موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر الكنيسة إلى الإصغاء إلى العالم المعاصر والانخراط في واقعه وخدمة الإنسان، بعيدًا عن السلبية واللامبالاة، مؤكدًا أن المؤمنين لا يستطيعون البقاء متفرجين أمام ما يجري في حياة الناس، ولا سيما أمام معاناة الذين يسحقهم الظلم والتمييز والعنف.
جاء ذلك في المقابلة العامة، اليوم الأربعاء 2 أيلول، في ساحة القديس بطرس، حيث استهل البابا سلسلة جديدة من تعاليمه حول الدستور الرعائي في الكنيسة في عالم اليوم «فرح ورجاء» (Gaudium et spes)، إحدى وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، متوقفًا في التعليم الأول عند موضوع «الكنيسة تُصغي وتخدم العالم».
وقال البابا إن المجمع الفاتيكاني الثاني أراد، من خلال دستور «فرح ورجاء»، التعمق في موضوع أساسي يتمثل في علاقة الكنيسة بالعالم المعاصر، مستعيدًا موقف القديس البابا يوحنا الثالث والعشرين في افتتاح المجمع في 11 تشرين الأول 1962، عندما خالف نظرة «أنبياء الشؤم» الذين كانوا يرون أن العصر الحديث أسوأ بكثير من الأزمنة السابقة.
وأشار إلى أن يوحنا الثالث والعشرين دعا، بدلًا من ذلك، إلى قراءة الأحداث بعين الإيمان واكتشاف عمل العناية الإلهية فيها، حتى عندما تتجاوز التطورات البشرية توقعات الإنسان أو تبدو معاكسة له. وأوضح أن دستور «فرح ورجاء»، الذي صدر بعد ثلاث سنوات، جعل هذا التمييز في قراءة الواقع عنصرًا أساسيًا في طبيعة الكنيسة، لافتًا إلى أن وصف الوثيقة بأنها «دستور رعائي» ليس أمرًا عرضيًا، بل يعكس بُعدًا مكوّنًا من رسالة الكنيسة.
وشدد البابا على أن هذا الموقف «ليس تفاؤلًا ساذجًا»، وإنما هو وفاء متجدد لسر المسيح الذي اختار، من خلال التجسد، أن يشارك البشر حياتهم، وصار مشابهًا لإخوته في كل شيء، وحمل عواقب الخطيئة وبذل نفسه فداءً للجميع.
وأوضح أن مشاركة المسيح في حياة البشرية هي الطريق الذي يطلبه أيضًا من الكنيسة، مستشهدًا بالكلمات الافتتاحية الشهيرة لدستور «فرح ورجاء»، التي تؤكد أن أفراح البشر وآمالهم وأحزانهم وضيقاتهم، ولا سيما الفقراء والمعذبين، هي أيضًا أفراح وآمال وأحزان وضيقات تلاميذ المسيح.
وقال إن هذه المشاركة تفرض على الكنيسة الخروج من كل شكل من أشكال السلبية واللامبالاة تجاه الأحداث والتاريخ وحياة الناس، وخصوصًا في ظل التحولات السريعة والعميقة التي يشهدها العالم اليوم. وأكد البابا: «لا يمكننا أن نبقى متفرجين غير مبالين، بل يجب علينا أن نصغي بقلبنا، ونواجه الواقع، ونتفاعل معه».
وأضاف أن المؤمنين، مع المسيح وبقوة الروح القدس، مدعوون إلى حمل صعوبات إخوتهم، «لا سيما الذين يسحقهم الظلم والتمييز والعنف». وشدد على أن الوصول إلى إجابات ملائمة للتحديات لا يتحقق إلا من خلال المشاركة والالتزام، مستعيدًا كلمات القديس بولس: «آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلى فينا».
وتابع البابا أن اقتراب الكنيسة من البشرية يفتح الباب أمام قراءة أكثر عمقًا للأحداث وللوحي نفسه، مستعيدًا دعوة «فرح ورجاء» إلى أن تتفحص الكنيسة باستمرار «علامات الأزمنة» وتفسرها على ضوء الإنجيل. وأوضح أن هذه الدعوة تضع الكنيسة أمام التزام دائم بالتوبة، لكي تظهر بوضوح أنها لا تتحرك بدافع أي طموح دنيوي.
وقال الأب الأقدس، مستشهدًا بالدستور المجمعي، إن الكنيسة: «تسعى إلى غاية واحدة فقط، وهي أن تتابع، بدفع الروح القدس المعزي، عمل المسيح نفسه الذي أتى إلى العالم ليشهد للحق، ليخلّص لا ليدين، ليخدم لا ليُخدم».
وأكد لاون الرابع عشر أن هذا الموقف لا يقتصر على البعد الأخلاقي، مستعيدًا تعليم البابا فرنسيس حول مكانة الفقراء في حياة الكنيسة. ونقل عنه قوله: «اختيارها الفقراء هو موقف لاهوتي قبل أن يكون ثقافيًا، أو اجتماعيًا، أو سياسيًا، أو فلسفيًا».
وأضاف، مقتبسًا من الإرشاد الرسولي «فرح الإنجيل»: «إننا مدعوون إلى أن نكتشف المسيح فيهم، وأن نعيرهم صوتنا للدفاع عن قضاياهم، لكن أيضًا أن نكون لهم أصدقاء، ونصغي إليهم، ونفهمهم ونتقبل الحكمة السرية التي يريد الله أن يبلغنا إياها من خلالهم».
وانتقل البابا إلى التناقضات التي تميز العالم المعاصر، مؤكدًا أن المشاركة المسيحية تفرض على المؤمنين تحمل مسؤولية الواقع وعدم تجاهل هذه التناقضات.
وأشار أولًا إلى التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يضع أمام البشرية إمكانات جديدة باستمرار، لكنها ليست متاحة للجميع، كما أن الإنسان لا يستطيع دائمًا استخدامها بما يعود عليه بالنفع. وتحدث كذلك عن التقدم في معرفة قوانين الحياة الاجتماعية، في مقابل استمرار التردد والعجز عن توجيه هذه المعرفة بصورة صحيحة.
وتوقف البابا بصورة خاصة عند التفاوت الاقتصادي، مشيرًا إلى أن البشرية تمتلك اليوم مزيدًا من الثروات والإمكانات والقوة الاقتصادية، ومع ذلك لا يزال قسم كبير من سكان الأرض يعاني الجوع والبؤس، تمامًا كما كان الحال عندما انعقد المجمع الفاتيكاني الثاني.
ولفت البابا إلى تناقض آخر يعيشه العالم، يتمثل في وجود وعي مشترك بأن مستقبل الكوكب في خطر، بالتزامن مع العجز عن التخلي عن أنماط الاستهلاك الأناني. ووضع قداسته الحرب في قلب هذا التناقض، مشيرًا إلى أن البشرية، على الرغم مما تعرفه عن عواقبها، لا تزال تتمسك بـ«الوهم بأن الحرب هي طريق فعّال لبناء السلام». ورأى أن العالم يعيش زمنًا من التغيرات العميقة التي تولّد اختلالات مقلقة، وهو ما يجعل رسالة الكنيسة في خدمة الإنسان أكثر إلحاحًا.
وأكد البابا أن الكنيسة مدعوة، وسط هذه التحولات، إلى خدمة الإنسان من خلال الإصغاء إلى أعمق أسئلة قلبه والتطلعات التي يحملها، وقبولها والإشارة إلى المسيح بوصفه «بداية تاريخ كل إنسان ونقطة ارتكازه ونهايته».
وشدد على أن حياة الكنيسة، في كل مستوى وفي كل عصر، يجب أن تعكس تواضع المسيح ورحمته وتجرّده من ذاته، مستعيدًا كلمات رسالة القديس بولس إلى أهل فيليبي عن المسيح الذي لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته واتخذ صورة العبد وأطاع حتى الموت، موت الصليب.
واختتم البابا لاون الرابع عشر تعليمه بالدعوة إلى أن تكون الكنيسة قريبة بالفعل من إنسان عصرها، وأن يظهر ذلك في طريقة إعلانها للإنجيل وشهادتها له. وقال: «أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، ليكن الفرح والرجاء (gaudium et spes) الصفتين المميزتين لكنيسة تعلن الإنجيل وتشهد له، وتكون قريبة من نساء ورجال عصرنا».