موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٨ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
الكاردينال بيتسابالا: لا سلام بلا تغيير النظرة والاعتراف بالآخر
البطريرك بيتسابالا خلال ترؤسه القداس الإلهي (تصوير: البطريركية اللاتينية)

البطريرك بيتسابالا خلال ترؤسه القداس الإلهي (تصوير: البطريركية اللاتينية)

أبونا :

 

في عيد اهتداء القديس بولس الرسول، وعيد الكنيسة اللاتينية في قبرص، ترأس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الإلهي في نيقوسيا، ملقيًا عظة ركّز فيها على معنى الاهتداء بوصفه لقاءً يبدّل نظرة الإنسان إلى الله وإلى الآخر وإلى ذاته.

 

 

ليست قصة خطيئة فقط بل قصة لقاء

 

في مستهل عظته، شدّد البطريرك بيتسابالا على أن لحظة اهتداء الرسول بولس «ليست مجرد حديث عن الخطيئة والغفران، ولا قصة لرجل أخطأ ثم عاد عن مساره، بل هي قبل كل شيء قصة عن لقاء». وأوضح أن هذا اللقاء «لا يأتي نتيجة السعي، بل كمفاجأة؛ ولا ينشأ من الشك، بل من يقين؛ ولا يحدث في لحظة ضعف، بل في قلب يقين ديني كامل».

 

وأشار إلى أن بولس «لم يكن يبحث عن الله، ولم يكن يمر بأزمة روحية»، بل كان مقتنعًا بأنه «يخدم الله بإخلاص وغيرة وتقوى وشغف». وأضاف أن هذه الحقيقة تحمل رسالة حاسمة للكنائس اليوم، لأن «الله يلتقي الإنسان ليس فقط حين يضل الطريق، بل أيضًا حين يكون واثقًا من ذاته»، إذ يدخل «إلى يقيننا الديني، وإلى أطر إيماننا المحكمة، وإلى ضماناتنا الروحية».

 

 

المسيح يعرّف نفسه بجسده، أي بالكنيسة

 

ومتوقفًا عند مشهد طريق دمشق، قال بطريرك القدس للاتين إن بولس «يسقط أرضًا، لكن قبل ذلك، يسقط يقينه الداخلي»، مشيرًا إلى أن النور الذي أحاط به «ليس مجرد نور مبهر، بل نور كاشف ينزع كل ما هو مصطنع». وأوضح أن الصوت الذي سمعه بولس «لا يتهم ولا يشرح، ولا يقدم درسًا، بل يطرح سؤالًا واحدًا بسيطًا وعميقًا: لماذا تضطهدني؟».

 

وأكد الكاردينال بيتسابالا أن عبارة «لماذا تضطهدني؟» تكشف «إحدى أعمق حقائق السرّ المسيحي»، إذ إن المسيح «يعرّف نفسه بجسده، ويجعل نفسه حاضرًا في الكنيسة، وسط هشاشتها وجراحها». وأضاف أن كل انكسار في الشركة، وكل إقصاء أو إهانة لأخ أو أخت، «يمسّ المسيح نفسه».

 

وأكد أن هذه الكلمة تكتسب اليوم دلالة مسكونية خاصة، موضحًا أن الوحدة «ليست مجرد زخرفة للإيمان، بل بُعد جوهري من سرّ المسيح نفسه». وأشار إلى أن الانقسامات بين المسيحيين «لا تقتصر على أبعاد تاريخية أو مؤسسية، بل تمسّ جسد الرب عينه، الذي لا يزال يتألّم من انقسام تلاميذه».

 

وقال البطريرك بيتسابالا: «هنا يكمن أول تحوّل حقيقي لبولس: تحوّل في فهمه لله. يكتشف أن الله ليس فكرة تُدافَع عنها، بل شخص يدعو؛ ليس عقيدة تُفرض، بل علاقة تُقبَل؛ ليس مشروعًا بشريًا يجب حمايته، بل عطية تسبق كل جهودنا ومبادراتنا».

 

 

زمن نعمة ومسيرة جماعية

 

وتوقف الكاردينال عند فقدان بولس للبصر بعد اللقاء، معتبرًا أن هذا العمى «ليس عقوبة، بل زمن نعمة»، وصمتًا ضروريًا «يتعلّم فيه الإنسان أن يتخلّى عن نظره المحدود، وألا يعتمد بعد الآن على قدراته وحدها». وأشار إلى أن بولس، الذي كان قائدًا، «يجب أن يقبل الآن أن يقوده الآخرون».

 

وفي هذا السياق، وجّه بطريرك القدس للاتين كلمة إلى الكنائس العريقة، الغنية بالتقليد والليتورجيا واللاهوت والذاكرة، قائلاً إن الرب «يسمح أحيانًا بأن تخبو أنوارنا، وأن تهتز يقينياتنا، وأن تظهر هشاشتنا وحدودنا، ليس لتفقيرنا، بل لتوجيهنا نحو ما هو أساسي: الاتكال على نعمته وحدها».

 

وأكد الكاردينال بيتسابالا أن اهتداء بولس لم يكن فعلًا فرديًا، إذ احتاج إلى حنانيا وإلى جماعة تستقبله وتثق بعمل نعمة الله. ورأى في ذلك دعوة للكنيسة إلى الإيمان بأن النعمة «قادرة على العمل حتى في الظروف التي تثير الشك وعدم الثقة».

 

 

لا سلام بلا تغيير النظرة والاعتراف بالآخر

 

وشدد الكاردينال على أن اهتداء بولس يذكّر بأن «التغيير الحقيقي لا ينبع من القوة، بل من اللقاء؛ لا من العنف، بل من الاعتراف بالآخر؛ لا من الفرض، بل من الإصغاء الصبور»، مشدّدًا على أنّ كلمة الله تكتسب بُعدًا إنسانيًا وعالميًا عميقًا إذ تؤكد أنّ «لا سلام من دون تغيير النظرة، ولا مصالحة تدوم إلا عبر الاعتراف بكرامة الآخر وتاريخه وألمه».

 

ولفت إلى أنّ بولس «كان يظن أنه يخدم الله بالمواجهة، لكنه اكتشف أن خدمة الله تمر عبر اهتداء القلب». وهذا ينطبق أيضًا على كل سياق حياتنا: «فالقوانين والمؤسسات والدبلوماسية وكل جماعة مدعوة ليس فقط لإدارة موازين القوى، بل لحماية ما هو إنساني، وحماية الشخص، وتعزيز العدالة والسلام».

 

وأكد بطريرك القدس للاتين أنّ «شخصية بولس -الذي عبر البحار والحدود بلا سلاح أو سلطة، بل بقوة الكلمة والشهادة- تبقى مرجعًا لزمننا. إذ يذكّرنا بأن مستقبل الشعوب لا يُبنى ضد أحد، بل معًا، وأن السلطة الحقيقية تولد من الخدمة».

 

 

من يلتقي بالمسيح يُرسَل دائمًا

 

وفي ختام عظته، ذكّر الكاردينال بيتسابالا بأن استعادة بولس لبصره لم تكن مكافأة بل رسالة: «لقد اخترتك لتعرفني وتشهد لي»، مؤكّدًا أنّ «الاهتداء المسيحي لا ينغلق على ذاته أبدًا؛ فمن يلتقي بالمسيح يُرسَل دائمًا. فالإيمان ليس شيئًا نمتلكه، بل عطية تُعطى لكي تُشارك».

 

وخلص إلى القول: «الاهتداء ليس مجرد بداية المسيرة المسيحية، بل هو أسلوب حياة. إنه السماح لله بأن يفاجئنا دائمًا، حتى حين نظن أننا قد عرفناه»، داعيًا إلى طلب ذات النعمة التي أُعطيت لبولس: «لا إيمانًا مريحًا، بل إيمانًا متحوّلًا؛ لا كنائس منغلقة على ذاتها، بل جماعات في مسيرة؛ لا أن "نرى أكثر"، بل أن نرى أفضل بعيون المسيح لكي نكون معًا شهودًا للإنجيل، حتى أقاصي البحر والتاريخ».