موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
استقبل البابا لاون الرابع عشر، اليوم الخميس 3 أيلول 2026، إكليريكيي المعهد الإكليريكي الإقليمي الحبري «بيوس الحادي عشر» في مولفيتا، وإكليريكية أبرشية أفيرسا، إلى جانب أساقفتهم وكهنتهم ومكوّنيهم وعائلاتهم، مؤكدًا أن جوهر مسيرة التنشئة لا يكمن في الدراسة والنظام والمراحل المختلفة فحسب، وإنما، قبل كل شيء، في العلاقة مع الله و«التعلّم على البقاء مع المعلّم، الرب يسوع».
وجاء اللقاء في وقت تحتفل فيه الإكليريكيتان بذكريين خاصتين؛ إذ تحيي إكليريكية مولفيتا المئوية الأولى لمقرها الجديد الذي أراده البابا بيوس الحادي عشر، فيما تحتفل إكليريكية أفيرسا بمرور 300 عام على افتتاح مقرها الحالي.
وانطلق البابا في كلمته من صعود يسوع إلى الجبل ودعوته الذين أرادهم ليكونوا معه ثم يرسلهم للكرازة. وقال: «في هذه الكلمات القليلة يوجد كل شيء. وبالتوقف عند هذا المقطع القصير، يمكننا أن نرى خلاصة رائعة للخبرة التي تنطبق على كل مدعو، وعلى جميع الذين يرغبون في التعمق في حقيقة دعوتهم. هناك الجبل الذي يجب صعوده للوصول إلى المسيح، وقبل كل شيء، للبقاء معه. إن قلب خبرة الإكليريكية كله هنا: أن نتعلم البقاء مع المعلّم، الرب يسوع».
وشدد البابا على مجانية الدعوة الإلهية، قائلاً: «يقول الإنجيلي إن الرب "دعا إليه الذين أرادهم"، فيُبرز فورًا حرية الله التي تنبع منها كل دعوة. لا توجد مسابقة، ولا يوجد ترتيب، ولا كُتب أنه اختار الأفضل: لقد اختار الذين أرادهم».
وأضاف: «في عالم ينشغل كثيرًا بتمجيد تحقيق الذات، من المهم حقًا أن نؤكد أن لا أحد منكم، ولا أحد منا، موجود هنا لأنه استحق ذلك، بل فقط بسبب اختيار حر من الله الآب، علامة وعربون لمحبة مجانية تسبقنا دائمًا ولا تخيّب أبدًا».
وتوجه البابا مباشرة إلى الإكليريكيين، مؤكدًا أن وجودهم يحمل علامة رجاء للكنيسة، وقال: «أيها الإكليريكيون الأعزاء، إن وجودكم في الإكليريكية هو بحد ذاته علامة رجاء للكنيسة كلها. ليس تفاؤلًا غامضًا، بل يقين بأن الرب يدعو دائمًا، في كل عصر من عصور التاريخ وفي كل مكان».
وتابع: «عندما أنظر إلى كل واحد منكم، أتأمل عظمة عمل الله الذي لا يتعب أبدًا من أن يهمس في قلوب الشباب بجمال بذل الحياة من أجله ومن أجل الكنيسة». وأوضح أن كل دعوة تولد من حوار حميم مع الله ينمو في الصمت والصلاة، حتى وسط «ضجيج العالم الذي يصم الآذان أحيانًا»، مضيفًا: «هناك يُحسم كل شيء، ولكي يحدث ذلك الحوار يجب أن نتعلم البقاء معه».
وأشار البابا إلى مثال المكرّم الأسقف دون تونينو بيلّو، معتبرًا أنه يُظهر بصورة واضحة معنى أن يكون الإنسان كاهنًا وأسقفًا، ليس بالكلمات فقط، وإنما «في كل تصرف وفي كل قرار، والشهادة لذلك حتى النهاية».
وفي حديثه عن أهمية فترة التنشئة، شدد البابا على أن الإكليريكية لا تزال ضرورية اليوم كما كانت في الماضي، رغم سرعة العصر وضجيجه. وقال: «في عالم مستعجل وينظر بعين الشك إلى كل توقف طويل، قد يعتقد البعض أنها ترف أو مؤسسة عفا عليها الزمن، لكن الأمر ليس كذلك. وبالتحديد لأن عصرنا سريع وصاخب، نحن بحاجة إلى مكان ومرحلة من الحياة نتعلم فيهما البقاء والتمييز، وأن ندع أنفسنا نتكوّن من دون طرق مختصرة».
وأضاف: «الإكليريكية ليست تأجيلًا للرسالة، بل هي شرط لها. فلا نقلل من أهميتها». ولفت إلى أن الاستجابة لصوت الرب تتطلب أيضًا جهدًا، قائلاً: «بعد سماع صوت الرب، يجب الوصول إليه والصعود إلى الجبل، وهذا قد يكون متعبًا أحيانًا، لأننا نصعد سيرًا على الأقدام، وفي بعض اللحظات بأنفاس متقطعة، من دون أن نرى القمة بعد».
وأكد البابا أن مشقة الحياة الروحية تسندها أخوّة الجماعة والمشاركة في الرسالة، مذكّرًا بأن يسوع لم يدعُ شخصًا واحدًا إلى الجبل، بل دعا اثني عشر شخصًا مختلفين في طباعهم وشخصياتهم. وقال: «الرب يجمعهم ويُبقيهم بعضهم إلى جانب بعض، لكي يتعلموا أن الكنيسة تُعاش معًا: فهي ليست ملكًا لأي واحد منا، ونحن جميعًا مدعوون إلى أن نحبها ونخدمها كجسد واحد».
وأضاف أن الإكليريكي لا يستطيع أن يتصور لنفسه طريقًا خاصًا مع الرب، بل عليه أن يشعر ويختبر جمال الوساطة الكنسية». وفي هذا السياق، قال البابا: «إن الإكليريكية، حتى قبل أن تكون مكانًا لاكتساب المعلومات، يجب أن تكون مدرسة للمشاعر والعلاقات».
كما توجه إلى المكوّنين، داعيًا إياهم إلى أن يكونوا أول معلّمي العناية والأخوّة من خلال علاقات حقيقية، شخصية وجماعية، تقوم على الحق والمحبة، وقال: «لا يمكن للمرء أن يرتجل دور المكوّن. إن خدمتكم دقيقة للغاية، وتتطلب الاستعداد بالعلم والصبر والمحبة».
وتوقف البابا عند المرحلة التالية من مسيرة الدعوة، وهي النزول من الجبل والانطلاق إلى الناس، قائلاً: «يبقى بعد ذلك الخطوة الأخيرة: النزول من الجبل، لأن الجبل ليس ملجأ. يسوع لا يصطحب الاثني عشر إلى العلى ليضعهم في مأمن، بل لكي يتمكنوا، بعد اختبارهم لله، من أن يُرسلوا لنقل جدة هذه الحياة إلى العالم».
وأوضح للإكليريكيين طبيعة الأشخاص الذين سيُرسلون إليهم في المستقبل، قائلاً: «ستُدعون إذًا إلى النزول من الجبل، لكي تُرسلوا إلى أبناء أرضكم: إلى العائلات التي تكافح من أجل الاستمرار، وإلى الشباب الذين يحزمون حقائبهم في العشرين من عمرهم بحثًا عن عمل، وإلى المسنين الوحيدين، والمهمشين، والذين فقدوا معنى وجودهم».
وأضاف: «الكاهن مُرسل إلى الجميع لكي يعلن للجميع جمال الإيمان بيسوع المسيح، وبشارة خلاصنا». ودعاهم إلى الاتكال على العذراء مريم، قائلاً: «اطلبوا من مريم نعمة أن تتعلموا كيف تقولون كل يوم "نعم" للرب يسوع».
وقبل ختام اللقاء، وجّه البابا شكره إلى الإكليريكيين على استجابتهم للدعوة، وقال: «أيها الإكليريكيون الأعزاء، قبل أن نودع بعضنا أريد أن أقول لكم شكرًا. شكرًا، باسم الكنيسة، على "النعم" التي قلتموها والتي تعودون إلى قولها كل يوم: إنها ليست سهلة ولا بديهية في عالم اليوم، والكنيسة تعرف ذلك جيدًا».
وخصّ البابا العائلات الحاضرة بكلمات شكر، مشددًا على أهمية البيئة العائلية في نمو الدعوة، وقال: «أود أن أوجه شكرًا خاصًا إلى العائلات الحاضرة هنا. فالدعوة لا تولد أبدًا من دون بيئة مناسبة، وغالبًا ما تحتاج إلى بيت، وإلى والدين يصلّيان ويعرفان كيف يتركان أبناءهما يمضون. لكم، أيتها العائلات العزيزة، امتناني وامتنان الكنيسة كلها».
وفي الختام، حيّا البابا الشمامسة الذين ستتم سيامتهم كهنة خلال أيام، وقال لهم: «أحملكم في صلاتي الشخصية، لكي تكونوا دائمًا تلاميذ أمناء وفرحين وشجعانًا للرب. سنصلي من أجلكم جميعًا». واختتم البابا لاون الرابع عشر اللقاء بمنح بركته للإكليريكيين وأساقفتهم ومكوّنيهم وعائلاتهم والجماعات التي تنتظرهم وتصلي من أجلهم.