موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إن تكريم العذراء مريم بألقاب محلية أو وطنية يُعدّ سمة مميزة في الكاثوليكية، إذ يعكس العلاقة العميقة والحيّة التي تربط مريم بالشعوب المختلفة في أنحاء العالم. فمنذ القرون المسيحية الأولى، اعتاد المؤمنون أن يدعوا أمّ الله بأسماء تعبّر عن تاريخهم وثقافتهم وخبراتهم الحياتية. ولهذا يحتفظ كل بلد، وغالبًا كل مدينة أو منطقة، بلقب مريمي خاص يجسّد الطريقة التي يختبر بها المؤمنون الحضور الأمومي لمريم في حياتهم.
فعلى سبيل المثال، كان البابا فرنسيس يكنّ تكريمًا خاصًا لسيدة لوجان، شفيعة وطنه الأرجنتين. فيما يرى الكاثوليك في اليابان في العذراء المكرّمة في تسوانو رمزًا لبقاء المسيحية في "بلاد الشمس" خلال فترات الاضطهاد. أما إسبانيا، فتتميّز بغنى استثنائي في الألقاب المريمية، من سيدة مونتسيرات إلى سيدة بيلار، وكلّ منها ولد من قرون طويلة من الصلاة والمعجزات والتقوى الشعبية.
وفي هذا النسيج الواسع والمتنوّع من المحبّة المريمية، يبرز لقب سيدة الجزيرة العربية بفرادة روحية خاصّة. فعلى خلاف العديد من الألقاب المريمية التي نشأت في مجتمعات ذات أكثرية مسيحية، ظهر هذا اللقب في منطقة يعيش فيها المسيحيون غالبًا في صمت وتواضع، ومن دون مظاهر خارجية. ومع ذلك، استُقبلت مريم في قلب شبه الجزيرة العربية كأمّ وحامية ورفيقة لمسيرة ملايين الكاثوليك المقيمين بعيدًا عن أوطانهم. ولا يعبّر هذا اللقب عن بُعد جغرافي فحسب، بل عن ثقة عميقة لكنيسة تعيش في الشتات، وتجد في مريم حضورًا أموميًا يرعى أبناءها في عيشهم للإيمان في الخليج.
تعود جذور تكريم سيدة الجزيرة العربية إلى منتصف القرن العشرين، مع وصول رهبان الكرمليين المتجرّدين من العراق إلى الكويت في أواخر أربعينيات القرن الماضي لمرافقة الجالية الكاثوليكية الآخذة في النمو. وكان من أولوياتهم الراعوية توفير الغذاء الروحي لجماعة متنوّعة من عمّال وعائلات ومهاجرين، يتوقون إلى الشعور بالانتماء والحماية الإلهية في أرض بعيدة عن أوطانهم. وفي هذا السياق، أدخل الكرمليون صورة مريمية أصبحت لاحقًا معروفة بلقب سيدة الجزيرة العربية، لتكون علامة على حضور موحِّد للكاثوليك المنتشرين في منطقة الخليج.
وتستند الصورة الحالية إلى تمثال يعود إلى عام 1919 لسيدة جبل الكرمل من دير ستيلا ماريس "نجمة البحر" في حيفا. وقد أُحضرت طبعة حجرية من هذه الصورة إلى مدينة الأحمدي في الكويت في الأول من أيار 1948، وبدأ تبجيلها العني اعتبارًا من عيد الحبل بلا دنس في العام نفسه، بفضل جهود الأب تيوفانو أوبالدو ستيلا، أول رئيس ثم نائب رسولي للكويت، المعيّن من قبل البابا بيوس الثاني عشر.
ومع تزايد التقوى الشعبية، طلب الأسقف ستيلا في عام 1949 تمثالًا جديدًا من إيطاليا، نُحت من خشب الأرز اللبناني، وصُوّر فيه الطفل يسوع بين يدي والدته مريم. وقد حُمل التمثال إلى البابا بيوس الثاني عشر، الذي باركه شخصيًا في 17 كانون الأول 1949 في الفاتيكان، عشية السنة المقدسة، في لفتة تركت أثرًا بالغًا في بدايات هذا التكريم. ونُقل التمثال جوًا إلى الكويت، حيث استُقبل بفرح كبير في 6 كانون الثاني 1950، ليصبح منذ ذلك الحين محور الصلاة اليومية في مزار الأحمدي.
وتجلّى اهتمام البابا بيوس الثاني عشر بهذا اللقب المريمي مجدّدًا عام 1956، حين أهدى مزار الأحمدي شمعة كبيرة مزخرفة، اختارها من بين الشموع المقدّمة له في عيد تقدمة الرب. وفي 25 كانون الثاني 1957، واستجابةً لطلب النائب الرسولي في الكويت، أصدر المرسوم Regnum Mariae، الذي أعلن فيه رسميًا سيدة الجزيرة العربية شفيعة رئيسية للأراضي والنيابة الرسولية في الكويت.
وقد بلغ هذا التكريم محطة بارزة عام 1960، في الذكرى العاشرة لوصول التمثال إلى الكويت، حيث بادر المؤمنون، تعبيرًا عن امتنانهم، إلى صنع تاجين ذهبيين نفيسين زُيّنا بالماس والياقوت ولآلئ من الخليج. وقد قُدّمت التيجان إلى البابا القديس يوحنا الثالث والعشرين، الذي فوّض الكاردينال فاليريان غراسياس، رئيس أساقفة بومباي، بتتويج التمثال نيابة عنه، في احتفال مهيب شكّل إحدى أجمل صفحات التاريخ.
وفي العصر الحديث، قاد المطران الراحل كاميلو بالين، وهو من أشد المتحمسين للسيدة العذراء، مسيرة تجديد للهوية المريمية للكنيسة في الخليج. ففي عام 2011، تم التتويج الرسمي والكنسي لتمثال سيدة الجزيرة العربية في الأحمدي، في احتفال ترأسه الكاردينال أنطونيو كانيزاريس لوفيرا نيابة عن البابا بندكتس السادس عشر. وفي 5 كانون الثاني من العام نفسه، وافق البابا بندكتس السادس عشر بإعلان سيدة الجزيرة العربية شفيعة رئيسية لمنطقة الخليج العربي، في نيابتي شمال وجنوب الجزيرة العربية الرسوليتين. كما حُدّد عيدها في السبت الذي يلي عيد معمودية الرب، مع إمكانية الاحتفال به يوم الأحد رعويًا. وتوّجت هذه المسيرة بتكريس كاتدرائية سيدة الجزيرة العربية في البحرين عام 2021، في احتفال ترأسه الكاردينال لويس أنطونيو تاغلي.
وفي السنوات الأخيرة، شدّد المطران ألدو بيراردي، خليفة الأسقف بالين، على الأهمية المستمرة لهذا الحضور المريمي، حيث أشرف عام 2025 على رفع مزار الأحمدي إلى رتبة بازيليك صغرى. وأكّد أنّ استمرار تبجيل تمثال مريمي لأكثر من خمسة وسبعين عامًا في قلب شبه الجزيرة العربية يُعدّ أمرًا استثنائيًا، لا سيما في سياق ثقافي وديني تُعدّ فيه الصور المقدسة نادرة، كما يشكّل شهادة حيّة على إيمان الكنيسة الذي يُعاش بصمت وتواضع وعمق.
واليوم، لا يزال تكريم سيدة الجزيرة العربية مصدر وحدة ورجاء للجماعة الكاثوليكية المتنوّعة في الخليج، وعلامة مرافقة أمومية للمهاجرين والعمّال، وتأكيدًا على أنّ أمّ الله لا تكفّ عن مرافقة أبنائها، حتى في الأماكن التي يُدعى فيها المسيحيون إلى عيش إيمانهم بتواضع وهدوء.