موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٩ يوليو / تموز ٢٠٢٦
وسط حرائق إسبانيا: أول ما فكّر به كان القربان الأقدس

أبونا :

 

بينما كانت ألسنة اللهب تقترب من بلدة سينيثيينتوس جنوب منطقة مدريد الإسبانية، لم يكن أول ما خطر في بال كاهن الرعية الأب خوان بابلو فلوريس ألفاريز سلامة ممتلكاته، بل القربان الأقدس. ففي لحظة تحولت فيها احتفالات عيد القديس يعقوب الرسول إلى سباق مع الزمن، وجد الكاهن نفسه يقود أبناء رعيته في واحدة من أصعب التجارب التي عرفتها البلدة.

 

وكان الأب خوان بابلو، وهو كاهن فنزويلي يتولى رعاية رعية القديس إسطفانوس أول الشهداء منذ أقل من عام، يحتفل بسرّ العماد عندما تلقى أمرًا عاجلًا بإخلاء البلدة بسبب اقتراب الحرائق. ويروي قائلاً: «أول ما فكّرت به كان القربان الأقدس». وفي خضم الارتباك، أسرع لإطفاء شمعة الفصح، فتلطخت يداه بالشمع المنصهر، قبل أن يصعد إلى برج الكنيسة ويقرع الأجراس بالنداء التقليدي لتنبيه سكان البلدة إلى الخطر الداهم.

 

وقبل أن يغادر منزله، حرص على الاطمئنان إلى والدته، ثم توجّه لتفقد الكنائس، لكن سرعان ما انشغل بمن اعتبرهم الأكثر حاجة إلى المساعدة. ويقول: «تذكرت كبار السن الذين أوصل إليهم المناولة المقدسة، وكنت أعلم أن اثنتين منهم تعيشان وحدهما، فتوجهت إليهما لأطمئن عليهما».

 

ونُقل سكان البلدة في حافلات إلى مركز إيواء في مدينة ماخاداهوندا، حيث وجد الكاهن نفسه يرافق أبناء رعيته في محنتهم. ويستذكر تلك الساعات قائلاً: «كان الناس يبكون ويأتون إليّ قائلين: يا أبانا، أحتاج إلى أن أتحدث معك»، مضيفًا أن مهمته في تلك اللحظات كانت أن يكون «كاهنًا، وصديقًا، ومرشدًا، ومستشارًا، وسندًا روحيًا»، رغم أنه كان يعيش الألم نفسه الذي يعيشه أبناء بلدته.

 

وسرعان ما تحركت أبرشية خيتافي لتوفير المأوى للكاهن ووالدته، فيما استمرت الاتصالات اليومية بين أبناء الرعية، الذين وجدوا في الصلاة مصدرًا للقوة والرجاء وسط حالة القلق التي فرضتها الحرائق.

 

ورغم أن النيران لم تدمر البلدة، فإن الدخان والرماد لا يزالان يخيّمان على المنطقة، بانتظار السماح للسكان بالعودة الكاملة. ويؤكد الأب خوان بابلو أن هذه المحنة، على قسوتها، تركت أيضًا ثمارًا روحية، إذ يقول: «لم أعش من قبل شيئًا بهذه القسوة، المملوءة بالخوف والحزن، ولكن أيضًا بالرجاء. لقد لجأ الناس كثيرًا إلى الصلاة، ووحّدتنا هذه التجربة أكثر، وجعلتنا نصلي أكثر، وزادت رجاءنا جميعًا».