موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر السبت، ١٩ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
الإهمال في إداء الواجب القانونيّ

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

يُفهم مفهوم السُّلطة في اللاهوت الكنسيّ بوصفه خدمة رعويَّة تُمارَس باسم المسيح ولخير النفوس، لا بوصفها امتيازاً شخصياً أو تفوّقاً وظيفياً، بل مشاركة في سلطان المسيح الراعي الذي جاء «لا ليُخدَم بل ليَخدُم». فالسُّلطة في الكنيسة هي امتداد لسلطان المسيح الذي يُمارَس من خلال خدامه، وهي تكليف لخدمة الجماعة، والتزام بالحق والعدالة، ومسؤوليَّة أمام الله قبل البشر، ولذلك فإن أي انحراف في ممارسة السُّلطة يُعدّ إساءة لاهوتيَّة قبل أن يكون مخالفة قانونيَّة، لأنَّه يجرّد السُّلطة من معناها الروحي ويحوّلها إلى أداة شخصيَّة أو تعسفيَّة.

 

وتتجلّى هذه الرؤيَّة اللاهوتيَّة في التشريعات الكنسيَّة التي تنظّم ممارسة السُّلطة والخدمة، إذ تُفهم السُّلطة بوصفها وظيفة رعويَّة تُمارَس وفق الشَّرع ولخير النفوس، ويُعدّ كل انحراف فيها إساءة وظيفيَّة تستوجب التأديب حمايَّة للجماعة وصوناً لرسالة المسيح. فالسُّلطة، في جوهرها، ليست سلطةً بالمعنى الدنيوي، بل هي خدمة تُمارَس بروح المسيح الراعي، ولذلك فإن سوء استعمال السُّلطة أو الإهمال في الخدمة يُعدّ تشويهاً لجوهر الوظيفة الكنسيَّة، لأن السُّلطة تُعطى لبنيان الجسد الواحد لا لهدمه، ولأن الإفراط في سوء الاستعمال يُعدّ تعدّياً على الخير العام الكنسيّ وعلى الثقة الرعويَّة التي تُعدّ شرطاً جوهرياً لفاعليَّة الخدمة.

 

ويُظهر اللاهوت الكنسيّ أنّ الخدمة هي الوجه الآخر للسُّلطة، وأن السُّلطة لا تُفهم إلا في إطار الخدمة، لأن من يتولّى السُّلطة في الكنيسة يتولّاها بوصفه خادماً للجماعة، لا بوصفه صاحب امتياز أو موقع اجتماعي. فالخدمة هي التعبير العملي عن السُّلطة، وهي التي تُعطي السُّلطة معناها الروحيّ، ولذلك فإن الإهمال المسؤول في الخدمة يُعدّ إخلالاً بالأمانة الرعويَّة التي يطلبها المسيح من خدامه، لأن الوظيفة الكنسيَّة ليست عملاً إدارياً فحسب، بل هي رسالة روحيَّة تتطلّب يقظة وحرصاً والتزاماً واستعداداً دائماً للقيام بالواجب.

 

لذلك، تتطلّب السُّلطة والخدمة فضائل شخصيَّة ورعويَّة مثل الحكمة والاعتدال والعدالة والمحبة الرعويَّة، وأن أي تقصير فيها يُعدّ إخلالاً بالمسؤوليَّة الروحيَّة، لأن السُّلطة تُمارَس بروح المسيح الراعي الذي يطلب من خدامه أن يكونوا أمناء في الخدمة، متواضعين في ممارسة السُّلطة، حريصين على الخير العام، ملتزمين بالعدالة، ومحبّين للجماعة التي يخدمونها. وهكذا يتبيّن أنّ السُّلطة والخدمة هما وجهان لرسالة واحدة تُمارَس بروح المسيح الراعي، وأن التشريعات الكنسيَّة، سواء في التقليد اللاتيني أو الشَّرقيّ، تعكس هذه الرؤيَّة من خلال ضبط ممارسة السُّلطة، وحمايَّة الخدمة من الانحراف، وضمان عدالة العقوبة، وصون الخير العام الكنسيّ.

 

يُعدّ الإهمال في أداء الواجب القانونيّ داخل الكنيسة ظاهرةً تتجاوز حدود التقصير الإداريّ أو الإخلال الوظيفيّ، لتلامس جوهر البنيَّة اللاهوتيَّة والحقوقيَّة التي تقوم عليها الخدمة الكنسيَّة. فالواجب القانونيّ في الكنيسة ليس مجرد التزام تنظيميّ، بل هو فعلٌ لاهوتي ينبع من طبيعة الكنيسة كجسدٍ حيّ، ومن طبيعة الخدمة الكهنوتيَّة التي تُمارَس بوصفها مشاركة في رعايَّة المسيح للنفوس. ومن هنا فإنّ الإهمال في أداء هذا الواجب يُعدّ إخلالاً بالعدالة الإلهيَّة والإنسانيَّة، لأن المؤمنين لهم حقّ في أن تُقدَّم لهم الخدمة الرعويَّة والليتورجيَّة والتعليميَّة والإداريّة كاملة غير منقوصة، ولأن الكنيسة بوصفها جماعة خلاصيَّة تُلزم خدامها بأن يمارسوا مسؤولياتهم بروح الأمانة والاجتهاد والدقة.

 

يُنظر إلى الإهمال بوصفه خطيئة ضد الشَّركة الكنسيَّة، لأن الكنيسة تقوم على علاقة حيَّة بين الراعي والرعيَّة، والإهمال يقطع هذا الرابط ويشوّه صورة المسيح الراعي الصالح. كما أنّ الإهمال يُعدّ خيانة للرسالة، لأن الواجب القانونيّ هو ترجمة عمليَّة لكلمة المسيح الذي جعل من الخدمة معياراً للسُّلطة، والإهمال هو رفضٌ لهذه الخدمة أو تقليلٌ من شأنها. ويُعدّ الإهمال أيضاً إضعافاً للشهادة، لأن الراعي المهمل يقدّم صورة مشوّهة عن الكنيسة أمام العالم، ويُضعف ثقة المؤمنين في مؤسساتها وفي خدامها. ومن هنا يتبيّن أنّ الإهمال في أداء الواجب القانونيّ هو في آنٍ واحد مخالفة قانونيَّة وخطيئة لاهوتيَّة وإخلال رعوي وتشويه للسُّلطة الأسراريَّة وضرر للجماعة الكنسيَّة.

 

تحدّث القدّيس توما الأكويني عن خطيئة الإهمال وهي تقوم على التغاضي عن ما كان ممكناً وواجب القيام بفعله لاكتساب معرفة حول الشَّرع: "من الواضح أن من يهمل بواجب أو موجّه لقيام بفعل مافهو يرتكب خطيئة الإهمال. فالخطيئة بسبب الإهمال والجهل بما هو يفترض أن يعرفه". يتابع القدّيس توما في قوله إنّ عدم وجود واجب قانونيّ لكي يحصل شخص على معلومات بخصوص وجود أو بمضمون شرع، لا يعتبر جهلاً، حيث يجد الشَّخص نفسه فيه، مذنباً، ولن توجد هناك إمكانيَّة إحضار الذنب القانونيّ: "من هنا يتضّح أنه ما من خطيئة بسبب وجود جهل غير متعمّد، بل أن الجهل المتعمّد هو خطيئة إذا تعلّق بمسائل من المفترض أن يعرفها، ولا يتعلّق بمسائل غير مطالب بمعرفتها".

 

الذنب القانونيّ، المقصود كإهمال، هو السبب غير المباشر للحدث مؤذي، فلو تصرَّف الشَّخص بالحرص المطلوب، لما سبب من خلال سلوكه، الحدث المؤذي. فالإهمال هو نقص في أداء فعل يجب إتمامه بموجب واجب قانونيّ صريح. يتضمّن هذا الواجب القانونيّ، في هذه الحالة، إمّا واجب الاهتمام وتجنّب الآثار لسلوك معيّن أو واجب الوصول لمعرفة ملائمة للشَّرع؛  أو عدم الحكمة في الحفاظ على سلوك معين ينتج عنه حدث مؤذٍ، دون أن يكون للشخص إرادة مباشرة في مخالفة القانون. فإنَّ أساس الذنب القانونيّ هو الإهمال، لأنّه في حال "إهمال الحرص المطلوب" لم يمارس الحذر المناسب الكافي لتفادي آثار السلوك الخاصّ.

 

يمكن أن يكون الإهمال على نوعين: أ) الإهمال بالنَّظر إلى الأعمال وعلاقتها بالقانون، فهناك نقص في الحرص في معرفة القوانين المطلوب معرفتها واحترامها؛ ب) الإهمال بالنَّظر إلى الآثار المترتبة عن السلوك، واعطائها الأهميَّة الضروريَّة أو في تجنّبها. وتميّز تعاليم القانون الكنسيّ بين جرائم الإهمال المرتبطة بالحدث وجرائم الإهمال دون حدث. وتتمثّل الحالة الأوّلى أنه للتحقّق من وجود الإهمال الإجراميّ علينا التأكّد من ارتباطه بحدث مؤذ يعتبره المشرّع عنصراً تأسيسيّاً للجريمة. ويعرف هذا الإهمال بالإهمال الزائف ومصنّف على أنَّه جريمة تمّت من خلال الإهمال بسبب وجود حدث محدّد تم وقوعه من خلال الإهمال. في الحالة الثانيَّة تتحقّق جريمة الإهمال بشكل كامل من خلال عدم القيام بفعل كان مطلوباً، بغضّ النَّظر عن الآثار الضارة التي يمكن أو لا يمكن تحقيقها. في هذه الحالة، يتحدّث العلم عن الجريمة إهمال نقي. يعتبر هذا الإهمال نهائيّاً كما في حالة إهمال التزوير.

 

ولنستطيع الحديث عن المسؤوليَّة المذنبة لا يكفي عنصر إهمال للقواعد السلوك، لكن من الضروريّ أن يكون هذا الإهمال قادراً على تأنيب الفاعل، بمعنى أنه، إذا ابدى الفاعل الحرص اللازم، لاستطاع الحفاظ عليه. فإذا وجد الفاعل إمكانيَّة لوقوع الحدث، وعلى الرَّغم من هذا، تصرَّف دون أخذ الاحتياطات المناسبة التي يتخذها أي شخص حكيم، هذا ما يسمّى بالذنب "الواعي". بينما إذا لم يعط الفاعل أي اعتبار لإمكانيَّة وقوع الحدث الإجراميّ، على الرَّغم من استخدامه العنايَّة الطبيعيَّة، فإنه مذنب "غير واعٍ".

 

إنّ القانون اللاتينيّ 1321 يقرّر المبدأ الجوهري للمسؤولية الجزائية في النظام القانوني، ومفاده أنّه لا يجوز إنزال العقوبة بأيّ شخص ما لم يكن مسؤولًا عن مخالفة خارجيّة وخطيرة للقانون أو للأمر الشرعي، وأن تكون هذه المخالفة ناتجة إمّا عن تدليس مقصود، أي عن إرادة واعية تهدف إلى خرق القانون، أو عن ذنب شخصي يُظهر انحراف الإرادة أو سوء استعمال الحرّية. فالمخالفة التي لا تتجسّد في فعل خارجي ملموس لا تُنشئ مسؤولية، كما أنّ المخالفة غير الخطيرة لا تُرتّب عقوبة، لأنّ القانون لا يعاقب على مجرّد النوايا أو الأفكار أو الهفوات التي لا تبلغ حدّ الإضرار بالنظام العام أو بالجماعة الكنسية. ويؤكّد النص أنّ العقوبة لا تُفرض إلا على من خالف القانون أو الأمر عن قصد، أي مع علمٍ كافٍ بالفعل وإرادةٍ حرّة لاقترافه، لأنّ القصد هو العنصر الذي يجعل الفعل مخالفة قانونية كاملة.

 

أمّا الإهمال أو قلّة الحرص، فلا يُعاقَب عليه تلقائيًا، لأنّ الإهمال لا يتضمّن إرادةً لمخالفة القانون، بل هو نقصٌ في اليقظة أو في العناية، ولذلك لا يصبح سببًا للعقوبة إلا إذا نصّ القانون أو الأمر صراحةً على أنّ الإهمال ذاته يشكّل مخالفة معاقَبًا عليها، كما في بعض الواجبات الإدارية أو المالية أو الرعوية التي يوجب القانون القيام بها بعناية خاصة. وهكذا يربط النص بين الحرّية والمسؤولية، ويجعل العقوبة مرتبطة بالخطأ الشخصي، سواء كان تدليسًا أو ذنبًا منصوصًا عليه، ويمنع فرض العقوبات على أساس الظنون أو الأخطاء غير المقصودة، فيضمن عدالة النظام الجزائي ويحمي الأشخاص من التعسّف، ويؤكّد أنّ القاضي لا يستطيع إنزال العقوبة إلا بعد التحقّق من وجود فعل خارجي وخطير، ومن توفّر القصد أو الإهمال الذي يجرّمه القانون، ومن قدرة الشخص على التمييز والمسؤولية الأخلاقية، بحيث تبقى العقوبة دائمًا نتيجةً لفعلٍ حرّ ومسؤول، لا لظرفٍ عارض أو خطأ غير مقصود.

 

ففي الشَّرع اللاتيني والشَّرع الشَّرقيّ، يُعدّ الإهمال في الإدارة أو الرعايَّة أو التعليم أو الليتورجيا سبباً مباشراً للمسؤوليَّة القانونيّة وفق ما يقرّره القانون اللاتيني 128 والقانون الشَّرقيّ 935 الذي ينصّ على مسؤوليَّة من يتولّى وظيفة كنسيَّة عن الضرر الناجم عن الإهمال أو سوء الإدارة، كما يقرّر القانون 1389 أنّ من يهمل واجبات منصبه أو يسيء استعمال السُّلطة يُعاقَب بما يناسب خطورة الإهمال، ويُعدّ هذا النصّ من أهمّ الإحالات القانونيّة التي تُظهر الطبيعة التأديبيَّة للإهمال:

 

القانون اللاتينيّ 1389-البند 1- يعاقب بما يتناسب وجسامة الفعل أو الإهمال، حتَّى الحرمان من الوظيفة، كل من أفرط في سوء إستعمال سلطته الكنسيَّة أو مهمته، إلا إذا توفّرت عقوبة سابقة للإساءة، قرّرها قانون أو أمر. البند 2- يعاقب عقابا عادلا، من، بإهمال مسؤول منه، قام أو أهمل القيام بعمل من أعمال السُّلطة أو الخدمة أو الوظيفة الكنسيَّة، دون سبب مشروع".

 

ينتمي القانون 1389 إلى منظومة القوانين العقوبات الكنسيَّة التي تنظّم المسؤوليَّة الوظيفيّة والإداريّة لمن يمارسون السُّلطة أو الخدمة أو الوظيفة داخل الكنيسة، وهو يعكس رؤيَّة متكاملة تجمع بين حمايَّة الجماعة الكنسيَّة من إساءة استعمال السُّلطة وضمان عدالة العقوبة عبر مبدأ التناسب. فالنصّ يؤسّس لفهم قانوني دقيق يقوم على أنّ السُّلطة الكنسيَّة ليست امتيازاً شخصياً، بل وظيفة رعويَّة تُمارَس وفق الشَّرع ولخير النفوس، بحيث يُعدّ كل انحراف في استعمال السُّلطة إساءة وظيفيَّة تستوجب العقوبة، وهو ما يتوافق مع التحليل الموسّع لـلطبيعة القانونيّة للعقوبة في الفقه الكنسيّ.

 

ويُفهم سوء الاستعمال، في هذا السياق، بوصفه كل انحراف في ممارسة السُّلطة أو الوظيفة عن غايتها المشروعة، سواء بالفعل أو بالإهمال، إذ يشمل استعمال السُّلطة لتحقيق منفعة شخصيَّة أو فئويَّة، أو فرض قرارات تعسفيَّة لا تستند إلى القانون، أو تجاوز الصلاحيات المحدّدة في الشَّرع أو في التفويض، أو الإهمال الجسيم في أداء الواجبات الرعويَّة أو الإداريّة. ويُعدّ الإفراط هنا وصفاً لدرجة الخطورة، أي تجاوز الحدّ الذي يمكن احتماله أو معالجته بوسائل أقلّ من العقوبة. وتقوم المسؤوليَّة في هذا البند على طبيعتها التأديبيَّة، لا العقائديَّة أو الجزائيَّة بالمعنى الجنائيّ، لأنَّ الفاعل يُحاسَب بصفته صاحب سلطة أو خدمة أو وظيفة، أي أنّ المسؤوليَّة مرتبطة بالوظيفة الكنسيَّة ذاتها وبالغايَّة الرعويَّة التي تخدمها.

 

ويقرّر النصّ أنّ العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع جسامة الفعل أو الإهمال، وهو مبدأ يتيح للسُّلطة التأديبيَّة مراعاة حجم الضرر الرعويّ أو الإداريّ، وموقع الفاعل ومسؤولياته، ودرجة القصد أو الإهمال، والظروف المرافقة للفعل، بحيث تُفهم المرونة هنا بوصفها ضمانة لعدالة العقوبة لا ضعفاً في النصّ، وهو ما يتوافق مع التحليل الموسّع لمعيار جسامة الفعل. وتبلغ العقوبة في بعض الحالات حدّ الحرمان من الوظيفة، وهي من أشدّ العقوبات التأديبيَّة لأنها تمسّ العلاقة القانونيّة بين الشخص والسُّلطة الكنسيَّة، وتُطبّق عندما يكون سوء الاستعمال خطيراً أو متكرّراً أو مُحدثاً ضرراً بالغاً بالخير العام أو الثقة الرعويَّة، مع ضرورة التمييز بين هذه العقوبة وبين العزل الكنسيّ أو الطرد من الحالة الإكليريكيَّة، إذ تتعلّق الأولى بالوظيفة بينما تتعلّق الثانيَّة بالحالة القانونيّة للشخص..

 

ويقرّر النصّ استثناءً مهماً يقوم على مبدأ تخصيص العقوبة، إذ إذا كان القانون أو أمر خاص قد حدّد مسبقاً عقوبة معيّنة لنوع معيّن من الإساءة، فلا تُطبّق هذه المادة، لأن النصّ الخاص يقدّم على النصّ العامّ، ولأن المشرّع يكون قد رأى أنّ نوع الإساءة المذكور يحتاج إلى معالجة خاصة تختلف عن المعالجة العامة التي تقدّمها هذه المادة.

 

أمّا البند الثاني من القانون 1389 فيتناول الإهمال المسؤول في أعمال السُّلطة أو الخدمة أو الوظيفة، وهو ترك القيام بواجب وظيفي أو رعوي دون سبب مشروع، مع كون الفاعل قادراً وملزماً قانوناً بالقيام به، ويختلف عن الإهمال العادي لأنه ينطوي على علم مسبق بالواجب، وقدرة على التنفيذ، وغياب مبرّر قانونيّ أو رعويّ. ويشمل هذا البند حالتين: القيام بعمل من أعمال السُّلطة أو الخدمة بطريقة مهملة، أو الامتناع عن القيام بعمل واجب دون سبب مشروع، ما يوسّع نطاق المسؤوليَّة ليشمل الفعل والترك معاً، ويجعل الإهمال المسؤول جزءاً من البنيَّة التأديبيَّة التي تحمي انتظام العمل الكنسيّ وحقوق المؤمنين. ولا يحدّد النصّ نوع العقوبة، بل يتركها لتقدير السُّلطة التأديبيَّة وفق مبدأ العدالة، بحيث تُراعى الظروف، ويُقدّر حجم الإهمال، ويُقيّم أثره على الجماعة أو الأفراد، ويُحدّد ما إذا كان الإهمال عرضياً أم منهجياً.

 

ويظهر الفرق بين البندين بوضوح، إذ يتعلّق البند الأول بسوء استعمال السُّلطة، أي انحراف متعمّد أو جسيم في ممارسة السُّلطة، بينما يتعلّق البند الثاني بالإهمال المسؤول، أي ترك القيام بالواجب دون سبب مشروع. كما أنّ البند الأول قد يصل إلى الحرمان من الوظيفة، بينما يكتفي البند الثاني بعقوبة عادلة أقلّ حدّة غالباً، ويُركّز الأول على الإفراط، بينما يُركّز الثاني على الإهمال، ما يعكس تمايزاً دقيقاً في بنيَّة المسؤوليَّة التأديبيَّة داخل القانون الكنسيّ.

 

القانون الشَّرقيّ 1464 -البند 1 - بالإضافـة إلى الحالات التي قـد ذكرها الشَّرع، من تجاوز السلطان أو الوظيفة أو الخدمة أو مهمّة أخرى في الكنيسة، بالفعل أو بالإغفال، يعاقب بعقوبة مناسبة، بما في ذلك حرمانه مـنها، ما لم يقرّر قانون أو أمر ما عقوبة أخرى لهذا التجاوز.  البند 2 - أمّا من بإهمال آثم أتى أو أغفل على وجه غير مشروع، عمل سلطان أو وظيفة أو خدمة أو مهمّة أخرى في الكنيسة، مع إضرار الغير، فيعاقب بعقوبة مناسبة.

 

يشكّل القانون الشَّرقيّ1464  إطاراً تأديبياً متكاملاً يعبّر عن رؤيَّة الكنيسة للسُّلطة والخدمة بوصفهما مهمّتين رعويتين تُمارسان باسم المسيح ولخير النفوس، لا امتيازاً شخصياً ولا سلطةً تُستغلّ لتحقيق مصالح فرديَّة أو فئويَّة. فالنصّ الشَّرقيّ في بنديه يوازي النصّ اللاتيني في بنيته ومضمونه، إذ يقرّر أنّ تجاوز السلطان أو الوظيفة أو الخدمة أو أي مهمّة كنسيَّة، سواء بالفعل أو بالإغفال، يُعدّ إساءة تستوجب العقوبة المناسبة، بما في ذلك الحرمان من الوظيفة، ما لم يقرّر الشَّرع عقوبة أخرى لهذا التجاوز. كما يقرّر أنّ الإهمال الآثم في ممارسة أعمال السُّلطة أو الوظيفة أو الخدمة، إذا وقع على وجه غير مشروع وأدّى إلى إضرار الغير، يستوجب أيضاً عقوبة مناسبة. وهذا التطابق في البنيَّة القانونيّة بين الشَّرقيّ واللاتيني يكشف عن وحدة الرؤيَّة الكنسيَّة في ضبط ممارسة السُّلطة، رغم اختلاف الأسلوب والصياغة بين التقليدين.

 

ويكشف التحليل المقارن أنّ القانون الشَّرقيّ 1464 يقدّم صياغة أكثر شمولاً من القانون اللاتيني 1389، إذ يذكر السلطان أو الوظيفة أو الخدمة أو مهمّة أخرى في الكنيسةبشكل موسّع، بينما يركّز القانون اللاتيني على السُّلطة أو المهمّة. كما يبرز الشَّرقيّ عنصر الإضرار بالغيرفي الإهمال الآثم، وهو عنصر يُفهم ضمناً في القانون اللاتيني لكنه غير مذكور صراحة. ومع ذلك، فإن جوهر المسؤوليَّة التأديبيَّة واحد في كلا التشريعين، لأن الكنيسة، شرقاً وغرباً، ترى أنّ السُّلطة تُعطى لبنيان الجسد الواحد، وأن أي انحراف فيها يهدّد الخير العام ويشوّه صورة الخدمة الرعويَّة، وأن التأديب هو وسيلة لإعادة توجيه الخدمة إلى غايتها الأصليَّة، وضمان العدالة، وحمايَّة المؤمنين، وصون الثقة الرعويَّة التي تُعدّ أساساً لفاعليَّة الرسالة.

 

ويُلاحظ أيضاً أنّ كلا التشريعين يعتبران سوء الاستعمال والإهمال إخلالاً بالفضائل الرعويَّة الأساسيَّة مثل الحكمة والاعتدال والعدالة والمحبة الرعويَّة، غير أنّ التشريع الشَّرقيّ يبرز هذا البعد الأخلاقي بشكل أوضح، إذ يربط المسؤوليَّة بالضمير الكهنوتي وبالأمانة للرسالة الروحيَّة، بينما يركّز التشريع اللاتيني على البعد القانونيّ والإداريّ للوظيفة، مع المحافظة على الأساس اللاهوتي العام. وهذا الاختلاف في التركيز لا يُلغي وحدة الرؤيَّة، بل يُظهر تنوّعاً في الأسلوب بين تقليدين كنسيين يشتركان في الجوهر ويختلفان في التعبير. وعند النظر في الغايَّة التأديبيَّة للعقوبات، يتبيّن أنّ كلا التشريعين يؤكدان أنّ العقوبة ليست انتقاماً بل إصلاح للفاعل وحمايَّة للجماعة وضمانة للعدالة ودعوة إلى التوبة وإعادة توجيه الخدمة إلى غايتها الأصليَّة، غير أنّ التشريع الشَّرقيّ يبرز البعد الروحي في التأديب أكثر من التشريع اللاتيني الذي يركّز على البعد القانونيّ والإداريّ. فالتأديب، في الشَّرقيّ، يُفهم بوصفه عملاً رعويّاً يهدف إلى استعادة النظام الروحي والليتورجي داخل الجماعة، بينما يُفهم في اللاتيني بوصفه آليَّة قانونيَّة لضبط ممارسة السُّلطة وحمايَّة الخير العام.

 

وتُظهر نقاط الاتفاق بين التشريعين أنّ السُّلطة خدمة رعويَّة لا امتيازاً شخصياً، وأن سوء الاستعمال والإهمال مسؤوليَّة تأديبيَّة، وأن العقوبة يجب أن تكون متناسبة وعادلة، وأن حمايَّة الخير العام الكنسيّ هي الهدف الأول، وأن التأديب ذو غايَّة إصلاحيَّة وروحيَّة. أمّا نقاط الاختلاف فتتمثّل في أنّ التشريع اللاتيني يحدّد صراحة عقوبة الحرمان من الوظيفة، بينما يترك التشريع الشَّرقيّ ذلك لتقدير السُّلطة التأديبيَّة، وأن الشَّرقيّ يربط المسؤوليَّة بالبعد الروحي والليتورجي أكثر من اللاتيني، وأن اللاتيني يميل إلى الصياغة القانونيّة الدقيقة بينما الشَّرقيّ يميل إلى الصياغة الرعويَّة–الروحيَّة.

 

ويُظهر القانون الكنسيّ، في نصوصه اللاتينيَّة والشَّرقيّة، أنّ المسؤوليَّة التأديبيَّة تُعنى بضبط ممارسة السُّلطة والخدمة، بحيث يُعدّ سوء استعمال السُّلطة أو الإهمال المسؤول إخلالاً بالوظيفة الكنسيَّة يستوجب العقوبة المناسبة. فالقانون اللاتيني 1389، على سبيل المثال، يقرّر أنّ الإفراط في سوء استعمال السُّلطة أو المهمّة يُعاقَب بعقوبة متناسبة مع جسامة الفعل، وقد تصل إلى الحرمان من الوظيفة، بينما يقرّر القانون الشَّرقيّ 1464 أحكاماً مشابهة تتعلّق بتجاوز السلطان أو الوظيفة أو الخدمة أو المهمّة الكنسيَّة، سواء بالفعل أو بالإغفال، مع ترك مساحة واسعة لتقدير العقوبة بحسب الظروف.

 

وتقوم المسؤوليَّة التأديبيَّة أيضاً على مبدأ التناسب، وهو مبدأ جوهري في القانون الكنسيّ يقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع جسامة الفعل أو الإهمال، بحيث تراعي السُّلطة التأديبيَّة حجم الضرر الرعوي أو الإداريّ، وموقع الفاعل ومسؤولياته، ودرجة القصد أو الإهمال، والظروف المرافقة للفعل، وهو ما يجعل التأديب عملاً قانونياً دقيقاً يهدف إلى تحقيق العدالة، لا إلى فرض العقوبة لمجرّد العقوبة. وتتجلّى المسؤوليَّة التأديبيَّة أيضاً في مبدأ تخصيص العقوبة، إذ إذا كان القانون أو أمر خاص قد حدّد مسبقاً عقوبة معيّنة لنوع محدّد من الإساءة، فإن النصّ العام لا يُطبّق، لأن المشرّع يكون قد رأى أنّ نوع الإساءة المذكور يحتاج إلى معالجة خاصة تختلف عن المعالجة العامة، وهو ما يعكس دقّة التشريع الكنسيّ في تحديد العقوبات وضبطها.

 

وهكذا يتبيّن أنّ القانون اللاتيني 1389 والقوانين الشَّرقيّة المقابلة له يشكّلان منظومة تأديبيَّة متكاملة تعبّر عن وحدة الرؤيَّة الكنسيَّة للسُّلطة والخدمة، رغم اختلاف الأسلوب بين التقليدين، وأن الكنيسة، في جميع تقاليدها، ترى في السُّلطة خدمة مقدّسة يجب أن تُمارَس بأمانة ومسؤوليَّة، وأن أي انحراف فيها يستوجب التأديب حمايَّة للجماعة وصوناً لرسالة المسيح، وهو ما يجعل هذه المقارنة مدخلاً أساسياً لفهم البنيَّة التأديبيَّة المشتركة بين الشَّرع اللاتيني والشَّرع الشَّرقيّ، ويُبرز في الوقت نفسه ثراء التقاليد القانونيّة الكنسيَّة وتنوّعها في إطار وحدة الإيمان والرسالة.