موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
المحامي الكنسي هو المجاز أو الملفان في القانون الكنسي الخاص بالكنيسة الكاثوليكية من إحدى الجامعات الكاثوليكية في العالم أم من جامعة الحكمة في بيروت. يجب أن يكون كاثوليكياً، وبخلاف ذلك إذا وافقت السلطة الكنسية المختصّة، وأن يتمتع بسمعة حسنة بشهادة من راعي الأبرشية وكاهن الرعية، وان توافق عليه السلطة الكنسية المشرفة على المحكمة الروحية الموحدة أو راعي الأبرشية في محكمته. هو يدافع عن حقوق الإكليروس والرهبان، يقوم بتقديم الاستشارات في المواضيع الكنسية، يعمل على تمثيل المتقاضين والدفاع عنهم امام المحاكم الكنيسة الكاثوليكية، يترافع في النزاعات الإدارية والمالية داخل الكنيسة، وقضايا الأحوال الشخصية مثل بطلان الزواج، الهجر والمفاعيل المادية المرتبطة بها، الوصاية، وغيرها ...
في لبنان، هناك بالطبع محامين كنسيين وهم خريجي كلية القانون الكنسي من جامعة الحكمة المتعاونة مع إحدى الجامعات البابوية لي روما. المحامي الكنسي هو جزء من الكنيسة الكاثوليكية، هو لا يكتسب صفته بلقب "محام كنسي" بالانتساب الى أي نقابة وهو غير مسجل في أي من نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس. يكتسب صفته من السلطة الكنسية الكاثوليكية المختصة التي تقبل به بالمرافعة والمدافعة في محاكمها.
ظهر دور المحامي الكنسي مع نشوء القضاء الكنسي في الكنيسة المسيحية الأولى، حين بدأت الجماعات المسيحية بتنظيم شؤونها الداخلية وفقًا لتعاليم الإنجيل ورسائل الرسل. في تلك المرحلة، كان الأساقفة هم القضاة، وكان الدفاع يتم غالبًا من قبل أشخاص ذوي علم لاهوتي يساعدون الأطراف في عرض قضاياهم.
في العصور الوسطى، مع تطور القانون بعد جمع القوانين في مرسوم غراسيان في القرن الثاني عشر، ظهرت المحاكم الكنسية بشكل رسمي وأصبح للمحامي الكنسي دور محدد في الدفاع عن الحقوق، تقديم المرافعات، وتفسير النصوص القانونية واللاهوتية. وفي هذه المرحلة، كان يُشترط في المحامي الكنسي النزاهة الأخلاقية، المعرفة العميقة بالقانون واللاهوت، الالتزام بخدمة العدالة لا المصلحة الشخصية.
أما في عصر النهضة وما بعده، مع تطور الجامعات الأوروبية، أصبح القانون الكنسي علمًا أكاديميًا يُدرّس، وتكوّنت فئة محترفة من المحامين الكنسيين، خاصة في روما وحول الكرسي الرسولي. برزت محاكم عليا مثل محكمة الروتا الرومانية، ومحكمة التوقيع الرسولي حيث أصبح المحامي الكنسي عنصرًا أساسيًا في الإجراءات القضائية، النزاعات الرهبانية و القضايا التأديبية والإدارية وخصوصًا في الدعاوى الزواجية.
وفي العصر الحديث، ومع صدور مدوّنة القانون الكنسي عام 1917 ثم تحديثها عام 1983، تم تنظيم مهنة المحامي الكنسي بشكل أدق، وأصبح المحامي الكنسي اليوم معترفًا به رسميًا أمام المحاكم الكنسية، ملزمًا بقَسَم مهني و خاضعًا لقوانين أخلاقية صارمة. هو يجمع بين القانون واللاهوت والبعد الرعوي، لا يدافع فقط عن موكله، بل يساهم في تحقيق العدالة الكنسية وحماية كرامة الأشخاص وقدسية الأسرار.
وبعد إقرار مجموعة قوانين الكنائس الشرقية بتاريخ 18/10/1990 وتوقيعها من قبل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني ودخولها حيّز التنفيذ في 1/10/1991 ، وبعد تخرّج اول دفعة من كلية الحق الكنسي في جامعة الحكمة في لبنان ، حيث يتخرج العلماني كمحامي كنسي ورجل الدين يصبح قاضياً كنسياً، تعرّض بعض الخريجين على صعيد فردي لملاحقات قانونية أمام المحاكم الجزائية اللبنانية من قبل محامين بالاستئناف بجرم انتحال صفة محام وكانت النتيجة أنّ القضاء اللبناني منع المحاكمة عن المحامي الكنسي لعدم انتحاله أية صفة.
في شهر تموز من العام 2013، تقدّمت نقابة المحامين في بيروت باالشكوى على خريجي كلية القانون الكنسي (العاملين في المحاكم وغير العاملين فيها) بجرائم التزوير وانتحال صفة محام، ومزاولة مهنة دون حق لنزع صفة المحامي الكنسي ومنعه من مزاولة مهنته داخل المحاكم الروحية الكاثوليكية، توصلاً للتعدي لاحقاً على لقب محامي الوثاق ومحامي العدل الذين هم قضاة في المحاكم الكاثوليكية.
بيد أنّ انتحال صفة محام غير متوّفرة لأنه في قانون العقوبات اللبناني المادة 391 تنص على ما يلي: "من اقدم علانيّة ودون حق على ارتداء زي رسمي أو حمل وسام أو اشارة من أزياء أو أوسمة أو إشارات الدولة اللبنانية أو دولة أجنبية أو ارتدى ثوباً تخصّ به الشريعة اللبنانية فئة من الناس عوقب بالحبس ستة أشهر على الأكثر أو بغرامة لا تزيد على مايتي الف ليرة".
وتنصّ المادة 393 من نفس القانون: "من زاول مهنة دون حقّ مهنة خاضعة لنظام قانوني عوقب بالحبس ستة أشهر على الأكثر وبغرامة من خمسين الف الى أربعماية الف ليرة".
ولكن: المحامي الكنسي لا يرتدي رداء المحامي المنتسب الى نقابة المحامين، بل لديه رداءه الخاص. هو لا يرافع ولا يدافع في المحاكم المدنية ولا الجزائية بل فقط امام المحاكم الروحية الكاثوليكية في كل درجاتها، اذن هو لا يزاول مهنة المحامي في الإستئناف. هو لا يستعمل لقب محامي في الاستئناف بل لقب "محامي كنسي" بموجب القانون 1141 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية للطوائف الكاثوليكية والقانون 1483 من الحق القانوني للكنيسة اللاتينية، والأنظمة الداخلية للمحاكم الكاثوليكية. وهذا ما نصّ عليه النظام الداخلي للمحاكم المارونية بدايةَ في المادة 50 واستئنافاً في المادة 48.
لقب المحامي الكنسي موجود قبل إنشاء نقابات المحامين وهذا ما اكّدت عليه جميع الافادات التي قدمتها الطوائف الكاثوليكية في لبنان للقضاء اللبناني .كما أنّ لقب "المحامي الكنسي" لا يتعارض مع النظام العام، كما لا يتعارض مع قانون تنظيم مهنة المحاماة في لبنان في الفصل الأول في المادة 5 منه الذي تتذرّع به نقابة المحامين. فالمادة المذكورة تنصّ على عبارة "محامي" وليس "محامي كنسي". وإذا عدنا لعبارة "محامي"، فهي ملكُ اللغة وليست ملكاً لنقابة محامي بيروت والإثبات على ذلك أنّ عبارة "محامي كنسي" تُستعمل في جميع بلدان العالم ولم نسمع يوماً أنّ نقابة المحامين في روما أو فرنسا أو كندا أو اسبانيا وغيرها من البلدان قد اعترضت على لقب المحامي الكنسي أو ادّعت على المحامين الكنسيين.
ولكن عندما اصطدمت نقابة المحامين في بيروت بالإفادات والمستندات التي قدّمها المحامون الكنسيون والتي تؤكد على شرعية لقب "المحامي الكنسي" ومهنته داخل المحاكم الكاثوليكية، لجأت الى الخطة "ب" وبدأت بالقاء السهام على الكنيسة الكاثوليكية عبر الزعم بأنّ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية للطوائف الكاثوليكية غير منشورة في الجريدة الرسمية ولم تكتسب صفة القوانين متناسية أنّ صلاحيات المحاكم الكنسية منصوص عليها في قانون ٢ نيسان ١٩٥١ الذي أجاز للطوائف المسيحية تنظيم محاكمها عبر قوانينها وانظمتها الداخلية.
إنّ هذا الإدّعاء من قبل نقابة المحامين في بيروت لنزع لقب المحامي الكنسي ومنعه من مزاولة مهنته قد اتخذ مساراً آخراً يشكل انتهاكاً واضحاً للقضاء الكنسي ككلّ. فيكفي أن تصرّح النقابة بأنّ مجموعة القوانين لم تتخذ صفة القوانين مما يعني أنها تدعي بأنّ المجموعة غير قانونية. وهذا مفاده أنه في مفهوم نقابة المحامين في بيروت، الكنيسة الكاثوليكية غير موجودة من أساسها إذ أنّ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية للطوائف الكاثوليكية أم الحق القانوني للكنيسة اللاتينية لا ينصّان فقط على الدعاوى الزواجية أو على شروط ومهام المحامي الكنسي، بل على كلّ ما يخصّ الكنيسة الكاثوليكية من الكرسي الرسولي الى انتخاب قداسة بابا روما وانتخاب البطريرك والأساقفة وتحديد أعمالهم والإكليروس والرهبان والابرشيات، والرعايا، والوقف، وأموال الكنيسة، والدعاوى الكهنوتية، والمدارس والجامعات الكاثوليكية، والمؤسسات الكنسية، والتنظيم في الكنيسة والعقوبات وجماعات المؤمنين والعبادة المقدّسة والأسرار وغيرها من الأبواب التي تتطرق اليها القوانين الكنسية.
وللعلم والمعرفة، نشير الى أنّ قوانين الكنيسة الكاثوليكية هي قانون بابوي والقوانين الصادرة عن الكرسي الرسولي لا تنشر في الجريدة الرسمية على الإطلاق، بل تبلّغ الى مجلس النواب والى وزير العدل. وفي العام 1993 قد حصل هذا الامر وابلغها آنذاك المطران رولان أبو جودة الى وزير العدل بهيج طبارة. وهكذا اصبحت نافذة في لبنان كما هي في جميع انحاء العالم. إنّ إبلاغ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية لمجلس النواب والى وزير العدل هو لأخذ العلم والخبر وليس لمناقشتها ونشرها في الجريدة الرسمية بعد المناقشة، وهذا ما حصل بموضوع مجموعة قوانين الكنائس الشرقية بحيث تمّ ابلاغ السلطات الرسمية المختصة بمضمونها دون مناقشتها في مجلس النواب ونشرها في الجريدة الرسمية لأنها قوانين كنسية خاصة صادرة عن الحبر الأعظم وهي لا تخضع للمناقشة في مجلس النواب ولا صلاحية لمناقشتها ، وهكذا اصبحت نافذة في لبنان ووافق مجلس النواب على تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الكاثوليكية في الدوائر الرسمية.
فلو كانت مجموعة قوانين الكنائس الشرقية غير قانونية، فلماذا تقوم دوائر التنفيذ بتنفيذ جميع قرارات واحكام المحاكم الروحية؟
كما وانه يجدر التذكير بأنّ المحامين في العام 2015 قد تابعوا دورة في الحق الكنسي واصول المرافعة والمدافعة لدى المحاكم الكاثوليكية، وهناك افادات كثيرة بمتابعة دورة في الحق الكنسي" صادرة عن نقيب المحامين في بيروت الأستاذ جورج جريج - تاريخ 1/7/2015، يؤكّد فيها بالحرف "قد تابع(ت) دورة إعدادية في الحق الكنسي وأصول المرافعة والمدافعة أمام المحاكم الروحية الكاثوليكية".
الاّ يعتبر هذا إقراراً بشرعية مجموعة قوانين الكنائس الشرقية؟؟؟؟ فاذا كانت القوانين غير منشورة وغير شرعية، ولم تتخذ صفة القوانين، كما تزعم نقابة المحامين في بيروت، اذن الإفادة التي استحصلوا عليها بالتعاون مع بكركي تكون غير قانونية.
فلو كان زعم النقابة بأنّ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية لم تتخذ صفة القوانين وأنها غير شرعية،، صحيحاً لكان كلّ من أصبح زواجه باطلاً، عاد اليوم متزوجاً. إنه لتناقض فاضح!
وبما أنّ قانون تحديد صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية الصادر بتاريخ 2 نيسان 1951 الذي أعطى الإختصاص للمراجع الكنسية قد نص في المادة 33 منه على ما يلي: "على الطوائف التي يشملها هذا القانون أن تقدم للحكومة قانون أحوال شخصيّة وقانون أصول المحاكمات لدى محاكمها الروحية في مدة سنة من تاريخ وضع هذا القانون موضع التنفيذ للإعتراف بها خلال ستة أشهر على أن تكون متوافقة مع المبادئ المختصّة بالإنتظام العام والقوانين الأساسية للدولة والطوائف"، وبما أنّ كلّ معاهدة بين الكرسي الرسولي وأي دولة مدنية تعتبر نافذة حكماً من تاريخ وضعها حيّز التنفيذ وهذا ما يطبق على" مجموعة قوانين الكنائس الشرقية" (القوانين التمهيدية)، وبما أنّ نظام الأحوال الشخصية في لبنان قد أعطى الصلاحية للمحاكم المذهبية بالعمل وفقاً لمجموعة القوانين الخاصة بها، فإن السلطة الكنسية هي صاحبة الإختصاص في ضمان وتوفير الشروط القانونية في المحامين الكنسيين من خلال الرقابة على مهمتهم والترخيص لهم بالعمل ضمن نطاقها وليس أي سلطة أخرى، خاصة الزمنية منها.
وبما أنه في ضوء كلّ ذلك، لا سيما القانون 60 ل.ر من قانون 2 نيسان 1951، والمادة 9 من الدستور اللبناني، فأنه تبين أنّ الدعوى التي تقدمت بها نقابة المحامين في بيروت هي مخالفة للقوانين كافة لاسيما المعاهدات الدولية والدستور اللبناني والقوانين المرعية الإجراء.
لقد أصبح واضحاً أنه من أجل الإدعاء على محام كنسي، يجدر الإدعاء على الكنيسة الكاثوليكية الجامعة والتى على رأسها قداسة الحبر الأعظم. فاذا كان الكرسي الرسولي قد اختار لقب محامي كنسي، فهل باستطاعة القضاء اللبناني تغيير اللقب!
ومنعاً للإلتباس، التعميم الأخير الذي أصدره غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، في 2026/1/23، قد حسم الجدل وأكد على شرعية لقب المحامي الكنسي، وقال غبطته كلمته. و"بكركي من عركة لعركة لا زيتها ولا نورها شحّ، كلن عم يحكوا تركي، وحدها بكركي بتحكي صح".
لا تخف أيها المحامي،
لن ينافسك المحامي الكنسي على نقابتك ولا على حصانتك،
فنقابته هي الكنيسة وحصانته هي الله.