موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نقلاً عن "الحياة" اللندنية
عامان فقط من بابوية فرنسيس الأول يلفتان النظر إلى الدور المهم الذي يقوم به هذا البابا، الآتي من بلاد لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية والرافض الزخم الرأسمالي المتوحش.
لعل أحدث الأدوار التي أسمعت العالم صوتاً من أصوات الحق في الأسابيع الأخيرة كان صوت البابوية في الفاتيكان عبر الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، وليس هذا فقط، ولكن كذلك عبر تشجيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ليكون رسولاً أو أداة للسلام في المنطقة، بخاصة في ضوء العنت الإسرائيلي الظاهر للعيان في تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو الرافض قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وليس سراً القول أن هذا الاعتراف يعني دعماً أدبياً وأخلاقياً هائلاً للقضية الفلسطينية ولطرح إقامة الدولة في المحافل الدولية، وفي المقدم منها الأمم المتحدة.
وهناك الدور الحيوي الذي لعبه الفاتيكان والبابا فرنسيس في إعادة العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، وقد بلغ من تأثير البابا هناك أن الرئيس الكوبي راؤول كاسترو قال في زيارته الأخيرة خلال أيار (مايو)، للفاتيكان، أن البابا رويداً رويداً سيعود بي إلى اعتناق الكاثوليكية من جديد.
هل في اقتراب فرنسيس الأول من كاسترو ما يذكرنا بالحوارات التي أقامها يوحنا بولس الثاني مع ميخائيل غورباتشوف في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم؟
يذهب الفيلسوف الكاثوليكي الأميركي مايكل نوفاك إلى أن: «الأمر بالفعل سيان فغورباتشوف كان يريد بحق أن يصلح الاتحاد السوفياتي، وكان الحوار معه يخدم على مساعدته لتحقيق هدفه. وفي بداية تولي كاسترو منصب المسؤولية كنت أعلم أن النظام القائم على هذا النحو لن يستمر، ومن الضروري أن يصار إلى إصلاح تدريجي وسليم لما قام به راؤول وفيدل، وهنا كان مفيداً أن يحاول البابا التوسط من إجل إصلاح الأمور»... هل هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها الفاتيكان إصلاح ذات البين بين دولتين؟
بالقطع هناك تجارب سابقة، منها على سبيل المثل التوسط الفاتيكاني بين تشيلي والأرجنتين عام 1984، وكان قد احتدم بينهما خلاف حاد بسبب قناة بيغل، وهناك المحاولات المستمرة لتشجيع المصالحة في كولومبيا بين الحكومة وبين الميليشيات المسلحة.
أحد المشاهد التي أثارت جدلاً واسعاً حول الدور السياسي للفاتيكان في الأشهر الماضية، دار حول رؤية الحاضرة الكاثوليكية للإرهاب الأعمى الذي يقوده «داعش» في الشرق الأوسط ذلك أن المؤسسة الكاثوليكية التي تدعو إلى السلام وتعتبره أحد أركانها الرئيسية، بدا كأنها تميل إلى فكرة استخدام القوة من أجل مواجهة الظلم الناشئ عن تلك الميليشيات المسلحة والدموية، لا سيما إرهابها الواقع على الأقليات الضعيفة والمستضعفة في الشرق الأوسط.
جرى ذلك عندما دعم مراقب الكرسي الرسولي لدى الأمم المتحدة المونسنيور توماس الأمم المتحدة في استخدام القوة العسكرية لملاقاة «داعش»... هل تغيرت عقيدة الفاتيكان إذاً؟
المؤكد أن المشهد في 2015 يختلف عن ذلك الذي حدث في 2003، أي الرفض الفاتيكاني في عهد يوحنا بولس الثاني الغزو الأميركي للعراق، ففي ذلك الوقت رأى البابا الراحل أن الأمر بمثابة اعتداء على الأرواح والممتلكات لبلد مستقل، لهذا أرسل مندوباً خاصاً إلى واشنطن، الكاردينال روجيه إتشيغاري الذي أفشل بوش مهمته.
أما الآن فإن التدخل هو من أجل حماية الأرواح التي تذبح على حد السكين بطريقة غاية في الوحشية والبربرية معاً.
ولأن الفاتيكان يرفض تغليب منطق القوة العمياء، رأينا البابا عينه يكرس أحد أيام أيلول (سبتمبر) 2013 من أجل الصلاة لرفع يد الحرب التي كانت تهدد سورية بالأسلحة الكيماوية، وكانت الخسائر البشرية أيضاً هي داعية البابا إلى التدخل عبر الصلاة، فهو لا يملك فرقاً عسكرية كما تندر عليه ستالين غداة معاهدة يالطا بعد الحرب العالمية الثانية، وفاتَه أن ما لدى البابوية ربما أقوى بالفعل.
العام الماضي، وعلى هامش أحد أحاديثه البابوية ذكرنا فرنسيس الأول بأن الرأسمالية لم ولن تستطيع البقاء وإدامة نفسها إلا بوسيلة واحدة هي إدارة الحروب، وهذا ما كانت تفعله سابقاً، وهي لا تحتاج الآن إلى إعلان الحرب العالمية الثالثة، لأن البديل لها هو استمرار إشعال الحروب الإقليمية.
هل نحن إزاء بابا شيوعي كما تتهمه بعض الأوساط الأميركية اليمينية على نحو خاص؟
في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان البابا فرنسيس يتحدث إلى نحو مئتي شخص من ممثلي الحركات الشعبية المجتمعين في روما لمدة ثلاثة أيام في لقائهم العالمي، بالقول «إن تحدثت عن مسائل كالأرض والعمل والسكن لفترة من الوقت، سيقال عني أن البابا شيوعي؟ أليس غريباً هذا بالفعل؟ نعم، إنه كذلك لأن «محبة الفقراء تكمن في صلب الإنجيل، والعقيدة الاجتماعية للكنيسة» واختتم قائلاً: «إن هذا التلاقي لا يأتي استجابة لأيديولوجية معينة» على حد تعبيره.
هل من قضية بعينها تلمس شرق أوسطنا الحزين على نحو خاص، وتمثل ألماً قائماً بعينه لخليفة مار بطرس البابا العربي الأول للكنيسة الكاثوليكية؟
حكماً نحن نتحدث عن أوضاع ومآلات المسيحيين في الشرق الأوسط، بعد الذي جرى لهم على هامش ما أطلق عليه الربيع العربي، بخاصة مع ظهور الميليشيات «الداعشية» و «القاعدية» المسلحة بأبشع صورها في سورية والعراق.
كان المسيحيون العرب طوال التاريخ فصيلاً ساهم في إثراء الحضارة العربية والإسلامية، ولم تمر بالمنطقة فترة حالكة السواد كمثل التي نعيشها، لهذا تحدث البابا عن ما سمّاه «ظاهرة الإرهاب بأبعاد لم يكن تصورها ممكناً في الماضي».
في مقابل ذلك، كان فرنسيس الأول حازماً بقوله: «إن هذا الوضع المجحف يتطلب فضلاً عن صلواتنا رداً ملائماً من جانب الجماعة الدولية»، لكن يبدو أن آمال البابا خابت في الجماعة الدولية، ويظهر أن مسألة «داعش»، أوسع وأكبر من طرد أو ذبح الأقليات الدينية، وإن كانت هذه أولى الضحايا، بل تمتد إلى تدمير دول بعينها، وإعادة رسم خرائط .
هل من بعد آخر ومشهد مستقل لدور الفاتيكان في سبيل خدمة الإنسانية؟
في أواخر نيسان (أبريل) المنصرم، زار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حاضرة الفاتيكان، ووجه دعوة إلى البابا لإلقاء كلمة على منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 25 تموز (يوليو) المقبل... ما قصة هذا الخطاب؟ المعروف أن البابا سيزور في هذا التوقيت الولايات المتحدة الأميركية، غير أن دعوة بان كي مون هي من أجل جلب المدد الكاثوليكي حول العالم لحماية الأرض والبيئة، وإتاحة الفرصة لأن تلعب حاضرة الفاتيكان دوراً في إنقاذ البشرية التي تكاد أن تدمر نفسها بنفسها نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري وتبعاتها في الحال والاستقبال.
الثابت أن هناك الكثير من الملفات التي شارك الفاتيكان ولا يزال بنقاشات جادة، كل منها يحتاج إلى قراءة معمقة قائمة ومستقلة، وليس آخرها التعاطي مع النظريات العلمية، مثل الاعتراف بنظرية «الانفجار الكوني العظيم» وكيف أنها لا تجافي ولا تنافي أبجديات الإيمان، ومنها أيضاً الحوار والتقارب الإنساني والروحي مع أتباع الأديان حول العالم، لا سيما الإسلام والمسلمين.
على أن هناك هاجساً حقيقياً بات يقلق الفاتيكان اليوم ويتمثل في «العلمانية المنفلتة» إن جاز التعبير التي تضرب جنبات أوربا، وتكاد تذهب بروح الإيمان والأديان معاً.
فخلال لقائه أواخر العام المنصرم مع وفد من المؤتمر الدولي لأساقفة الكنيسة الكاثوليكية القديمة من «اتحاد أمترخت» رأى البابا أن: «القارة العجوز على رغم الاضطراب الكبير الذي يدور حول هويتها الخاصة، تشعر بعطش كبير لله، ورغبة عميقة بإعادة اكتشاف معنى الحياة»، فضلاً عن «حاجة ملحة إلى شهادة عيان موثقة بحقائق وقيم الإنجيل» وفق ذكره.
ماذا عن الحضور الديموغرافي للكاثوليك حول العالم؟
وفق أحداث البيانات الواردة في: Anmuarium Statisticum Ecclesiae لعام 2014، فإن أعداد الكاثوليك في العالم أخذت في الارتفاع، ففي الفترة بين عامي 2005 و2013، ارتفع عدد الأفراد المعمدين من 1.115 بليون إلى 1.254 بليون، بزيادة إجمالية مقدارها 139 مليون مؤمن، وقد ارتفع العدد في أفريقيا على وجه الخصوص، وبما يتناسب مع الزيادة السكانية في كل من أميركا وآسيا، بينما في أوروبا فيبقى الرقم ثابتاً... هل تعني تلك الأرقام شيئاً ما؟
بالقطع إنها تشير إلى مؤسسة حيوية، تتفاعل بجدارة مع العالم في القرن الحادي والعشرين، وتعرف كيف تزيد من مؤمنيها عددياً في العالم...
على أن علامة الاستفهام الأخيرة في هذه القراءة... هل لعب شخص البابا فرنسيس دوراً ما في إذكاء جذوة المؤسسة الفاتيكانية، ودورها السياسي حول العالم؟
وفقاً لتقرير نشره موقع Twiplomacy، تبين أن موقع البابا فرنسيس يأتي الأول بين حسابات 669 شخصاً من أشهر الشخصيات العالمية، وبين قادة وزعماء العالم ما يعني أنه أكثر قادة العالم تأثيراً على تويتر.