موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم يكن اللقاء مجرّد محاضرة، بل شهادة حيّة ومؤلمة قدّمها الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، إلى شباب أبرشية تورسي-لاغونيغرو الإيطالية. وقد جرى اللقاء في أجواء من الإصغاء العميق، حيث حملت كلمات البطريرك مأساة الأرض المقدسة إلى قلب منطقة بازيليكاتا، وربطت بصورة رمزية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
واستهل اللقاء أسقف الأبرشية المطران فينتشنزو أوروفينو، ليشكّل مناسبة أمام الجماعة الأبرشية لمواجهة واقع ممزق، لكنه لا يزال قادرًا على إنجاب الرجاء.
استهل الكاردينال بيتسابالا حديثه بوصف التأثير المدمر للصراع، مشيرًا إلى أن أحداث 7 تشرين الأول والحرب في غزة شكّلت نقطة تحول بالنسبة إلى الجميع دون استثناء، وقال: "كان 7 تشرين الأول والحرب في غزة نقطة تحوّل بالنسبة إلى الجميع، من دون أي استثناء: الإسرائيليين والفلسطينيين والمسيحيين واليهود والمسلمين. أن أكون راعيًا وأن أمارس خدمتي كأسقف قبل 7 تشرين الأول وبعده لم يعد الأمر نفسه. كان عليّ أن أعيد التفكير بالكامل في الأمور التي أقولها، وفي الطريقة التي أقولها بها، وفي ما ينبغي قوله وما ينبغي عدم قوله".
وبوضوح، تناول البطريرك الجراح العميقة التي تعرقل اليوم أي حوار، فقال: "بالنسبة إلى الإسرائيليين، أعاد 7 تشرين الأول فتح جراح المحرقة. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، تمثّل حرب غزة صدمة أخرى عميقة جدًا، تُسمّى النكبة، أي الكارثة. كلا الطرفين يشعر بأنه مهدد في وجوده نفسه: ’الآخر يرفضني‘. لقد انهارت آلية الثقة. وكل الأحاديث السابقة عن مسارات السلام والمصالحة والحوار لم تعد تنجح في هذا السياق. هناك انعدام عميق للثقة، وهناك أيضًا كراهية".
ورغم قتامة المشهد، أشار بيتسابالا إلى علامات رجاء لا تأتي من السياسة، التي وصفها بأنها «هشّة وبلا رؤية»، وإنما من الناس والجماعات على الأرض، وقال: "إنه زمن الجماعة: هناك إسرائيليون وفلسطينيون ومسيحيون ويهود ومسلمون قادرون على إبقاء حسّ الإنسانية حيًا".
وقدّم الكاردينال أمثلة ملموسة من لقاءاته في غزة، وسط الركام والجوع، حيث لا يزال المسيحيون، رغم أنهم يشكّلون 0.02% فقط من السكان، نقطة مرجعية في المجتمع.
وتوقف خصوصًا عند لقاء جمعه بنحو 700 شاب مسلم في الجامعة المدمرة، وقال: "كنت أتوقع أسئلة عن السياسة، لكنهم طرحوا عليّ أسئلة جميلة جدًا عن معنى الحياة والإيمان والإنسانية. حتى إن شابًا يدعى أحمد صاغ سؤاله باللغة اللاتينية ليُظهر شغفه بها. وعندما قلت إن الإيمان بالنسبة إليّ يعني رفض كل أشكال العنف، وقفوا جميعًا وصفقوا".
وحذّر بطريرك القدس من خطورة نزع الصفة الإنسانية عن الآخر، معتبرًا أن تحويله إلى مجرد عدو يمهّد الطريق لتبرير العنف ضده، وقال: "عندما يصبح الآخر مجرد عدو، صورة بلا وجه وبلا تاريخ، يصبح استخدام العنف مقبولًا ثقافيًا وأخلاقيًا. العنف الأول يكمن في استخدام لغة تنزع عن الآخر إنسانيته. الكلمات مهمة: يجب أن يبقى الآخر إنسانًا له حقوقه وواجباته".
ثم وجّه الكاردينال بيتسابالا نداءً إلى شباب منطقة بازيليكاتا وإلى إيطاليا بأسرها، طالبًا منهم ألا ينقلوا إلى مجتمعاتهم الانقسامات التي تعيشها الأرض المقدسة، بل أن يساعدوا في تجاوزها بالتعاطف، وقال: "نحن بحاجة إلى مساعدتكم أيضًا من إيطاليا: لا تكرروا انقساماتنا، وساعدونا على الخروج من المشكلات بالتعاطف. فمن القلب تُتخذ القرارات المهمة. وفي هذه اللحظة القاسية، أرى أن الله، من خلال أشخاص كثيرين، يُعِدّ شيئًا جديدًا. ومهمتي هي أن أصونه وأساعده على النمو".
كما دعا الشباب إلى دراسة التاريخ وفهمه بوعي، محذرًا من استخدامه وتطويعه لتبرير الصراعات، وقال: "يجب أن نتعلم أن التاريخ يمكن قراءته بطرائق كثيرة، وأن نضع معايير لتفسيره تكون مفيدة أيضًا للحاضر ولعلاقاتنا".
واختُتم اللقاء بكلمات للمطران فينتشنزو أوروفينو، الذي شكر الكاردينال بيتسابالا لأنه حمل إلى الحاضرين "جسد" شعب يتألم، مذكّرًا بأن "إخراج الرب من الحياة يعني القضاء على إنسانيتنا". وغادر شباب بازيليكاتا اللقاء حاملين رسالة واضحة: السلام ليس شعارًا، بل التزام يومي يبدأ من القلب ومن احترام الآخر وصون إنسانيته.