موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر الجمعة، ٣٠ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
شبّان يبحثون عن الروحانية: مبيعات الكتاب المقدّس في بريطانيا تبلغ مستوى قياسيًا

أبونا :

 

بالنسبة لبائعي الكتب المسيحية، كانت الأخبار السارة حول مبيعات الكتاب المقدس نادرة. لكن الأرقام الأخيرة تشير إلى انتعاش ملحوظ. فقد أظهرت بيانات حديثة انتعاشًا غير مسبوق في الإقبال على شراء الكتاب المقدّس، إذ بلغت المبيعات مستوى قياسيًا في عام 2025، مسجّلة ارتفاعًا بنسبة 134% مقارنة بعام 2019، وهو أعلى رقم منذ بدء تسجيل البيانات.

 

هذا الارتفاع المفاجئ دفع بائعي الكتب والباحثين إلى طرح تساؤلات عميقة، مثل: من أين يأتي هؤلاء القراء الجدد الفضوليون؟ وهل يعود ذلك إلى إيمان ديني متجدّد، أم أن الظواهر المعاصرة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين الرقميين، هي التي حفزتهم على قراءة كلمة الله؟

 

 

يبحثون عن نوع من الروحانية

 

تقول أود باسكييه، مديرة المبيعات في مكتبة "تشيرتش هاوس" قرب دير وستمنستر: «نشهد زيادة واضحة في عدد الأشخاص الذين يأتون إلى الكتاب المقدّس من نقطة الصفر. ليس لديهم أي خلفية مسيحية، ولا تنشئة دينية من العائلة أو المدرسة، بخلاف ما كان عليه الحال لدى الأجيال السابقة». وتضيف: «إنهم في الغالب من الشباب الذين يبحثون عن نوع من الروحانية، ويرغبون في فهم العالم وأنفسهم بصورة أعمق».

 

من جهته، يرى ستيف بارنيت، صاحب مكتبة "سانت أندروز" في مقاطعة باكينغهامشير، أن هذا البحث الروحي يدفع بعض الشباب إلى مسار يبدأ عبر شخصيات مؤثرة على الإنترنت، مثل الكندي جوردان بيترسون، وينتهي بالاهتمام بنصوص دينية كالكتاب المقدّس. ويشير إلى ظهور فئة «مفاجئة» من الزبائن، معظمهم من الشبان، قائلاً: «فجأة تقريبًا، بدا وكأن شيئًا ما قد تغيّر، وبدأ الناس يتجهون نحو الإيمان».

 

وأُجريت هذه الدراسة من قبل دار النشر المسيحية SPCK Group، بالاعتماد على بيانات خدمة Nielsen BookScan التي تجمع أرقام مبيعات الكتب عالميًا. وخلصت النتائج أيضًا إلى أن فئة الكتب الدينية تُعدّ من أسرع أنواع الكتب غير الروائية نموًا، إذ ارتفعت مبيعاتها بنسبة 11% في عام 2025، مقارنة بزيادة قدرها 6% في عام 2024. وكان الإصدار الأكثر مبيعًا من الكتاب المقدّس هو ترجمة "النسخة الإنجليزية القياسية" (English Standard Version).

 

 

زيادة ملحوظة في نسبة حضور الكنائس

 

ويتزامن هذا الارتفاع في مبيعات الكتاب المقدّس مع زيادة ملحوظة في نسبة حضور الكنائس في إنجلترا وويلز خلال السنوات الأخيرة. فبحسب تقرير صادر عن "جمعية الكتاب المقدّس" في نيسان 2025، ارتفعت نسبة المواظبين على حضور الكنيسة بنسبة 50% منذ عام 2018.

 

ويقود هذا التحوّل بشكل أساسي الشباب. ففي عام 2018، قال 4% فقط من الفئة العمرية بين 18 و24 عامًا إنهم يحضرون الكنيسة مرة واحدة على الأقل شهريًا، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 16% في عام 2024، وهو أعلى نمو مسجّل بين مختلف الفئات العمرية.

 

 

تحوّل ثقافي أوسع

 

ويعتبر سام ريتشاردسون، المدير التنفيذي لمجموعة SPCK، أن هذه المعطيات تعكس تحوّلًا ثقافيًا في التوجهات، حيث باتت المسيحية تُنظر إليها، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، كخيار «مضاد للثقافة السائدة» في مجتمع نشأ في بيئات أسرية واجتماعية أكثر علمانية.

 

ويقول: «في السابق، كان التمرّد يتمثل في الإلحاد واتباع شخصيات مثل ريتشارد دوكينز والإلحاد الجديد الذي كان رائجًا جدًا. أما الآن، يبدو أن المعادلة انقلبت: فالجيل الجديد يجد المسيحية أكثر جاذبية، وهم منفتحون على استكشافها بدلاً من رفضها بشكل قاطع».

 

ويضيف أن التحوّلات السياسية والاجتماعية العالمية، وتداعيات جائحة كوفيد-19، والحروب، وصعود الذكاء الاصطناعي، وأزمة الصحة النفسية، كلها عوامل تدفع الأفراد إلى إعادة طرح أسئلة المعنى والروحانية. كما يشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًا في جعل المسيحية أكثر قربًا من الشباب، إذ بات بإمكانهم متابعة تجارب إيمانية شخصية بطرق لم تكن متاحة قبل عقدين.

 

 

ظاهرة سابقة لظهور الخطاب القومي

 

ويلفت تقرير جمعية الكتاب المقدّس أيضًا إلى أن الرجال باتوا أكثر إقبالًا على ارتياد الكنائس من النساء، ما يشير إلى أن هذا الاهتمام المتزايد بالمسيحية تقوده إلى حد كبير فئة الشباب الذكور.

 

ولا يقتصر هذا التوجّه على بريطانيا، إذ شهدت الولايات المتحدة بدورها ارتفاعًا في مبيعات الكتاب المقدّس بلغ أعلى مستوى له منذ 21 عامًا في 2025. غير أن هذا النمو تزامن، في البلدين، مع بروز خطاب يوظّف الرموز المسيحية لأغراض سياسية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، ظهر أحد رموز اليمين المتطرّف تحت لافتة كتب عليها «يسوع يخلّص» خلال احتفال ديني، الأمر الذي دفع قيادات في كنيسة إنجلترا إلى التنديد بـ«استغلال الإيمان المسيحي ورموزه لإقصاء الآخرين».

 

ومع ذلك، يؤكد ريتشاردسون أن الارتفاع في حضور الكنائس ومبيعات الكتاب المقدّس سبق بسنوات هذا الخطاب السياسي، قائلاً: «ربما جرى تضخيم دور القومية المسيحية. ما نشهده من زيادة في المبيعات مستمر منذ ست أو سبع سنوات، أي منذ عام 2019، بينما لم يبرز هذا الخطاب إلا مؤخرًا».