موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في كلمته قبل صلاة "إفرحي يا ملكة السماء"، اليوم الأحد 12 نيسان 2026، ركّز البابا لاون الرابع عشر في تأمّله على إنجيل ظهور يسوع القائم لتوما، موضحًا أن الإيمان بالقيامة يتغذّى من اللقاء الجماعي مع المسيح، خصوصًا في الاحتفال بالإفخارستيا يوم الأحد. وبيّن أن الكنيسة تدعو المؤمنين إلى أن يجتمعوا مثل التلاميذ الأوائل، ليصغوا لكلمة الله، ويصلّوا، ويجددوا إيمانهم من خلال جسد ودم المسيح، بحيث يتحوّل الإيمان إلى خبرة حيّة تُعلن «ربي وإلهي».
وشدّد الأب الأقدس على أن الإفخارستيّا ليست مجرد طقس، بل هي مصدر حياة للمسيحيين ورسالة إرسال إلى العالم ليكونوا شهودًا للقيامة والمحبّة والسلام. واستشهد بشهادة الشهداء الأوائل في أفريقيا الذين تمسّكوا بالقداس حتى الموت، مؤكّدًا أن المؤمنين مدعوون اليوم ليكونوا امتدادًا لحضور المسيح في العالم عبر أعمال الرحمة والمصالحة، في عالم يحتاج بشدة إلى السلام.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، أحد مُبارك وفصح مجيد!
اليوم، الأحد الثاني من زمن الفصح، الذي خصّصه القديس البابا يوحنا بولس الثاني للرحمة الإلهيّة، نقرأ في الإنجيل عن ظهور يسوع القائم من بين الأموات للرّسول توما (يوحنا 20، 19-31). حدث ذلك بعد ثمانية أيّام من الفصح، بينما كان التلاميذ مجتمعين، وهناك التقى توما بالمعلِّم، الذي دعاه إلى أن ينظر إلى آثار المسامير، ويضع يده في جرح جنبه، ويؤمن (راجع الآية 27). المشهدُ يجعلنا نتأمّل في لقائنا مع يسوع القائم من بين الأموات: أين نجده؟ وكيف نعرفه؟ وكيف نؤمن به؟ قدّم لنا القدّيس يوحنّا، الذي يروي الحدث، إرشادات دقيقة: التقى توما بيسوع في اليوم الثّامن، كان مع الجماعة المجتمعة، وعرفه في علامات تضحيته. من هذه الخبرة نشأ إعلان إيمانه، وهو الأسمى في كلّ الإنجيل الرّابع: "رَبِّي وإِلهي!" (الآية 28).
بالتّأكيد، ليس من السّهل دائمًا أن نؤمن. لم يكن ذلك سهلًا على توما، وليس سهلًا علينا نحن أيضًا. فالإيمان بحاجة إلى أن يتغذّى ويتعزّز. لذلك، في ”اليوم الثّامن“، أي كلّ يوم أحد، تدعونا الكنيسة إلى أن نعمل كما عمل التّلاميذ الأوّلين: أن نجتمع ونحتفل معًا بالإفخارستيّا. ففيها نصغي إلى كلام يسوع، ونصلّي، ونعترف بإيماننا، ونتشارك عطايا الله في المحبّة، ونقدّم حياتنا باتّحادٍ مع ذبيحة المسيح، ونتغذّى من جسده ودمه، لكي نصير بدورنا شهودًا لقيامته من بين الأموات، كما تدلّ لفظة ”القدّاس-Messa“،أي ”إرسال-invio“، ”رسالة- missione“ (راجع التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 1332).
الإفخارستيا التي نحتفل بها يوم الأحد لا غنى عنها للحياة المسيحيّة. غدًا سأنطلق من أجل الزيارة الرسوليّة إلى أفريقيا، وقد ترك لنا بعض شهداء الكنيسة الأفريقيّة في القرون الأولى، وهم شهداء أبيتينيا، شهادةً رائعة في هذا الشأن. فعندما عُرض عليهم أن يُخلّصوا حياتهم بشرط أن يتخلّوا عن الاحتفال بالإفخارستيا، أجابوا بأنّهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون أن يحتفلوا بيوم الرب. ففيه يتغذّى إيماننا وينمو. وفيه جهودنا، وإن كانت محدودة، تتوحّد بنعمة الله فهي أعمال لأعضاء جسدٍ واحد، هو جسد المسيح، في تحقيق مشروع خلاصٍ واحد وكبير يشمل البشريّة جمعاء. وبالإفخارستيّا أيضًا تصير أيدينا ”أيدي الرّبّ القائم من بين الأموات“، وشاهدةً على حضوره، ورحمته، وسلامه، في علامات العمل، والتّضحيات، والمرض، ومرور السّنين، التي تكون مرارًا منقوشة فيها، مِثلَ حنان لطف، أو مصافحة، أو عمل محبّة.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، في عالمٍ يحتاج كثيرًا إلى السّلام، هذا الأمر يُلزمنا أكثر من أيّ وقتٍ مضى على أن نكون مواظبين وأُمناء على لقائنا الإفخارستيّ مع الرّبّ القائم من بين الأموات، لكي ننطلق منه من جديد، شهودًا للمحبّة وحَاملين للمصالحة. لتساعدنا على ذلك سيِّدتنا مريم العذراء، لأنّها آمنت أوّلًا، بدون أن ترى (راجع يوحنّا 20، 29).