موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
الكاردينال بيتسابالا: لا يطلب منا الرب أن نكون أقوياء بل أن نشارك في حياته

أبونا :

 

خلال ترؤسه قداس خميس الأسرار داخل كنيسة القيامة الموصدة أبوابها أمام المؤمنين والحجاج، شدّد بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، في عظته على أن دعوة المسيح لا تقوم على القوة أو السيطرة، بل على الشركة معه في طريق المحبة والخدمة.

 

وأوضح أن الفصح ليس حدثًا نعيشه من بعيد، بل مسيرة ندخلها مع المسيح، حيث لا شركة معه دون قبول أن يقترب من ضعفنا ويخدمنا بمحبة. فالمسيح الذي انحنى ليغسل الأرجل يكشف أن الخلاص يمرّ عبر التواضع وبذل الذات، لا عبر الهروب من الواقع أو التمسك بالقوة.

 

وفي حديثه عن كنيسة الأرض المقدسة، أشار إلى أنها تعيش واقعًا صعبًا، ككنيسة «متعبة وتحت الاختبار»، لكنها مدعوة لا إلى الدفاع عن ذاتها بل إلى الثبات في نهج المسيح. فالله لا يطلب منها أن تكون قوية، بل أن تشارك في حياته، أي أن تعيش التواضع والحضور الأمين وسط الألم.

 

 

وفيما يلي النص الكامل للعظة:

 

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

ليمنحكم الرب السلام.

 

نحن في المكان الذي خُتم فيه حجر الموت يومًا ما. ومع ذلك، نحن اليوم هنا لنحتفل بالحياة. هناك توتر لا يمكننا تجاهله: في الخارج، أبواب كنيسة القيامة مغلقة. لقد حوّلت الحرب هذا المكان إلى ملجأ، «داخل» معزول عن «خارج» مثقل بالخوف والضيق. نحن هنا كما لو كنّا في رحم سلام، بينما العالم من حولنا يتمزّق، ونتمنى لو كان بإمكاننا تغيير كل ذلك.

 

ومع ذلك، هنا والآن، تضع كلمة الله أمامنا علامة تقلب كل طرق تفكيرنا البشرية.

 

في إنجيل إنجيل يوحنا نقرأ: «فقامَ عنِ العَشاءِ فخَلَعَ ثِيابَه، وأَخَذَ مِنديلًا فَٱئتَزَرَ بِه» (يو 13: 4). هذا الفعل – «ائتزر» – يتردّد صداه في كل الكتاب المقدّس. وهو الفعل نفسه الذي نجده في سفر سفر الخروج، عندما يعطي الرب تعليماته للفصح: «وهكذا تأكُلونَه: تَكونُ أَحقاؤُكم مَشْدودةً ونِعالُكُم في أَرجُلِكُم وعِصِيُّكُم في أَيديكُم، وتأكُلونَه على عَجَلٍ فإِنَّه فِصحٌ لِلرَّبّ» (خر 12: 11).

 

شدّ الأحقاء، في الكتاب المقدّس، هو علامة من يستعد للانطلاق. هو إشارة من هو على وشك القيام بخروج، ليترك أرض العبودية ويدخل في الحرية. في تلك الليلة، أكل شعب إسرائيل الحمل وأحقاؤهم مشدودة لأنهم كانوا على وشك الخروج. كان الحزام علامة عبور وشيك.

 

والآن يسوع، في ساعة عبوره هو، يشدّ حقويه. لكنه لا يشدّها لكي يرحل. بل يشدّها لكي ينحني.

 

هذا هو أول ما يجب أن ندركه حقًا: يسوع يحوّل إشارة من ينطلق إلى فعل من يخدم. في منطق الله، الخروج ليس هروبًا من العالم، بل نزولًا إليه، إلى أعماقه. إن الأحقاء المشدودة عند يسوع لم تعد علامة من يهرب من العبودية، بل علامة من يخضع نفسه طواعية بدافع المحبة.

 

ولهذا السبب، فإن غسل الأرجل ليس درسًا أخلاقيًا، ولا مجرد مثال ملهم، ولا مشهدًا عاطفيًا. إنه الشكل الملموس لفصح يسوع. إنه الطريقة التي يمرّ بها الله عبر التاريخ. إنه الطريقة التي يختار بها الحب أن يدخل إلى العالم.

 

وهنا تحديدًا تبرز مقاومتنا، متجسّدةً في بطرس. عندما يأتي يسوع إليه، يجيب بطرس بكلمات حاسمة: «لن تغسل قدميّ أبدًا» (يو 13: 8). هذا ليس مجرد تواضع، بل هو رفض. إنه عثرة محبة تنخفض أكثر مما ينبغي. لا يستطيع بطرس أن يقبل سيدًا ينحني. لكن جواب يسوع كان أكثر حزمًا، وهو من أشد العبارات في الإنجيل: «إذا لم أغسلك، فلا نصيب لك معي» (يو 13: 8).

 

لا يقول يسوع: «إن لم تقبل هذا، فلن تعود تنتمي إليّ». بل يقول شيئًا أعمق بكثير: «لا نصيب لك معي». كلمة «نصيب» لا تشير إلى دور، بل إلى شركة. إنها لغة الميراث، لغة العهد. كأن يسوع يقول: يا بطرس، يمكنك أن تعجب بي، ويمكنك أن تتبعني، بل ويمكنك أن تدافع عني – لكن إن لم تقبل هذا النهج في المحبة، فلن تدخل في راحتي. لن تشارك في فصحي.

 

هنا تكمن النقطة الحاسمة في هذه الليتورجيا: الفصح ليس شيئًا يفعله يسوع من أجلنا بدون مشاركتنا. إنه شيء لا يمكننا أن نختبره إلا معه. ولكي نعيش معه، يجب أن نقبل طريقته في المحبة. لا شركة بدون هذا القبول. لا «نصيب» بدون السماح لأنفسنا بأن نُخدَم.

 

بطرس، كما هو الحال غالبًا، يريد أن يضع شروط المحبة. يرغب بمحبة تخلّص دون أن تلمس، تغفر دون أن تنكشف، تحرّر دون أن تنحني. لكن يسوع يقول له: إذا لم أغسلك، فلا نصيب لك معي. لأن المحبة الحقيقية لا تبقى على مسافة. إنها تنزل. تلمس. تكشف ذاتها.

 

في هذا، يمكننا جميعًا أن نرى أنفسنا. نحن أيضًا كثيرًا ما نرغب بإله يرفعنا دون أن يزعزعنا، يعيد كرامتنا دون أن يمرّ عبر هشاشتنا. ومع ذلك، نحن اليوم، هنا، مدعوون إلى أمر أكثر تطلّبًا: أن نسمح لأنفسنا بأن نُحَب حتى النهاية. أن نسمح للمسيح أن ينحني تحديدًا حيث نشعر بالخجل. أن نسمح له أن يدخل فقرنا، وتناقضاتنا، وخطايانا. فقط بهذه الطريقة يمكننا حقًا أن يكون لنا نصيب معه.

 

وهنا أيضًا نفهم الإفخارستيا. يسلّمنا بولس كلمات يسوع على الخبز: «هذا هو جسدي، إنه من أجلكم» (1 كور 11: 24). «من أجلكم». ليس لنفسه. ليس لإثبات ذاته. ليس للدفاع عن قضية. «من أجلكم» تعني جسدًا مُسلَّمًا، جسدًا مُعطى، جسدًا لا يحتفظ بشيء لنفسه.

 

هذا الجسد، في العشاء، يأخذ شكل جسد ينحني. لا يمكن فصل الإفخارستيا عن غسل الأرجل. فهما ليسا لحظتين مختلفتين، بل تعبيران عن المحبة نفسها. الجسد المكسور على المذبح هو ذاته الجسد الذي يجثو أمام التلاميذ. وإذا فصلنا بينهما، نفقد معنى كليهما.

 

ولهذا نحن مدعوون لا إلى السجود فقط، بل إلى الدخول في أسلوب حياة. لا يكفي أن ننظر إلى يسوع وهو ينحني؛ يجب أن نقرّر إن كنّا نريد أن يكون لنا نصيب معه. وأن يكون لنا نصيب معه يعني أن نقبل بأن تُجذب حياتنا إلى صميم حياته ذاتها.

 

بعد أن غسل أرجلهم، قال يسوع: «فإِذا كُنتُ أَنا الرَّبَّ والمُعَلِّمَ قد غَسَلتُ أَقدامَكم، فيَجِبُ علَيكُم أَنتُم أَيضًا أَن يَغسِلَ بَعضُكم أَقدامَ بَعْض» (يو 13: 14). هذا ليس استنتاجًا مضافًا، بل نتيجة حتمية. الذين لهم نصيب معه يأخذون صورته. الذين يدخلون في فصحه يدخلون أيضًا في طريقته في العيش.

 

كل هذا -كما قلت- لا ينبع من جهد أخلاقي، بل من خبرة مُعطاة. فقط الذين سمحوا لأنفسهم أن يُغسَلوا يمكنهم أن يتعلّموا كيف يغسلون الآخرين. فقط الذين قبلوا أن يُحَبّوا بهذه الطريقة يمكنهم أن يحبّوا بهذه الطريقة. لهذا، فإن التحوّل الأول ليس في أن نفعل شيئًا من أجل الآخرين، بل في أن نتوقف عن مقاومة محبة المسيح.

 

أيها الأصدقاء الأعزاء، السؤال الذي تضعه هذه الليتورجيا أمامنا بسيط وجذري: هل نريد أن يكون لنا نصيب معه؟ ليس بشكل نظري، بل بشكل ملموس. هل نريد أن ندخل في محبة تتواضع؟ هل نريد خلاصًا يأتي عبر الخدمة؟ هل نريد إلهًا لا يتسلّط، بل ينحني؟ إن أجبنا بنعم، فإن خروجًا يبدًا لنا أيضًا. ليس خروجًا يبعدنا عن الواقع، بل يقودنا إلى الواقع بنظرة جديدة: عبور من الدفاع عن النفس إلى بذل الذات، من الخوف إلى الثقة، من الكبرياء إلى الشركة.

 

هذا التعبير -«أن يكون لنا نصيب معه»- يتردّد بشكل خاص لدينا، نحن كنيسة الأرض المقدسة. لسنا كنيسة قوية، ولا كبيرة، ولا كنيسة يمكنها أن تسلك دروبًا سهلة، ونحن نختبر ذلك باستمرار. نحن غالبًا كنيسة مُتعَبة، كنيسة تحت الاختبار، وأحيانًا نُجرَّب بأن ندافع عن أنفسنا بدل أن نعطي أنفسنا. ومع ذلك، اليوم لا يطلب منا الرب أن نكون أقوياء، بل أن نشارك في حياته. لا يطلب منا أن نحلّ كل شيء، بل ألا نرفض طريقته في المحبة. فالكنيسة تشترك في المسيح لا عندما تكون آمنة، بل عندما تقبل أن تشترك في اتضاعه.

 

أن يكون لنا نصيب معه، بالنسبة لنا نحن الذين نعيش ونشهد للإنجيل في هذه الأرض، يعني أن نتعلّم لغة التواضع، لغة الانحناء. أن ننحني أمام المخاوف، وسوء الفهم، والأعباء اليومية لمن يوشكون أن يفقدوا الرجاء. أن ننحني دون الادعاء بأن لدينا حلولًا فورية، بل من خلال تقديم حضور أمين. ربما لا نستطيع أن نغيّر مجريات التاريخ الكبرى، لكن يمكننا أن نقرّر إن كنّا سنقف مع المسيح في طريقته في أن يكون داخل التاريخ: لا فوقه، ولا ضده، بل إلى جانبه.

 

اليوم، بينما نحتفل بالإفخارستيا، لنطلب نعمة أساسية: أن نسمح لأنفسنا بأن نُغسَل، أن نسمح لأنفسنا بأن نُخدَم، أن نسمح لأنفسنا بأن نُحَب دون شروط. لأنه بهذه الطريقة فقط يمكننا أن يكون لنا نصيب في حياته. وبهذه الطريقة فقط ستأخذ حياتنا، شيئًا فشيئًا، شكل فصحه.

 

آمين.