موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إلى أصحاب السلطة في الأرض، السلام لكم!
إنّ الشرّ لا يأتي دائمًا محطِّمًا الأبواب.
أحيانًا يدخل في صمت.
يرتدي ثوبًا أنيقًا.
ويبتسم أمام عدسات الكاميرات.
ويُوضَع في علبة فاخرة، مرفقًا ببطاقة، ويُقدَّم بكل مظاهر التكريم.
وللحظات، لا يعود أحد يتعرّف إلى الشرّ، لأنه تعلّم حسنَ السلوك.
هذا هو ما يؤلمني في ما جرى في أنقرة: ليس مجرد مسدّس أُهدي إلى ممثلي دول حلف الناتو، بل الموت وقد تحوّل إلى لفتة مجاملة. وإمكانية سلب الحياة وقد أصبحت تذكارًا، وذكرى رسمية، وقطعة تُعرض.
لقد روّضنا الأسلحة حتى أصبحنا قادرين على تقديمها كهدايا.
وهذه هي الفضيحة الحقيقية.
تقولون لنا إن الأمر مجرد رمز. لكن الرموز هي التي تُربّي العالم. فهي تسبق القوانين، وتتغلغل أعمق من الخطب، وتعلّم بصمت ما تعتبره حضارةٌ ما أمرًا طبيعيًا.
وهذه الهدية تعلّم أن السلطة ينبغي أن تتعرّف إلى نفسها في معدن المسدّس. وأن الرجل المهم هو الرجل المسلّح. وأن الحكّام يمكنهم أن يكرّم بعضهم بعضًا بأن يقدّموا، بكل أناقة، إمكانية الموت.
لقد نُقش على سبطانة المسدّس اسمُ من تلقّاه.
لكن كل مسدّس يحمل دائمًا اسمًا ثانيًا، غير مرئي.
إنه اسم الإنسان الذي قد تُوجَّه إليه هذه القطعة.
واسم المرأة التي قد تُترك بلا زوج.
واسم الطفل الذي قد ينتظر عبثًا عودة أبيه.
إنّ المتلقّي الحقيقي لأي سلاح ليس أبدًا الشخص الذي يتسلّمه فقط، بل ذلك الجسد المجهول الذي قد يلتقي يومًا برصاصته.
ولهذا لا أستطيع أن أعتبر ذلك مجرد غرابة دبلوماسية. إنه يروي رؤيةً للعالم. عالمًا تعلّمنا فيه أن نقيس الأمن بعدد الأسلحة، من دون أن نسأل كم ينبغي أن نزرع من خوف لكي نحافظ عليه. عالمًا يسمّي الرعب المتبادل “توازنًا”، ويسمّي السلام الفترة التي لم يطلق فيها أحدٌ النار بعد.
وبوصفي مسيحيًا، لا أستطيع أن أقبل بذلك.
لقد سلّمنا الإنجيل صورةً أخرى عن السلطة.
فالمسيح، في الليلة التي كان يمكن لكل شيء فيها أن يدفعه إلى الدفاع عن نفسه، لم يضع سلاحًا في أيدي تلاميذه، بل لفَّ منشفةً حول خصره، وجثا أمامهم وغسل أقدامهم المتعبة.
هناك، من جهة، سلاحٌ يُقدَّم واقفين بين رجالٍ ذوي نفوذ.
ومن جهة أخرى، إلهٌ راكعٌ أمام الإنسان.
إنهما حضارتان.
ولا بد من الاختيار.
إننا، نحن المسيحيين، لسنا سذّجًا. نحن نعرف العنف. نلتقيه في الأحياء المهمَّشة، وفي البيوت التي يفتقر أهلها إلى الخبز، وفي أجساد المهاجرين، وفي الأبناء الذين يُعادون إلى أمهاتهم داخل نعش. نحن نعلم أن الشر موجود. ولهذا بالذات نرفض أن نكسوه بالأناقة. ونرفض أن نزيّنه، أو نلمّعه، أو نحوّله إلى علامةٍ على الوجاهة والهيبة.
فالسلاح لا يصبح بريئًا لأنه قُدِّم هدية.
ولا يصبح صامتًا لأنه لم يُطلق النار.
ولا يصبح إنسانيًا لأنه يحمل اسمًا منقوشًا عليه.
ولذلك أطلب منكم، يا قادة الأمم، ألا تحتفظوا بهذه الهدية كأنها غنيمة أو كأس نصر. ولا تكتفوا بوضعها في غرفة بعيدة عن الأنظار، وكأن إخفاء الرمز يكفي لمحو معناه.
بل افعلوا ما هو أصعب.
ارفضوا الفكرة القائلة إن الموت يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التكريم.
قولوا علنًا إن أي عهد بين الشعوب لا يحتاج إلى أن يتعرّف إلى نفسه في مسدّس. قولوا إن كرامة الأمة لا تُقاس بمقدار الخوف الذي تستطيع أن تزرعه. قولوا إن الأمن ليس امتيازًا لمن يستطيع أن يطلق النار أولًا، بل هو حق الجميع في ألا يكونوا هدفًا للرصاص.
وفي القمة المقبلة، اتركوا كرسيًا فارغًا.
لا من أجل رئيس.
ولا من أجل جنرال.
ولا من أجل وزير.
اتركوه لذلك الإنسان المجهول الاسم الذي يدفع دائمًا ثمن قراراتكم. لذلك الذي لا يشارك في القمم، ولا يوقّع المعاهدات، ولا يظهر في الصور، لكنه ينتهي تحت الأنقاض عندما تفشل الدبلوماسية.
انظروا إلى ذلك الكرسي قبل أن تتحدثوا عن الأسلحة.
لعلّكم عندئذٍ تدركون أن السلام ليس ضعفًا ينبغي تصحيحه، بل مسؤولية ينبغي الركوع أمامها.
لأن السلطة التي لا تعرف كيف تركع أمام الحياة، ستنتهي دائمًا إلى الركوع أمام السلاح.
وفي ذلك اليوم، مهما كانت الاحتفالات مهيبة، سنكون قد خسرنا جميعًا.