا بأنّ الشّباب «ليسوا مستقبل الكنيسة فحسب، بل حاضرها» أيضًا (Francis, 2019, §64).

 

وتتلاقى في الكشفيّة الكاثوليكيّة اليوم أربعة تيّارات رئيسة من المجمع البابويّ المعاصر:

الإيكولوجيا المتكاملة في Laudato Si' وفي «أصدقاء الأرض».

فنّ المرافقة في Evangelii Gaudium وسينودس الشّباب 2018.

التّمييز الرّوحيّ في Christus Vivit.

الكفاءة الرّمزيّة-اللّيتورجيّة في Desiderio Desideravi.

 

وعندما تحتضن الرّعيّة الكشفيّة، فإنّها تحتضن صورة مصغّرة لذاتها: جماعة تُصغي وتسير وتخدم وتُسبّح. وكما قال الأب سيفان: «أن تستهلك ذاتك خير من أن تتعفّن، فإنّك لست كشّافًا لذاتك وحدك، بل للآخرين» (Sevin, 1930, p. 206).

 

 

 

 

 

قائمة المراجع

 

Congregation for Divine Worship and the Discipline of the Sacraments. (2004). Redemptionis sacramentum: Instruction on certain matters to be observed or to be avoided regarding the Most Holy Eucharist. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/roman_curia/congregations/ccdds/documents/rc_con_ccdds_doc_20040423_redemptionis-sacramentum_en.html

Dicastery for the Laity, the Family and Life. (n.d.). International Catholic Conference of Scouting. The Holy See. Retrieved April 30, 2026, from https://www.laityfamilylife.va/content/laityfamilylife/en/associazioni-e-movimenti/repertorio/conferenza-internazionale-cattolica-dello-scoutismo-.html

Francis. (2013). Evangelii gaudium: Apostolic exhortation on the proclamation of the Gospel in today's world. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/content/francesco/en/apost_exhortations/documents/papa-francesco_esortazione-ap_20131124_evangelii-gaudium.html

Francis. (2015a, June 13). Address to the Catholic Guide and Scout Association of Italy [AGESCI]. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/content/francesco/en/speeches/2015/june/documents/papa-francesco_20150613_agesci.html

Francis. (2015b). Laudato si': Encyclical letter on care for our common home. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/content/francesco/en/encyclicals/documents/papa-francesco_20150524_enciclica-laudato-si.html

Francis. (2019). Christus vivit: Post-synodal apostolic exhortation to young people and to the entire People of God. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/content/francesco/en/apost_exhortations/documents/papa-francesco_esortazione-ap_20190325_christus-vivit.html

Francis. (2022). Desiderio desideravi: Apostolic letter on the liturgical formation of the People of God. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/content/francesco/en/apost_letters/documents/20220629-lettera-ap-desiderio-desideravi.html

International Catholic Conference of Scouting. (n.d.). Background. Retrieved April 30, 2026, from https://www.cics.org/cics/background/?lang=en

International Catholic Conference of Scouting. (2024). Friends of the Earth Programme. Retrieved April 30, 2026, from https://www.cics.org/friends-of-the-earth/?lang=en

Leo XIV. (2025, October 1). Address to the participants in the international conference "Raising hope for climate justice" on the 10th anniversary of the encyclical Laudato Si'. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/content/leo-xiv/en/speeches/2025/october/documents/20251001-conferenza-mariapoli.html

Second Vatican Council. (1963). Sacrosanctum concilium: Constitution on the sacred liturgy. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_const_19631204_sacrosanctum-concilium_en.html

Second Vatican Council. (1964). Lumen gentium: Dogmatic constitution on the Church. Libreria Editrice Vaticana. https://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_const_19641121_lumen-gentium_en.html

Sevin, J. (1922). Le scoutisme: Étude documentaire et applications. Action Populaire.

Sevin, J. (1923). Méditations scoutes sur l'Évangile (Vol. 1). Spes.

Sevin, J. (1930). Le scoutisme: Étude documentaire et applications (2nd ed., L.-E. Dubois, Préf.). Spes.

Sevin, J. (1932). Méditations scoutes sur l'Évangile (Vol. 2). Spes.

Sevin, J. (1934). Pour penser scoutement. Spes.

Société de Jésus. (n.d.). Le Père Jacques Sevin et le scoutisme. Retrieved April 30, 2026, from https://www.jesuites.com/jacques-sevin-scoutisme/