موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في أول زيارة له إلى القرى المسيحية في شمال غرب سوريا منذ تعيينه سفيرًا بابويًا لدى البلاد، حمل المطران لويجي روبرتو كونا رسالة قربٍ ورجاء إلى أبناء يعقوبية والقنية والغسانية في محافظة إدلب، حيث ما تزال واحدة من أقدم الجماعات المسيحية في الشرق تصارع آثار الحرب والزلزال والهجرة، متمسكة بإيمانها ورجائها بالمستقبل.
وشهدت الزيارة، التي جرت بين 26 و28 حزيران الماضي، استقبالًا شعبيًا حافلًا، عكس شوق الأهالي إلى حضور الكنيسة الجامعة بينهم. وفي دير حراسة الأراضي المقدسة، استمع المطران كونا إلى أبناء القرى، وإلى مسؤوليها ورهبانها الفرنسيسكان، الذين واصلوا خدمتهم رغم سنوات الحرب الطويلة، محافظين على الوجود المسيحي في منطقة كانت لسنوات معقلًا لتنظيم داعش.
وخلال لقائه عددًا من المسؤولين المحليين، رُفعت أمام الدير علما الكرسي الرسولي وسوريا، في مشهد وصفه المطران كونا بأنه رمز جميل للعيش المشترك التاريخي بين المسلمين والمسيحيين في البلاد، وقال إن العلمين يبدوان «كذراعين مرفوعتين نحو السماء».
وخاطب السفير البابوي أبناء القرى بكلمات حملت طابعًا شخصيًا وروحيًا، مستعيدًا تعليم البابا القديس يوحنا الثالث والعشرين، فقال: «أنا هنا أولًا لأضع قلبي بالقرب من قلوبكم». وأكد أن أمن المسيحيين لا يرتبط بالظروف السياسية أو بالحكومات، بل بالإيمان بالمسيح، مضيفًا: «إذا تمكنتم من الصمود أربعة عشر عامًا وسط الألم والعنف، فعلينا أن نستمر في الثقة بعناية الله ورحمته التي لا تتخلى عنا، حتى في أحلك اللحظات».
وبرزت خلال اللقاءات مخاوف الشباب من مستقبل الوجود المسيحي في المنطقة، في ظل تراجع عدد السكان وغياب فرص العمل.
وقال أحد الشبان إن القرى لم تشهد سوى زواجين خلال خمس أو ست سنوات، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى اختفاء الوجود المسيحي خلال عقود قليلة، إذا لم تُتخذ خطوات عملية لدعم الشباب وتمكينهم من البقاء في أرضهم.
كما طالبت إحدى السيدات بتوفير برامج تدريب وتأهيل مهني تساعد الشباب على دخول سوق العمل، بعدما حالت الظروف الاقتصادية دون تمكن كثيرين منهم من إطلاق مشاريعهم الخاصة.
وفي هذا السياق، اقترح المطران كونا ترميم عدد من المباني التقليدية وتحويلها إلى مرافق ضيافة تستقبل الحجاج والسياح، بما ينعش الحركة الاقتصادية ويخلق فرص عمل جديدة، ويساعد هذه القرى على استعادة حياتها.
وخلال الزيارة، استمع السفير البابوي إلى شهادات إنسانية مؤثرة، من بينها شهادة باسم أرتين، الذي اختطفته جماعة متشددة خلال سنوات الحرب، واحتُجز أسبوعين تعرض خلالهما للتعذيب والضرب والتهديد بالقتل.
ويروي باسم أنه عندما وضع أحد خاطفيه سكينًا على عنقه وهدده بالموت، أجابه: «إذا شاء الله». وفي أكثر اللحظات قسوة، شعر بصوت داخلي يقول له: «لا تخف... أنا معك»، الأمر الذي منحه القوة ليواجه خاطفيه بثبات، مؤكدًا لهم أنه يضع ثقته بالله وحده.
أما سليم جلّوف، فاختصر سنوات المأساة في قصة واحدة.
فخلال الحرب، تعرض منزله للقصف، وأصيب إصابة بالغة في ساقه انتهت ببترها، فيما أصيبت والدته أيضًا، وكان والده يصارع مرض السرطان. وبعد سنوات من الألم، تمكنت العائلة من ترميم منزلها والعودة إليه، لكنها لم تمكث فيه سوى عام واحد، قبل أن يدمره زلزال عام 2023 بالكامل.
ويقول سليم إن العائلة فقدت كل شيء واضطرت إلى العيش في الخيام، لكنها ما تزال تتمسك بالأمل، منتظرة مواسم الزيتون والعنب لتأمين لقمة العيش، فيما يواصل هو عمله سائقًا لسيارة أجرة، راجيًا أن يعيش بسلام في أرضه.
من جهته، أكد الأب خوكاز ميسروب، كاهن رعية القنية، أن الكنيسة تعمل منذ سنوات على إعادة ترميم المدارس والكنائس والمنازل المتضررة من الحرب والزلزال وأعمال التخريب، لمساعدة العائلات التي بدأت تعود تدريجيًا إلى قراها.
وأوضح أن رسالة الكنيسة لا تقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، بل تشمل توفير السكن والعمل والتعليم، حتى تتمكن الأسر من بدء حياة جديدة، معربًا عن ثقته بأن معاناة المسيحيين في هذه المنطقة لن تذهب سدى، بل ستبقى شهادة حيّة للإيمان والرجاء، من أجل الكنيسة والمؤمنين في العالم أجمع.