موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أصبح الرابع عشر من شباط أحد أكثر الأيام إثارةً للجدل والغرابة في الوعي المسيحي المعاصر. ففي حين يحتفل العالم على نطاق واسع بما يُعرف بـ«عيد القديس فالنتاين»، تكشف العودة إلى التقويم الليتورجي للكنيسة اللاتينية أن هذا التاريخ مخصّص رسميًا لتذكار القديسين كيرلس الراهب وميثوديوس الأسقف، رسوليّ الشعوب السلافية. فكيف اجتمع في يوم واحد تقليد شعبي عالمي مرتبط بالحب والرومانسية، وواقع ليتورجي كنسي مختلف؟ وأين يقف القديس فالنتاين الحقيقي وسط هذا التداخل التاريخي والأسطوري؟
من الناحية التاريخية، لا يمكن الحديث عن «فالنتاين» كشخصية واحدة محددة بشكل قاطع. فكتب السنكسارات القديمة تذكر عددًا من القديسين الذين يحملون هذا الاسم، من بينهم أساقفة وشهداء وكهنة، عاشوا في مناطق مختلفة من الإمبراطورية الرومانية. بعضهم استُشهد في القرنين الثالث والرابع، في أزمنة الاضطهادات الرومانية ضد المسيحيين.
ويبدو أن القديس المرتبط تقليديًا بتاريخ 14 شباط هو كاهن روماني استُشهد نحو سنة 270 للميلاد، في عهد الإمبراطور كلوديوس الثاني. المعلومات التاريخية المؤكدة عنه قليلة للغاية: اعتُقل بسبب تمسكه بإيمانه، فُشل في إقناعه بإنكاره، فحُكم عليه بالجلد ثم قطع الرأس. هذه هي النواة التاريخية الصلبة التي تتفق عليها أقدم المصادر.
إلا أن القرون اللاحقة أضافت إلى هذه النواة روايات وأساطير، بعضها ذو طابع روحي رمزي، وبعضها الآخر أقرب إلى الأدب الشعبي منه إلى التوثيق التاريخي.
من الشهيد إلى "شفيع العشاق"
اللافت أن ارتباط فالنتاين بالحب الرومانسي لم يكن عنصرًا أصيلًا في سيرته المبكرة. فلا المصادر الأولى، ولا كتب سير الشهداء القديمة، تشير إلى علاقة مباشرة بينه وبين الأزواج أو المخطوبين.
الرواية الأشهر التي انتشرت في العصور الوسطى تقول إنه كان يعقد زيجات سرّية لجنود أو شبان مسيحيين في زمن كان يُحظر فيه الزواج عليهم، بهدف إبقائهم متفرغين للخدمة العسكرية. رواية أخرى تتحدث عن شفاء ابنة أحد المسؤولين من العمى بصلاته، ما أدى إلى اهتداء العائلة. كما ظهرت لاحقًا قصص عن مصالحة بين زوجين، أو عن شابين توحّدا في الإيمان والحب قبل موتهما.
هذه القصص، رغم قيمتها الوعظية والرمزية، ظهرت بعد قرون من استشهاده، ولا يمكن التعامل معها كمصادر تاريخية مباشرة. لكنها لعبت دورًا أساسيًا في تشكّل صورته الشعبية كشفيع للمحبين.
بالتوازي، شهدت أوروبا في العصور الوسطى تطورًا ثقافيًا ربط بين منتصف شباط وبداية تزاوج الطيور وتجدد الطبيعة، وهو ما عزز الربط بين هذا التاريخ ومفهوم الحب. وهكذا تداخلت عناصر دينية، وأدبية، وشعبية، وصولًا إلى الصيغة الحديثة لعيد الحب.
حتى عام 1969، كان اسم القديس فالنتيان مدرجًا في التقويم الروماني العام في 14 شباط. لكن بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، أُعيد تنظيم السنة الليتورجية بهدف إبراز الأعياد المرتبطة مباشرة بأسرار الخلاص، وعدم ازدحام التقويم بأسماء قديسين لا تتمتع سيرهم بوضوح تاريخي كافٍ أو بانتشار كنسي جامع.
في هذا السياق، أُزيل عدد من الأسماء من التقويم العام، ليس إنكارًا لقداستهم، بل لإفساح المجال لقديسين يمثلون كنائس محلية متعددة حول العالم، وإعطاء بعد أكثر شمولية وعالمية للتقويم. كما أن الغموض التاريخي المحيط بشخصية فالنتين التي كانت تُحتفل في هذا اليوم أسهم في القرار.
مع ذلك، لم يُلغَ تكريمه كليًا، بل بقي ممكنًا في التقويمات المحلية، ولا سيما في أماكن ترتبط به تقليديًا.
في مدينة تيرني الإيطالية، يُحتفل بالقديس فالنتاين بوصفه شفيع المدينة، وتُحفَظ ذخائره في كاتدرائيتها. وتذكر تقاليد محلية أنه كان أسقفًا مبشّرًا عاش في القرن الثالث، وعُرف بعنايته بالفقراء وإجرائه شفاءات عديدة، قبل أن يُعدم بسبب رفضه إنكار المسيح.
سواء كان فالنتاين الروماني الكاهن هو نفسه أسقف تيرني أو شخصية أخرى تحمل الاسم ذاته، فإن العنصر المشترك بين الروايات هو الشهادة حتى الموت. وهذا البعد الاستشهادي هو ما ميّز تكريمه في الكنيسة الأولى.
أصبح اللون الأحمر السمة البصرية الطاغية في 14 شباط: قلوب حمراء، ورود، زينة، وهدايا. لكن في التقليد الليتورجي، للأحمر معنى مختلف وأعمق. فهو لون الدم والنار، لون الشهداء الذين قدّموا حياتهم شهادة للمسيح، ولون الروح القدس في عيد العنصرة.
عندما كانت الكنيسة تحتفل بذكرى القديس فالنتاين في هذا اليوم، كان الكهنة يرتدون الحلل الحمراء إشارة إلى استشهاده. الأحمر هنا لا يرمز أولًا إلى العاطفة العابرة، بل إلى المحبة الباذلة حتى الدم. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة المفارقة المعاصرة: يوم يغلب عليه الطابع التجاري والرومانسي، بينما جذوره الكنسية ترتبط بشهيد قدّم حياته بدافع أمانته لإيمانه.
لا يمكن اختزال تاريخ 14 شباط في صورة بطاقات وورود وقلوب. خلف هذا اليوم تقف طبقات متعددة من التاريخ: شهداء من القرون الأولى، إعادة تنظيم ليتورجي حديث، تقاليد محلية في إيطاليا، وتأثيرات ثقافية وأدبية أوروبية.
وربما الأهم من كل ذلك أن المحبة التي جسدها فالنتاين -أيًا كانت التفاصيل الدقيقة لسيرته- لم تكن محبة رومانسية سطحية، بل محبة ثابتة، أمينة، مستعدة للبذل. في زمن يختلط فيه المفهوم المسيحي للمحبة مع تصورات استهلاكية أو عاطفية مؤقتة، يعيدنا شهيد القرن الثالث إلى الجذر: المحبة التي تتجسد في الأمانة، والشجاعة، والتضحية.
وهكذا يبقى 14 شباط، في عمقه التاريخي والروحي، أكثر من مجرد عيد للعشاق؛ إنه تذكير بأن الحب، في معناه المسيحي الأصيل، يرتبط دومًا بالصليب قبل أن يرتبط بالوردة.