موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في الطيبة، لم نطلب يومًا أن تصبح الحماية مرادفًا للعزلة. على العكس، كانت رسالتنا إلى العالم: "تعال وانظر".
تعالوا إلى بلدتنا، شرق رام الله في وسط الضفة الغربية المحتلة، ادخلوا كنائسها، وتحدثوا إلى أهلها، وانظروا إلى أراضيها وحياتها اليومية بأنفسكم. فالطيبة، أفرام الإنجيلية، هي آخر بلدة فلسطينية في الضفة الغربية ما زال مجتمعها مسيحيًا بالكامل. وفيها، بحسب إنجيل يوحنا، "أقام [يسوع] هناك مع تلاميذه" (يوحنا 11:54).
واليوم، بعد نحو ألفي عام، ليست الطيبة مجرد موقع مسيحي من الماضي، بل مجتمع حي ومتجذر في أرضه وتراثه، يصلي ويعمل ويزرع، ويشارك بفاعلية في بناء مجتمعه وحياة وطنه، ويتمسك بأرضه ويحافظ على حضوره فيها.
لهذا أطلقت الكنيسة المحلية في الطيبة حملة «تعال وانظر». لم تكن دعوة سياحية، ولا طلبًا من العالم أن ينقذنا، بل دعوة إلى الحضور والشهادة وكسر المسافة بين الطيبة والعالم، وإلى تذكير أبنائها بأن الرجاء لا يعني تجاهل الخوف والواقع الصعب، بل الإيمان بأن لهم مكانًا ومستقبلًا في أرضهم، وأن حضورهم المسيحي فيها يستحق أن يُعاش ويُصان ويستمر.
ثم صدر القرار.
في 23 تموز/يوليو 2026، أصدر "قائد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في منطقة يهودا والسامرة"، وفق التسمية الإسرائيلية الرسمية، إعلانًا عسكريًا بإغلاق منطقة "الطيبة ورمّون" في الضفة الغربية المحتلة. ويحظر الإعلان دخول المنطقة أو المكوث فيها على من لا تنطبق عليه صفة "السكان"، بما يشمل الإسرائيليين والأجانب، مع استثناءات محددة تتعلق بالتصاريح والمقيمين الدائمين وأفراد قوات الأمن أثناء أداء مهامهم. ويستمر سريان القرار حتى 4 تموز/يوليو 2027.
يأتي القرار، بحسب "الجيش الإسرائيلي"، "بسبب بعض الهجمات العنيفة من إسرائيليين في المنطقة". أما بالنسبة إلى أهل الطيبة، فالمسألة أبسط: يريدون أن يتمكنوا من التنقل، والوصول إلى أراضيهم، والعودة إلى بيوتهم من دون خوف أو تهديد. حماية السكان والممتلكات والأراضي والمزارعين، ومحاسبة المعتدين، ليست ترفًا، بل مسؤولية أساسية.
لكن سؤالًا آخر يبقى: ماذا نحمي عندما نقول إننا نحمي الطيبة؟
إذا كانت الحماية تعني منع الاعتداء، فهذه ضرورة. لكن إذا كانت تعني حماية مجتمع لكي يبقى، فالأمن وحده لا يكفي. فالبقاء يحتاج إلى الأرض والعمل والزراعة والمدرسة والكنيسة، وإلى الحركة والعلاقات والقدرة على استقبال الناس والتواصل مع العالم.
يمكن أن يُغلق مكان لمواجهة خطر محدد. لكن هل يستطيع مجتمع حي أن يبقى حيًا إذا طال به العزل؟
وهنا تظهر المفارقة. الطيبة قالت للعالم: "تعال وانظر". واليوم يفرض القرار قيودًا على دخول منطقة الطيبة والمكوث فيها على من لا تنطبق عليه صفة "السكان"، ما قد يؤثر، بحسب كيفية تطبيقه، في قدرة الصحفيين والكنائس والحجاج والوفود والباحثين وغيرهم على الوصول إلى المكان ورؤية ما يجري فيه بأنفسهم.
لسنا هنا لمجادلة نوايا القرار. السؤال أبسط: ماذا يعني عمليًا لبلدة جعلت من حضور العالم وشهادته جزءًا من قدرتها على مواجهة العزلة؟
فالصحفي ليس حارسًا، والدبلوماسي ليس قوة حماية، والكنيسة ليست جهازًا أمنيًا. لكن وجودهم يعني أن هناك من يرى ويسمع ويوثق، وأن المجتمع يستطيع أن يتحدث عن نفسه مباشرة.
الوصول ليس مجرد حركة. إنه أيضًا قدرة على أن تكون مرئيًا، وأن تروي قصتك بنفسك.
وهذا مهم في الطيبة كما هو مهم في بلدات وقرى فلسطينية أخرى تواجه ضغوطًا على الأرض والحركة والحياة اليومية. فالطيبة ليست جزيرة مسيحية منفصلة عن فلسطين، بل جزء من واقعها. لكنها تحمل خصوصية إضافية، باعتبارها مجتمعًا فلسطينيًا مسيحيًا متجذرًا في هذه الأرض.
وهذه الخصوصية لا تعني طلب امتياز خاص، بل تطرح سؤالًا على الكنائس والمؤسسات المسيحية في أوروبا وأمريكا والعالم، وعلى كل من يتحدث عن الحفاظ على الحضور المسيحي في الأرض المقدسة: ماذا يعني أن نحافظ على هذا الحضور؟
هل يكفي أن تبقى الكنائس قائمة وأن تبقى المواقع مفتوحة أمام الحجاج؟ أم يجب أن تبقى أيضًا المجتمعات التي تصلي في هذه الكنائس، وتزرع هذه الأرض، وتربي أبناءها هنا؟
يمكن أن تبقى الكنيسة واقفة، بينما يضعف المجتمع الذي يقرع أجراسها.
الأرض المقدسة ليست متحفًا للمسيحية. إنها أرض يعيش فيها مسيحيون اليوم.
لهذا لا تريد الطيبة أن تُعامل كأقلية تنتظر الإنقاذ، ولا تريد من العالم أن يتحدث باسمها. تريد أن تبقى قادرة على الحديث عن نفسها، وأن يبقى العالم قادرًا على الوصول إليها والاستماع إليها.
فالشهادة ليست بديلًا عن الحماية، لكنها جزء من البقاء.
والبقاء هنا لا يعني مجرد بقاء الناس داخل حدود البلدة، بل أن يظل المجتمع قادرًا على الحياة والتواصل مع العالم، من دون أن يفقد حقه في الأمن.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: كيف نحمي الطيبة بإغلاقها؟ بل: كيف نحمي الطيبة بحيث تستطيع أن تبقى؟
كانت رسالتنا للعالم: "تعال وانظر". وما زالت.
ليس لأن الطيبة تريد متفرجين، ولا لأنها تنتظر من ينقذها، بل لأنها تريد أن تبقى حية ومرئية وقادرة على رواية قصتها بنفسها.
نريد حماية الطيبة، نعم. لكننا لا نريد أن تكون الحماية سببًا في عزلها.