موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
خلال ترؤسه قداس الميرون في بازيليك القديس بطرس، صباح خميس الأسرار، شدّد البابا لاون الرابع عشر على أن الرسالة المسيحية هي امتداد مباشر لرسالة المسيح نفسه، تقوم على الحرية والتجرد والخروج من الذات نحو الآخرين. وأوضح أن الانطلاق في الرسالة يتطلب جرأة ترك المألوف، والانفتاح على الجديد، مؤكدًا أن الكنيسة مدعوة لأن تكون «مرسَلة» لا منغلقة، وأن تعيش الإنجيل بروح الخدمة لا الهيمنة، لأن المحبة الحقيقية لا تُفرض بل تُعاش بلطف وصبر واحترام.
وأشار إلى أن الرسالة لا تكتمل إلا باللقاء والحوار، لا بالسيطرة، وأن الروح القدس يسبق الكنيسة ويقودها في عملها، داعيًا إلى السير معًا كشعب واحد يشهد للمسيح. كما لفت إلى أن الصليب جزء من هذه الرسالة، بما يحمله من رفض وتحديات، لكنه في الوقت نفسه طريق القيامة والرجاء. وختم الأب الأقدس بالتأكيد أن الكنيسة مدعوة اليوم، وسط عالم مضطرب، إلى أن تنشر «عطر المسيح» حيث تسود رائحة الموت، مجددةً التزامها بالشهادة للإيمان والوحدة والسلام.
نحن الآن في بداية الثّلاثيّة الفصحيّة. سيقودنا الرّبّ يسوع من جديد إلى قمّة رسالته، لكي تكون آلامه وموته وقيامته من بين الأموات قلب رسالتنا. في الواقع، ما نحن مقدمون عليه له قوّة قادرة على أن تحوِّل ما يميل الكبرياء البشريّ عادةً إلى تقييده: هويّتنا، ومكاننا في العالم. حرّية يسوع تغيّر القلب، وتشفي الجِراح، وتفوح عطرًا وتُضيء وجوهنا، وتُصالح وتجمع، وتغفر وتُحيِي.
في السّنة الأولى التي أترأس فيها قدّاس الميرون المقدّس كأسقف روما، أودّ أن أتأمّل معكم في الرّسالة التي يكرِّسنا الله لها كشعب له. إنّها الرّسالة المسيحيّة، نفس رسالة يسوع، لا غيرها. ويشارك فيها كلّ واحد بحسب دعوته، وفي طاعة شخصيّة عميقة لصوت الرّوح، ولكن ليس بدون الآخرين، ولا بإهمال الوَحدة والشّركة أو بنقضها! نحن الأساقفة والكهنة، بتجديد وعودنا، نخدم شعبًا مُرسَلًا. ونحن مع جميع المعمَّدين جسد المسيح، ممسوحون بروحه روح الحرّية والتعزيّة، وروح النّبوءة والوَحدة.
ما عاشه يسوع في اللحظات الحاسمة من رسالته تنبّأ به أشعيا من قَبل، وقد أشار إليه يسوع في مجمع النّاصرة وقال: كلمة الله هذه تَمَّت ”اليوم“ (راجع لوقا 4، 21). في الواقع، في ساعة الفصح يتّضح نهائيًا أنّ الله يقدِّس لكي يُرسِل. قال يسوع: "أَرسَلَني" (لو 4، 18)، فوصف تلك الحركة التي تربط جسده بالفقراء، والمأسورين، والعُميان، والمظلومين. ونحن، أعضاء جسده، نسمّي الكنيسة ”رسوليّة“ الكنيسة المُرسَلة، المدفوعة إلى ما بعد ذاتها، والمكرَّسة لله في خدمة خليقته: "كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضًا" (يوحنّا 20، 21).
نعلَم أنّه لنكون مرسلين هذا يقتضي، في المقام الأوّل، انفصالًا، أي المجازفة بترك ما هو مألوف ومؤكَّد، حتّى نتقدّم في ما هو جديد. ومن المثير للاهتمام أنّ يسوع، "بِقُوَّةِ الرُّوح" (لوقا 4، 14)، الذي نزل عليه بعد عمّاده في نهر الأردن، عاد إلى الجليل "وأَتى النَّاصِرَةَ حَيثُ نَشَأَ" (لوقا 4، 16). وهو المكان الذي عليه أن يتركه الآن. تحرّك "على عادَتِه" (الآية 16)، لكن ليفتتح زمنًا جديدًا. كان عليه الآن أن ينطلق نهائيًا من تلك القرية، لكي يَنضُج ما نَبَتَ فيها، سبتًا بعد سبت، في الإصغاء الأمين لكلمة الله. وبالمِثل، دعا آخرين إلى الانطلاق والمخاطرة، حتّى لا يصير أيّ مكان حظيرة مغلقة، ولا تصير الهويّة وكرًا.
أيّها الأعزّاء، نحن نتبع يسوع الذي "لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة، بل تَجَرَّدَ مِن ذاتِه" (فيلبي 2، 6-7): كلّ رسالة تبدأ بهذا النّوع من التّجرّد الذي ينشأ منه كلّ شيء من جديد. كرامتنا بكوننا أبناء وبنات الله لا يمكن أن تُنتزع منّا ولا أن نفقدها، ولا حتّى يمكن أن نمحو العواطف والأماكن والخبرات التي كانت في أصل حياتنا. نحن ورثة خير كثير، وورثة أيضًا لقيود تاريخ يجب أن يَنشر الإنجيل فيه النّور والخلاص، والمغفرة والشّفاء. لذلك، لا توجد رسالة بدون مصالحة مع أصولنا، ومع عطايا وحدود التّنشئة التي تلقّيناها. وفي الوقت نفسه، لا يوجد سلام بدون انطلاق، ولا وعي بدون انفصال، ولا فرح بدون مخاطرة. نحن جسد المسيح إن تقدّمنا إلى الأمام، وحاسبنا أنفسنا على الماضي بدون أن نكون سجناء له: كلّ شيء سيعود ويتضاعف إن تركناه أوّلًا، وبدون خوف. هذا أوّل سرّ للرّسالة. ونحن لا نختبره مرّة واحدة فقط، بل في كلّ انطلاقة جديدة، وفي كلّ إرسال إضافيّ.
مسيرة يسوع تكشف لنا أنّ الاستعداد للتّضحيّة والتّجرّد ليس غاية في حدّ ذاته، لكنّه شرط للقاء والأُلفة. فالمحبّة حقيقيّة إذا كانت مجرّدة فقط من غير سلاح، ولا تتطلّب الكثير من الأعباء، ولا أيّ استعراض، وهي تصون بلطف الضّعف والعُري. قد نتعب لنحمل رسالة ظاهرة معروفة، لكن ليس فيها ”بشرى سارة للفقراء“ (راجع لوقا 4، 18) إن ذهبنا إليهم بعلامات السُّلطة، ولا يوجد تحرّر حقيقيّ إن لم نتحرّر من الامتلاك. هنا نلمس السّرّ الثّاني للرّسالة المسيحيّة. بعد سرّ الانفصال تأتي شريعة اللقاء. نعلَم أنّ الرّسالة في مسار التّاريخ شُوِّهت أكثر من مرّة بمنطق الهيمنة، وهو مناقض تمامًا لطريق يسوع المسيح. القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني كان له صفاء النّظر والشّجاعة ليعرف بأنّه "بسبب هذا الرّباط الذي يوحّدنا بعضنا ببعض في الجسد السّريّ، كلّنا، بالرّغم من عدم تحمّلنا المسؤوليّة الشّخصيّة وبدون أن نحلّ محلّ حكم الله الذي وحده يعرف القلوب، نحمل عبء أخطاء وخطايا الذين سبقونا".
وبناءً عليه، صار من أولويّاتنا أن نتذكّر بأنّه لا يمكن أن يأتي الخير من التسلُّط والفساد، لا في المجال الرّعويّ، ولا في المجال الاجتماعيّ والسّياسيّ. كبار المُرسَلين هم شهود على العمل باللُّطف والصّبر، وأسلوبهم في الحياة هو المشاركة، والخدمة المجانيّة، والتّخلّي عن كلّ تخطيط وحساب، بل بالعمل بالحوار، والاحترام. إنّها طريق التّجسّد، التي تتّخذ دائمًا من جديد صورة الانثقاف. في الواقع، الخلاص لا يمكن أن يصل إلى كلّ إنسان إلّا بلغته الأم. "كَيفَ يَسمَعُهم كُلٌّ مِنَّا بِلُغَةِ بَلَدِه؟" (أعمال الرّسل 2، 8). دهشة العنصرة تتكرّر عندما لا ندّعي أنّنا نتحكّم بأزمنة الله، بل نثق بالرّوح القدس، الذي "هو موجود اليوم أيضًا كما كان في زمن يسوع والرّسل: موجود ويعمل، ويسبقنا، ويعمل أكثر منّا وأفضل منّا. وليس من شأننا أن نزرعه أو نوقظه، بل أوّلًا أن نعرفه، ونقبله، ونتبعه، ونساعده، ونفسح له الطّريق، ونمضي خلفه. إنّه موجود ولم ييأس قط من زمننا. بل العكس، يبتسم، ويرقص، وينفذ، ويغمر، ويصل حتّى إلى حيث لم نتخيّل قط".
لتحقيق هذا الانسجام مع غير المنظور، يجب علينا أن نصل إلى حيث أُرسِلنا ببساطة، ونكرّم السّرّ الذي يحمله معه كلّ إنسان وكلّ جماعة. نحن ضيوف: نحن كذلك أساقفة، وكهنة، وراهبات ورهبانًا، ومسيحيّين. ولكي نَستضيف، علينا أن نتعلّم كيف نكون نحن ضيوفًا. حتّى الأماكن التي تبدو فيها العلمنة متقدّمة ليست أرضًا لنفتحها أو نسيطر عليها: "ما زالت تتولّد ثقافاتٌ جديدةٌ في هذه المساحات الجغرافيّة الشّاسعة من البشر، حيث لم يعد المسيحيُّ كالعادة باعثًا وخلّاقًا ومانحًا لمعنى الحياة. بل هو يستقبل منها لغاتٍ أخرى ورموزًا ورسائلَ ونماذج تعطي توجيهاتٍ جديدةً للحياة، وهي مرارًا عكس إنجيل يسوع. [...] من الضّروريّ أن نصل إلى حيث تتكوّن القصص والنّماذج الجديدة، نصلَ مع كلام يسوع إلى أعمق العناصر في روح المدينة" [3]. وهذا يتمّ فقط إن سِرنا في الكنيسة معًا، وإن لم تكن الرّسالة مغامرة بطوليّة لشخصٍ ما، بل شهادة حيّة لجسد له أعضاء كثيرة.
ثمَّ هناك بُعدٌ ثالث للرّسالة المسيحيّة، ربما يكون الأشدُّ تجذّرًا. ظهر أوّلًافي ردّ فعل سُكّان النّاصرة العنيف على كلام يسوع، وهو احتمال سوء الفهم والرّفض لكلام يسوع: "فثارَ ثائِرُ جَميعِ الَّذينَ في المَجمَع عِندَ سَماعِهِم هذا الكَلام. فَقاموا ودَفَعوه إِلى خارِجِ المَدينة وساقوه إِلى حَرْفِ الجَبَلِ الَّذي كانَت مَدينتُهم مَبنِيَّةً علَيه لِيُلقوهُ عَنه" (لوقا 4، 28-29). على الرّغم من أنّ القراءة الليتورجيّة أغفلت هذا الجزء، فإنّ ما نستعدّ للاحتفال به ابتداءً من هذا المساء يدعونا إلى ألّا نهرب، بل إلى أن ”نمرّ في وسط“ التّجربة، مثل يسوع، الذي "مَرَّ مِن بَينِهم ومَضى" (لوقا 4، 30). الصّليب هو جزء من الرّسالة: قد تزداد المرارة في الإرسال ويزداد الخوف، لكن يزداد أيضًا طابع المجانيّة والاندفاع. وهكذا يتوقّف احتلال الإمبراطوريات من الدّاخل، ويَنكشِف العنف الذي صار حتّى اليوم قانونًا. المسيح الفقير، والمسجون، والمرفوض، ينحدر إلى ظلمة الموت، وهكذا يُخرِج إلى النّور خليقة جديدة.
كَم من قيامة نختبرها نحن أيضًا، عندما ننزل إلى الخدمة مثل البذرة في الأرض، وقد تحرّرنا من موقفنا الدّفاعيّ! في الحياة، قد نمرّ بظروف يبدو فيها أنّ كلّ شيء قد انتهى. إذّاك نتساءل هل كانت رسالتنا بلا جدوى. هذا صحيح: بخلاف يسوع، نحن نعيش أيضًا فشلًا سببه تقصيرنا أو تقصير الآخرين، ويكون ذلك مرارًا بسبب تشابك المسؤوليّات، وتشابك النّور والظّلمة. لكن يمكننا أن نجعل رجاؤنا في شهود الإيمان الكثيرين. أذكر واحدًا منهم عزيزًا عليّ بشكل خاصّ: كتب الأسقف القدّيس أوسكار روميرو في دفتر رياضته الرّوحيّة، قبل شهر من موته: "حذّرني السّفير البابويّ في كوستاريكا من خطر وشيك في هذا الأسبوع... سأُواجه الظّروف غير المتوقّعة بنعمة الله. أعان يسوع المسيح الشّهداء، وإن لزم الأمر سأشعر بقربه منّي عندما سأُسلّمه نفسيّ الأخير. والأهمّ من اللحظة الأخيرة من حياتي هو أن أُعطيه كلّ حياتي وأعيش من أجله... يكفيني، لكي أكون سعيدًا وواثقًا، أن أعلَم وأكون متأكّدًا أنّني سلّمت له حياتي وموتي. وأنّني وضعت، بالرّغم من خطاياي، ثقتي فيه ولن أبقى مضطربًا، وأن آخرين سيتابعون، بحكمة وقداسة أكبر، العمل من أجل الكنيسة والوطن".
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، القدّيسون يصنعون التّاريخ. هذه هي رسالة سفر الرّؤيا: "علَيكمُ النِّعمَةُ والسَّلامُ مِن لَدُنِ يَسوعَ المسيحِ الشَّاهِدِ الأَمين والبِكْرِ مِن بَينِ الأَموات وسَيِّدِ مُلوكِ الأَرْض" (رؤيا يوحنّا 1، 5). هذه التّحيّة تُلَخِّص مسيرة يسوع في عالم تتنازعه قوى تدمّره. وفي داخله ينشأ شعب جديد، ليس من الضّحايا، بل من الشّهود. في هذه السّاعة المظلمة من التّاريخ، أراد الله أن يرسلنا لننشر عِطرَ المسيح حيث تسود رائحة الموت. لنجدّد قولنا ”نعم“ لهذه الرّسالة التي تطلب منّا الوَحدة وتحمل السّلام. نعم، نحن هنا! لنتغلّب على شعور العجز والخوف! إنّنا نبشّر بموتك، ونعترف بقيامتك، إلى أن تأتي، يا ربّ.