موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
رائد البهو – المدير الإقليمي للبعثة البابوية
ترك الاعتداء المروّع على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في الكرك المجتمع المسيحي والبلاد بأسرها في حالة من الحزن العميق. فقد تسعة أبرياء حياتهم أثناء مشاركتهم في جنازة، وأُصيب كثيرون آخرون. وقلوبنا وصلواتنا مع عائلاتهم في هذه الأوقات العصيبة.
كان ما حدث مؤلمًا، لكن الأيام التي تلته أظهرت لنا مدى وحدة الأردنيين وتكاتفهم. فقد وقف المسيحيون والمسلمون معًا، يساند بعضهم بعضًا. وتوجّه الناس إلى المستشفيات للتبرع بالدم، وواسى الجيران العائلات المفجوعة، وأدان القادة الدينيون الاعتداء. ولم يكن المجتمع المسيحي وحده من يعيش الحزن، بل شاركه الوطن بأسره.
لقد كان لموقف جلالة الملك عبدالله الثاني، والعائلة المالكة، والحكومة، أثر كبير في مواساة الناس. فقد زار جلالة الملك المصابين، وتعهّد بتقديم المسؤولين عن الاعتداء إلى العدالة. وكُرّم الضحايا في مراسم تشييع وطنية رسمية شارك فيها آلاف الأردنيين، ولُفّت نعوشهم بالأعلام الأردنية، وجرى تكريمهم بوصفهم شهداء الوطن. وكان لهذا الأمر معنى بالغ الأهمية لدى المجتمع المسيحي، إذ أظهر أن الحزن عليهم لم يكن لأنهم مسيحيون فحسب، بل لأنهم أردنيون. كما وقفت جلالة الملكة رانيا وسمو ولي العهد الأمير الحسين وأفراد آخرون من العائلة المالكة إلى جانب العائلات المفجوعة.
وكان إلقاء القبض على المشتبه بهم الثلاثة، بعد ثلاثة أيام فقط من الاعتداء، محطة مهمة أخرى. فقد شعر الناس بالخوف، وساعدتهم سرعة تحرك السلطات على استعادة الشعور بالأمان. وأظهرت هذه الخطوة أن الحكومة تتعامل مع هذه الجريمة المروّعة بمنتهى الجدية، وأنها مصممة على حماية أبناء شعبها.
يعيش المسيحيون في الأردن منذ قرون. لسنا ضيوفًا هنا. فهذا وطننا، تمامًا كما هو وطن إخوتنا وأخواتنا المسلمين. لقد رأينا ما حدث في العراق وسوريا، حيث اضطرت عائلات مسيحية كثيرة إلى مغادرة أوطانها. ولا نريد للأردن أن يواجه المصير نفسه. سيواصل المسيحيون العيش هنا، وتربية أبنائهم، وممارسة إيمانهم، والاحتفال بتقاليدهم.
أؤمن بأن هذه المأساة يجب أن تكون أيضًا دافعًا إلى التغيير. علينا أن نتعامل مع التطرف بجدية أكبر، ولا سيما من خلال التربية والتعليم. فمن الضروري أن ينشأ أطفالنا على احترام الآخرين وتقبّلهم، وإدراك أهمية العيش معًا بسلام.
وفي مؤسسة الشرق الأدنى الكاثوليكية - البعثة البابوية، سنواصل دعم الكنيسة المحلية، ومساعدة العائلات المحتاجة، وإتاحة الفرص أمام الشباب لبناء مستقبلهم في الأردن. لقد منحت الوحدة التي شهدناها في أعقاب هذه المأساة المجتمع المسيحي قوة ورجاء.
وعلينا أن نبني على هذه الوحدة من خلال تشجيع المزيد من الحوار والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين، ولا سيما بين الأجيال الشابة. فمن خلال الجمع بين أبناء الديانات المختلفة، نستطيع تعزيز الروابط التي شكّلت على الدوام جزءًا من المجتمع الأردني، والمساعدة في ضمان استمرار الأجيال المقبلة في العيش معًا بسلام واحترام متبادل.